خاص /شهاب
تحوّل منزل عائلة لبد في شارع المخابرات شمال غرب مدينة غزة إلى مشهد جديد من مشاهد استهداف العائلات، بعدما أُبيدت الأسرة بالكامل وهي تغطّ في نومها داخل شقتها السكنية. لم يكن في المكان ما يميّزه عن غيره من البيوت المكتظة في الحي، ولا ما يشير إلى أن طفلة في التاسعة ستستيقظ بعد ساعات لتجد نفسها الناجية الوحيدة بين أفراد أسرتها.
نجت حلا حسن رباح لبد من تحت أنقاض منزلها بلا عائلة، عقب غارة جوية إسرائيلية استهدفت الشقة التي كانت تنام فيها مع والديها وإخوتها، في حادثة تعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر صور الحرب قسوة، حين ينجو الأطفال بأجسادهم فيما تُمحى عائلاتهم بالكامل في لحظة واحدة.
بين الركام وغرفة المستشفى، تبدأ قصة طفلة لم تعد حياتها كما كانت، ولا يمكن اختصار ما جرى لها في رقم ضمن حصيلة الضحايا، بل في فقدٍ كامل لبنية عائلية كانت تمثل عالمها الوحيد.
"الناجية الوحيدة"
استهدفت الغارة الشقة السكنية التي كانت تؤوي العائلة بشكل مباشر، وفق مصادر محلية، ما أدى إلى استشهاد الأب حسن رباح لبد، والأم منار إبراهيم لبد، وأبنائهما محمد ورهف وتميم، فيما أصيبت الطفلة حلا ونُقلت إلى المستشفى عقب القصف.
وبحسب إفادات من سكان في المنطقة، فإن انفجار عنيفًا هز المنطقة وأدى إلى تدمير أجزاء واسعة من البناية، ما استدعى وصول طواقم الإنقاذ التي عملت لساعات على انتشال الضحايا من تحت الركام، قبل أن يتم العثور على جثامين شهداء العائلة كاملة.
وصلت حلا "9 أعوام " وهي تعاني من إصابات متفرقة، لكن الأثقل كان ما لم يظهر على جسدها اذ تشير مصادر طبية إلى أن الطفلة كانت في حالة صدمة شديدة، وغير قادرة في الساعات الأولى على استيعاب ما جرى أو إدراك غياب أفراد أسرتها الذين كانوا معها قبل لحظات فقط، و تحولت الأسئلة البسيطة إلى حقيقة قاسية "الناجية الوحيدة".
وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة، يوم الخميس، وصول 11 شهيدًا و32 إصابة جديدة إلى مستشفيات القطاع خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، في ظل استمرار تداعيات العدوان على القطاع.
وأوضحت الوزارة، في تقريرها الإحصائي اليومي، أن حصيلة الضحايا منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي ارتفعت لتصل إلى 947 شهيدًا و2,935 مصابًا، إلى جانب تسجيل 781 حالة انتشال من تحت الأنقاض خلال الفترة ذاتها.
وأضافت أن إجمالي الحصيلة التراكمية للعدوان المستمر منذ السابع من أكتوبر 2023 ارتفع إلى 72,956 شهيدًا و173,043 جريحًا، وفق ما ورد في بيانها الرسمي.
وأكدت وزارة الصحة أن عددًا من الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض وفي الطرقات، في ظل صعوبات كبيرة تواجه طواقم الإسعاف والدفاع المدني في الوصول إليهم وانتشالهم، نتيجة الظروف الميدانية المعقدة ونقص الإمكانيات.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن حالة حلا ليست استثناءً في قطاع غزة، حيث تتكرر خلال الحرب مشاهد فقدان الأطفال لعائلاتهم بالكامل، مع وجود ناجٍ واحد أو اثنين في بعض الحالات، ما يترك الأطفال في مواجهة واقع جديد دون أي سند أسري مباشر.
لكن ما لا تقوله الأرقام وحدها، هو أن طفلة مثل حلا لم تعد مجرد ناجية من قصف، بل طفلة خرجت من عائلتها إلى فراغ كامل، حيث تبدأ حياة جديدة لا تشبه أي طفولة، وتُبنى على ذاكرة فقد لا يمكن محوها.
وفي سياق أوسع يتجاوز الحالة الفردية، تتداخل الأبعاد النفسية والاجتماعية لما يعيشه الأطفال الناجون من الفقد، وهو ما تناولته أدبيات علم النفس السريري تحت مفهوم "عقدة ذنب الناجي" ، وهي حالة نفسية عميقة يشعر فيها الناجي بالذنب لمجرد بقائه على قيد الحياة بعد فقد من يحبهم، تأخذ هذه الحالة بعدًا أكثر قسوة وتعقيدًا، إذ لا يواجه الناجي فقدانًا محدودًا، بل انهيارًا كاملًا لمنظومته الاجتماعية والعائلية في لحظة واحدة.
وبحسب مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية، فإن النجاة في السياق الغزي تتحول إلى مصدر إضافي للألم النفسي، حيث يستيقظ الناجي ليجد أن عالمه الاجتماعي والوجداني الذي شكّل أمانه اليومي قد انتهى بالكامل. ويشير المركز إلى أن هذا النمط من الفقد المتكرر يخلق صدمة مركبة تتجاوز النماذج التقليدية في علم النفس.
تفكيك الإحساس بالأمان
وفي إفادة لمختص نفسي، يجري تداولها في تقارير ميدانية، يُشار إلى وجود حالات بين الأطفال والشبان يعبّر فيها البعض عن رغبتهم في الموت نتيجة ثقل الفقد، وغياب المعنى بعد فقدان العائلة بالكامل، وهو ما قد ينعكس في عزلة شديدة أو رفض للعلاج أو الطعام أو الانسحاب التام من المحيط.
كما تُظهر تقارير صادرة عن برامج دعم نفسي تابعة لليونيسف ومنظمة الصحة العالمية ووزارة التربية والتعليم أن أكثر من 96% من أطفال قطاع غزة يعانون من شعور دائم بالخوف من الموت، فيما يعاني نحو 79% منهم من كوابيس ليلية واضطرابات نوم حادة، إلى جانب تسجيل آلاف الحالات المصنفة ضمن اضطراب ما بعد الصدمة المعقد (C-PTSD).
وتوضح هذه التقارير أن هذا الاضطراب لا يقتصر على استعادة الحدث الصادم، بل يمتد إلى تفكيك الإحساس بالأمان وإضعاف القدرة على الثقة بالعالم الخارجي، ما يجعل الطفل يعيش في حالة تهديد مستمر حتى خارج لحظة القصف.
وفي غزة، لم تعد الطفولة منفصلة عن ثقل الواقع. فالأطفال، وفق شهادات ميدانية، باتوا يتحملون أدوارًا تفوق أعمارهم، من رعاية إخوتهم الأصغر، إلى الوقوف في طوابير المياه والخبز، وصولًا إلى حراسة خيام النزوح في ظروف معيشية قاسية.
وفي حالة حلا، لا تنتهي القصة عند حدود النجاة، بل تبدأ من هناك، في مساحة فارغة من العائلة والمعنى، حيث يتحول البقاء إلى اختبار يومي للحياة، وتصبح الذاكرة هي الرابط الوحيد بين طفلة وعالم انتهى في لحظة واحدة.