في الخريطة السياسية للمنطقة العربية ليست مجرد خطوطا تفصل بين دول ولا حدودا ترسمها اتفاقيات ومواثيق دولية فقط بل هي مسرح لصراعات عميقة الجذور تمتد جذورها الى عقود من الزمن وما نشهده اليوم في قطاع غزة وعلى الحدود اللبنانية الجنوبية ليس سوى فصلا جديدا من فصول هذا الصراع الممتد الذي يعيد رسم .الجغرافيا السياسية للمنطقة بأسرها
في حسابات بنيامين نتنياهو السياسية لا قيمة للدماء إلا بقدر ما تدره عليه من مكاسب انتخابية فهو يقيم بورصة خاصة للرصاص والجثث يستثمر فيها صعود أسهمه في استطلاعات الرأي كلما انهارت شرعيته الانتخابية وتآكلت قاعدته الائتلافية وجد في توسعة مسرح العمليات العسكرية طوق نجاة من صناديق الاقتراع التي تنذر بطرده من المشهد السياسي إلى أروقة المحاكم فهو يدرك أن صوت المدافع يخفت صوت المعارضة وأن دخان الغارات يحجب تقارير الفساد وأن طول أمد الحرب يؤجل لحظة سقوطه المدوي في انتخابات لا يملك فيها ما يخسره لأنه خسر كل شيء إلا مقامرة الجنرالات التي يتقن التلاعب بأوراقها الملطخة بدماء الفلسطينيين واللبنانيين بل إن سيناريو إعلان الحرب على إيران من طرف واحد قبل موعد الانتخابات ليس تهديدا أجوف بل هو الخيار الأخير في قائمة النجاة السياسية لرجل يرى في تمدد الحرب إلى طهران جسرا يمر عليه من ضفة الهزيمة الانتخابية إلى ضفة الزعامة التاريخية مستخدما نظرية الاستثمار السياسي في الموت حيث يصبح كل قتيل لبنة في جدار بقائه وكل صاروخ ينطلق من غزة أو جنوب لبنان دعاية انتخابية مجانية تعيد تشكيل الوعي الجمعي للناخب الإسرائيلي الذي يتحول تحت وطأة الخوف الوجودي المصطنع من ناخب يبحث عن العدالة الاجتماعية إلى متعصب يبحث عن جلاد يعلق له أوهام النصر على جثث الأطفال والنساء في الخيام والمستشفيات وهكذا يتحول نتنياهو من سياسي متهم بالفساد إلى منقذ قومي يستغل سيكولوجيا الحصار والتهديد الوجودي لتعليب المجتمع الإسرائيلي داخل علبة من الرعب تعيد إنتاجه ككائن انتخابي مشوه لا يرى في صناديق الاقتراع إلا استفتاء على قدرة المرشح على القتل والدمار لا على برامج الصحة والتعليم والاقتصاد.
لقد اعترف بنيامين نتنياهو بما كان يدركه المحللون والمراقبون منذ البداية وهو أن القوة التي تشعل غزة هي ذاتها التي تمتد نيرانها الى جنوب لبنان فالجبهتان ليستا منفصلتين بل هما وجهان لعملة واحدة وجناحان لاستراتيجية عسكرية وسياسية واحدة تهدف الى اعادة رسم الواقع الجغرافي والديموغرافي للمنطقة بأكملها.
ان توسيع البقعة المحتلة في غزة الى سبعين بالمئة من مساحة القطاع يعني شيئا واحدا فقط وهو أن الهدف ليس القضاء على فصيل أو جماعة مسلحة بل الهدف هو القضاء على فكرة المقاومة ذاتها وعلى مفهوم الصمود الوطني في وجه الاحتلال 70٪ من غزة التي باتت تحت السيطرة المباشرة للقوات الاسرائيلية تمثل ليس فقط تقدما عسكريا بل هي بمثابة تغيير جوهري في طبيعة الصراع نفسه.
وعندما تمتد هذه البقعة لتشمل أراضيا لبنانية جنوبي الليطاني فإننا أمام مسار استراتيجي واضح المعالم لا يخفى على أحد فالهدف هو خلق منطقة عازلة واسعة تمتد من البحر المتوسط شرقا الى الجولان جنوبا ومن غزة شمالا الى جنوب لبنان في مشروع جيو سياسي ضخم يتجاوز بكثير حدود العمليات العسكرية المحدودة.
ان ما يجري على الأرض هو في حقيقته استكمال لمشروع بدأ منذ عقود وتواصل عبر مراحل متعددة فمن ضم القدس الى ضم الجولان الى محاولات ضم أجزاء من الضفة الغربية والآن الى توسيع دائرة السيطرة العسكرية المباشرة على غزة ولبنان يتضح للعيان أننا أمام مشروع توسعي متصل ومتسلسل لا يعترف بالحدود ولا بالمواثيق ولا بالقرارات الدولية.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة في هذا المنعطف الخطير هو ماذا عن الجانب الآخر من المعادلة فالاحتلال مهما بلغت قوته العسكرية ومهما امتدت بقعته الجغرافية لا يمكنه ان يحتل إرادة الشعوب ولا يمكنه أن يقهر رغبة الأمم في الحرية والاستقلال فالتاريخ العربي الحديث مليء بالأمثلة على صمود شعوب في وجه احتلال قوي وعلى مقاومة استمرت عقودا حتى تحققت أهدافها الوطنية
ان المخرج من هذه الأزمة الممتدة لا يمكن أن يكون عسكريا بحتا فالحروب لا تحل الصراعات الجوهرية بل تخلق مزيدا من الأحقاد والتعقيدات والمخرج الحقيقي يكمن في الاعتراف المتبادل بحقوق الشعوب وبناء سلام عادل وشامل يضمن للجميع حق العيش بكرامة وأمن على أرضهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم.
لكن السلام العادل يحتاج الى إرادة سياسية حقيقية وإلى قرار دولي حاسم وإلى وعي شعبي عميق بحقائق الصراع ومستقبل المنطقة وما نفتقده اليوم هو بالضبط هذه الإرادة الحاسمة التي تضع حدا للتوسع وتفرض خيار السلام على الجميع.
ان ما يجري في غزة ولبنان اليوم ليس مجرد معركة عسكرية محدودة بل هو صراع وجودي يحدد ملامح المنطقة لعقود قادمة والراهن السياسي يتطلب منا جميعا التوقف عند حقائق الأمور ومواجهة المستقبل بشجاعة وحكمة و أن الحلول العسكرية المؤقتة لن تجلب الأمن والاستقرار للمنطقة بل ستفتح أبوابا جديدة للصراعات الممتدة.
إن 70٪ من غزة والبقعة المتوسعة في لبنان ليست مجرد أرقاما على الخريطة العسكرية بل هي مؤشر على تحول عميق في استراتيجية الاحتلال وعلى ضرورة مراجعة شاملة للمواقف العربية والدولية إزاء هذه التحولات الخطيرة التي ستنعكس آثارها على الجميع دون استثناء.