☰
✕

قائمة الموقع

تقرير بين الدولار والشيكل.. بيوت غزية تحت ضغط تآكل الدخل والقدرة الشرائية

2026-06-04T11:17:00+03:00
وكالة شهاب

خاص / شهاب

تتواصل انعكاسات تذبذب سعر صرف الدولار أمام الشيكل، في تطور لم يقتصر أثره على المؤشرات الاقتصادية العامة، بل امتد ليطال تفاصيل الحياة اليومية للأسر التي تعتمد بشكل أساسي على الرواتب والمساعدات الإنسانية والتحويلات المالية من الخارج.

في ظل ظروف الحرب المستمرة وتراجع فرص العمل، أصبح دخل عدد كبير من العائلات مرتبطًا بشكل مباشر بالعملة الأجنبية، ما يجعل أي تغير في سعر الصرف عاملًا حاسمًا في قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية. ومع انخفاض قيمة الدولار، تتراجع القدرة الشرائية بشكل فعلي، حتى وإن بقيت المبالغ المستلمة كما هي بالأرقام.

هذا الواقع يدفع العديد من الأسر إلى إعادة تشكيل نمط إنفاقها اليومي، حيث يتم تقليص المشتريات الأساسية والاعتماد على الحد الأدنى من الاحتياجات، مع تأجيل أو الاستغناء عن بنود تعتبر ضرورية في الظروف الطبيعية. كما تتوسع دائرة الضغط المالي لتشمل فئات كانت سابقًا أكثر استقرارًا نسبيًا، نتيجة تآكل القوة الشرائية بشكل تدريجي.

شهية المخاطرة

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي محمد سلامة إن الشيكل يواصل تسجيل موجة صعود أمام العملات الرئيسية، نتيجة تداخل عدة عوامل في السوق المحلي والعالمي.

وأوضح أن أبرز هذه العوامل يتمثل في غياب تدخل واضح من البنك المركزي أو وزارة المالية، رغم خفض الفائدة في "إسرائيل"، إلى جانب استمرار الضغوط على قطاعات التصدير. كما أشار إلى أن قوة الأسواق العالمية، خصوصًا صعود الأسهم الأمريكية، عززت شهية المخاطرة وساهمت في دعم الشيكل.

وأضاف أن العوامل الموسمية، خاصة نهاية الشهر وزيادة الطلب على العملة المحلية لتغطية الرواتب والالتزامات، لعبت دورًا إضافيًا في تعزيز قوة الشيكل.

ولفت سلامة إلى أن استمرار هذه القوة يثير تساؤلات حول تأثيرها على الصادرات والنمو الاقتصادي، إضافة إلى احتمالات حدوث تصحيح في الأسواق المالية العالمية بعد وصولها إلى مستويات تشبع شرائي.

وأشار إلى أن التوقعات ترجّح تباطؤ وتيرة تراجع الدولار مقابل الشيكل خلال الفترة المقبلة، مع احتمالات حدوث ارتداد محدود، قبل أن يستقر السوق ضمن نطاق أكثر توازنًا في حال استمرار العوامل الداعمة.

وبينما تتفاقم الضغوط المعيشية، تتجه الأسر نحو استراتيجيات تكيف قاسية، تقوم على تقليص الأساسيات وإعادة ترتيب الأولويات، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل واقع اقتصادي يزداد هشاشة.

تقول المواطنة سعدية أبو درابي (55 عامًا) إن حياتها الأسرية تغيرت بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، بعد أن أصبحت الأسرة تعتمد بشكل أساسي على تحويلات مالية يرسلها أحد أبنائها من خارج قطاع غزة، إلى جانب دخل محدود لزوجها الذي يعمل بشكل متقطع.

توضح أن هذه التحويلات كانت تمثل مصدر الأمان الوحيد للأسرة، حيث تُحوّل بالدولار ثم تُصرف بالشيكل لتغطية احتياجات المعيشة اليومية من الغذاء والإيجار والأدوية. لكن تراجع سعر صرف الدولار أمام الشيكل خلال الأشهر الأخيرة انعكس مباشرة على القيمة الفعلية للدخل، وأدى إلى تراجع القدرة الشرائية للأسرة بشكل واضح.

وتضيف أن المبالغ التي كانت تكفي لتغطية احتياجات الشهر باتت لا تصل إلى نفس المستوى السابق، ما دفعها إلى إعادة تنظيم المصروف اليومي بشكل صارم، والاعتماد على الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية فقط.

وتؤكد أنها باتت تقلل من شراء العديد من الأصناف الغذائية التي كانت تعتبرها أساسية في السابق، كما أجلت شراء مستلزمات منزلية واحتياجات غير عاجلة، في محاولة للتكيف مع تراجع الدخل الفعلي.

وتشير إلى أن الحياة اليومية أصبحت قائمة على الحساب الدقيق لكل مصروف، مع البحث المستمر عن البدائل الأقل تكلفة، حتى لو كان ذلك على حساب الجودة أو التنوع في الاحتياجات.

في حين يقول أحمد السيد (31 عامًا)، وهو منسق مشاريع في إحدى المؤسسات الإغاثية العاملة في قطاع غزة، إن تأثير تراجع سعر صرف الدولار أمام الشيكل لا يقتصر على الأسر فقط، بل يمتد ليشمل شريحة واسعة من العاملين في القطاع الإنساني.

يوضح أن جزءًا كبيرًا من الرواتب والمخصصات في المؤسسات الدولية يُصرف بالدولار ثم يتم تحويله إلى الشيكل، ما يجعل العاملين عرضة بشكل مباشر لتقلبات سعر الصرف، ويؤدي إلى تراجع القيمة الفعلية للدخل رغم ثبات الراتب الاسمي.

ويضيف أن هذا التغير انعكس على نمط المعيشة لدى العديد من الموظفين والعاملين في المجال الإغاثي، حيث باتت القدرة على تغطية الاحتياجات الشهرية أكثر صعوبة، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة داخل قطاع غزة.

ويشير إلى أن كثيرًا من الموظفين اضطروا إلى إعادة ترتيب أولوياتهم المالية، وتقليص المصاريف غير الأساسية، مع التركيز على الاحتياجات الضرورية فقط، في محاولة للتكيف مع الفجوة المتزايدة بين الدخل الاسمي والقيمة الشرائية الفعلية.

سلة واحدة 

من جانبه، يقول المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر إن تراجع سعر صرف الدولار أمام الشيكل ينعكس بشكل مباشر على شرائح واسعة من الفلسطينيين، في ظل بنية سوق محلية تقوم أساسًا على التداول بثلاث عملات رئيسية هي الدولار والشيكل والدينار الأردني.

وأوضح أبو قمر أن هذا التراجع لا يمكن التعامل معه كتحول رقمي في أسعار الصرف فقط، بل يمتد أثره إلى بنية الدخل والمدخرات لدى الأفراد، إذ يؤدي إلى تآكل القيمة الفعلية لأي مدخرات محتفظ بها بالدولار، وهو ما ينعكس مباشرة على القوة الشرائية للأسر. كما أشار إلى أن العاملين الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار، وفي مقدمتهم موظفو المؤسسات الدولية، باتوا من الفئات الأكثر تأثرًا، خاصة في ظل الارتفاع الحاد في أسعار السلع والخدمات داخل قطاع غزة.

وبيّن أن تحليل أثر انخفاض الدولار يختلف عن الحديث عن تغير أولويات الإنفاق خلال فترات الحرب أو الأزمات السابقة، موضحًا أن الحالة الحالية لا تتعلق فقط بإعادة ترتيب المصروفات، بل تتمثل بصورة أساسية في تقليص حجم الاستهلاك نفسه، وعدم قدرة العديد من الأسر على تلبية كامل احتياجاتها الأساسية كما كان في السابق.

وأضاف أبو قمر أن مستويات التأثر بهذا التراجع ليست موحدة بين الفئات المختلفة، فالأسر التي تعتمد على تحويلات مالية من أبنائها في الخارج، أو التي تحتفظ بمدخرات كبيرة بالدولار داخل البنوك، تُعد الأكثر تضررًا من انخفاض القيمة الشرائية. في المقابل، قد تجد بعض الأسر التي تتقاضى دخلها بالشيكل وتلتزم بدفع التزامات أو نفقات مقومة بالدولار نفسها في وضع أكثر توازنًا أو استفادة نسبية من هذا الانخفاض.

وأشار إلى أن انخفاض سعر الدولار لا يُعد بحد ذاته سببًا مباشرًا في زيادة معدلات الفقر، لكنه يسهم في تقليص الدخل الحقيقي لفئات محددة، وهو ما يرفع منسوب الضغوط الاقتصادية والمعيشية عليها بشكل واضح. وفي هذا السياق، نصح أبو قمر المواطنين، كلما أمكن، بضرورة تنويع أدوات الادخار وعدم الاعتماد على عملة واحدة، مستشهدًا بالقاعدة الاقتصادية المعروفة "لا تضع البيض كله في سلة واحدة"، وذلك عبر توزيع المدخرات بين الدولار والشيكل وحتى الذهب، بهدف تقليل المخاطر الناتجة عن تقلبات أسعار الصرف. لكنه في الوقت نفسه أوضح أن هذا الخيار لا يتوفر بشكل واسع لدى جميع الفئات، خصوصًا بعض الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار بشكل مباشر.

ويؤكد أن تراجع سعر الدولار أمام الشيكل لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي تقني، بل تحول إلى عامل مؤثر في تفاصيل الحياة اليومية داخل قطاع غزة، حيث تتقاطع الضغوط المعيشية مع انخفاض القدرة الشرائية وارتفاع الاحتياجات الأساسية، ما يفرض تحديات متزايدة على الأسر التي تعتمد على الدخل المقوم بالدولار، ويجعل مسألة التخفيف من هذه الآثار ضرورة ملحة لضمان الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي والاجتماعي في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع.

اخبار ذات صلة