قائمة الموقع

تقرير التحق الشاهد بالشهداء.. غزة تودع الناجي الوحيد من مجزرة عائلته

2026-05-31T22:45:00+03:00
الشهيد محمد أبو وردة يلحق بوالديه وشقيقيه
شهاب

خاص - شهاب

في السادس والعشرين من مايو عام 2025، لم يكن الحبر الذي كتب به محمد أبو وردة منشور نعي عائلته مجرد كلمات على "فيسبوك"، إنما كان نزفاً حقيقياً لروحٍ بُترت أطرافها الوجدانية دفعة واحدة.

ليلة غادرة في جباليا النزلة، خطفت طائرات الاحتلال فيها كل تفاصيل حياته؛ رحل والده وسنده مجدي "أبو المجد"، ولحقت به أمّه الحنون "أم المجد"، وتناثرت دماء شقيقه الصحفي حسان "أبو عمار" ممتزجةً بدماء الشقيق الأصغر إبراهيم.

في تلك الليلة، تحول محمد، الشاب النابض بالحيوية ونائب رئيس مجلس طلاب الجامعة الإسلامية، من قائد طلابي يملأ كل مكان بالنشاط، إلى "الناجي الوحيد"؛ الشاهد الذي تركته المقادير ليروي للعالم تفاصيل الفقد، والناجي الذي يلاحقه الاحتلال لا لشيء، إلا لأنه يحمل الذاكرة وصوت الحقيقة.

عاش محمد عاماً كاملاً يحمل في قلبه ثقلاً تعجز الجبال عن حمله، تلاحقه ملامح والديه وصوت حسان في الميدان. لكنه لم ينكسر؛ ففي غزة، يتحول الفقد أحياناً إلى وقود للثبات، ويتحول الحزن العميق إلى يقين أشد بأساً.

ولم تكن كلمات محمد على منصات التواصل مجرد تعليقات عابرة، إذ كانت انعكاساً لعقيدة راسخة لا تتزحزح. كان يرى في "طوفان الأقصى" ذلك اليوم الذي "قررت فيه غزة تغيير قوانين الكوكب" لتصنع نظاماً جديداً.

وقبل ثلاثة أيام فقط من موعده مع السماء، جلس محمد يخط بكلمات واثقة، كأنه يقرأ كتاب المستقبل أو يكتب وصيته الأخيرة. علق على اغتيال قادة المقاومة واحداً تلو الآخر، من السنوار والضيف والحداد وصولاً إلى عودة، فكتب بنبرة المحلل الواثق والمؤمن الحتمي: "نعم هم نجحوا في الوصول لهؤلاء القادة العظام، لكنهم لم ينجحوا في اجتثاث فكرة المقاومة من أذهان الآلاف من أبناء شعبنا... الشجرة التي تُقلَّم يزداد قوتها ويشتد عودها، فمن كان يرنو فناء الأخضر فإنه يبحث عن سراب.. #الله_غالب".

كانت تلك الكلمات آخر ما تركه محمد على جدار العالم الافتراضي، لتبدو كإعلان مسبق بأن الجسد قد يرحل، لكن الفكرة تولد من جديد مع كل قطرة دم.

ومساء اليوم الأحد، الحادي والثلاثين من مايو 2026. السماء فوق غرب مدينة غزة مثقلة بالدخان كالعادة، لكن نسمات البحر عند ميناء غزة كانت تحمل لوجه محمد شيئاً من السكينة التائهة وسط الحصار. كان يقف هناك مع مجموعة من المواطنين، يبحثون عن رمق حياة وسط الركام.

فجأة، شق صمت البحر هدير الطائرات المروحية للاحتلال. صواريخ غادرة انبعثت من حديد المروحيات لتمزق سكون المكان. انهار الركام، وتصاعدت الصرخات، وسقط العشرات جرحى يتخبطون في دمائهم. وسط ذلك الغبار، كان محمد مجدي أبو وردة ممدداً، وقد أصاب الصاروخ جسده المتعب من الفقد.

أسرعت طواقم الإسعاف لنقل المصابين إلى مستشفى الشفاء، لكن روح محمد كانت أسرع من خطى المسعفين. لم يكن الموت بالنسبة له غريباً، لكنه كان البوابة التي طالما تمنى العبور منها للقاء أحبته.

لم يطل غياب محمد عن أهله؛ عام كامل من الشوق كان كافياً لتلتحق الروح بالروح. وبمجرد إعلان نبأ استشهاده، ضجت منصات التواصل الاجتماعي برثائه؛ حيث تسابق أصدقاؤه ومحبوة لإعادة نشر كلماته الأخيرة عن الثبات والمقاومة.

كتب رفاقه بحزن عميق: "كأن الأرواح التي سبقته ظلت تناديه حتى اجتمع بها". بينما اختصر آخرون المأساة الفلسطينية المستمرة بالقول: "إن الاحتلال لا يكتفي بقتل العائلات، إنما يلاحق الشاهد الأخير والناجي من الفقد ليقتل الرواية، لكن الرواية اليوم كُتبت بالدم وجفت الصحف".

 

اخبار ذات صلة