خاص /شهاب
كشفت قوة "رادع" الأمنيه التابعة لأمن المقاومة في قطاع غزة، عن تورط "المليشيات المسلحة" في تنفيذ إعدام ميداني لسائقي شاحنات المساعدات الإنسانية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، في واقعة اعتُبرت واحدة من أخطر التطورات المرتبطة باستهداف مسارات الإغاثة خلال الحرب المستمرة على القطاع.
وأوضحت القوة أن السائقين محمد عبد الفتاح الحيلة (44 عاماً) من مدينة خان يونس، ومحمود نافذ عوض (31 عاماً) من مدينة غزة، كانا يعملان ضمن قافلة مساعدات إنسانية تتبع شركة "قمري للنقل والخدمات اللوجستية"، قبل أن يتم اعتراض الشاحنتين في محيط المستشفى القطري بمدينة رفح، حيث جرى، وفق التحقيقات الأولية، اعتقالهما من قبل عناصر تابعة لتلك "المليشيات"، قبل أن يتم تنفيذ عملية إعدام ميداني بحقهما، في حادثة وُصفت بأنها تعكس نمطاً متصاعداً لاستهداف العاملين في قطاع الإغاثة وتعطيل مسارات المساعدات الإنسانية.
زعزعة الاستقرار
وفي سياق متصل، نوهت قوة "رادع" إلى أن هذه الجريمة لا يمكن فصلها عن المسار العام لتطور هذه التشكيلات التي تصفها الأجهزة الأمنية بـ"العصابات العميلة"، والتي بدأت خلال الأشهر الأولى للحرب كعصابات محلية محدودة اعتمدت على سرقة المساعدات الإنسانية وقطع الطرق، مستفيدة من حالة الانهيار الأمني الواسع الذي أعقب الاستهدافات المكثفة للبنية الأمنية، قبل أن تتوسع تدريجياً لتتحول إلى تشكيلات مسلحة تعمل في مناطق التماس شرق وجنوب القطاع.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه المجموعات انتقلت لاحقاً إلى فرض سيطرة ميدانية على بعض الطرق الحدودية، خصوصاً في رفح وشرق خان يونس بعد شرق ما يعرف بالخط الأصفر، حيث أقامت نقاط نفوذ غير رسمية على مسارات الشاحنات، تزامناً مع استعراضات مسلحة محدودة في المناطق الشرقية القريبة من خطوط التماس، في إطار تصعيد يُنظر إليه أمنياً على أنه يهدف إلى زعزعة الاستقرار في الشارع الغزي وخلق حالة من الفوضى الأمنية المنظمة.
كما أوضحت مصادر أمنية أن هذه "المليشيات المسلحة" لجأت في مراحل لاحقة إلى توزيع مواد غذائية وسلع أساسية مثل الدخان والدجاج على بعض الفئات السكانية، في محاولة لبناء نفوذ اجتماعي داخل بيئات تعيش تحت ضغط المجاعة وانهيار الخدمات، وهو ما يُنظر إليه كجزء من أدوات التمدد الميداني والاختراق الاجتماعي داخل المجتمع الفلسطيني.
وفي هذا السياق، تؤكد تقديرات أمنية أن هذه التشكيلات لا تعمل بمعزل عن سياق أوسع، بل تُصنف ضمن ما يُوصف بـ"العميلة" التي تتحرك كأذرع للاحتلال الإسرائيلي، في إطار استراتيجية تهدف إلى زعزعة الأمن الداخلي وإشغال الساحة الفلسطينية بصراعات داخلية، عبر خلق بؤر توتر دائمة داخل المناطق المدنية، بما يساهم في إضعاف الجبهة الداخلية وتعميق الفوضى الأمنية في القطاع.
وبحسب بيانات المقاومة، انتقلت هذه المجموعات إلى مرحلة أكثر خطورة تمثلت في تنفيذ هجمات على أطراف المناطق الحدودية، خاصة في شرق خان يونس وشرق مدينة غزة، حيث سجلت اشتباكات متفرقة مع شبان من المقاومة الفلسطينية، في وقت أكدت فيه مصادر ميدانية أن عناصر المقاومة تمكنت من تنفيذ عدة كمائن وعمليات ميدانية استهدفت عناصر هذه التشكيلات وأحبطت محاولات توغل داخل أحياء سكنية ومناطق إيواء للنازحين.
وفي هذا الإطار، برزت حادثة الإعدام الميداني لسائقي الشاحنات في رفح كأحد أبرز الأمثلة على التحول في طبيعة نشاط هذه المجموعات، حيث اعتُبرت الواقعة تصعيداً مباشراً في استهداف مسارات الإغاثة الإنسانية، في وقت يعتمد فيه مئات آلاف السكان على هذه المساعدات في ظل تفاقم المجاعة والكارثة الإنسانية داخل القطاع.
الفوضى الأمنية
وبالتوازي مع ذلك، شهد مخيم المغازي شرق قطاع غزة حادثة موازية تمثلت في إعدام ميداني للمواطن صالح البشيتي خلال اقتحام نفذته هذه "المليشيات المسلحة" للمناطق الشرقية من المخيم، حيث أفادت مصادر محلية بأنه عُثر عليه لاحقاً داخل أحد المنازل المهجورة وعليه آثار تعذيب، في واقعة فجّرت حالة واسعة من التوتر داخل المنطقة.
وتشير إفادات ميدانية إلى أن هذه العمليات جاءت ضمن سلسلة اقتحامات طالت منازل مدنية استخدمت كمقار احتجاز وتحقيق ميداني، في ظل غياب أي إطار قانوني أو رقابة، وهو ما ساهم في تعميق حالة الانفلات الأمني داخل مناطق تعاني أصلاً من دمار واسع ونزوح كثيف.
وأوضحت مصادر أمنية أن هذه "المليشيات المسلحة" بدأت في مراحلها الأولى كتجمعات غير منظمة اعتمدت على سرقة المساعدات الإنسانية وقطع الطرق، مستفيدة من حالة الفوضى الأمنية التي أعقبت الحرب، قبل أن تتوسع تدريجياً لتتحول إلى تشكيلات مسلحة تعمل في نطاقات جغرافية محددة داخل مناطق شرق وجنوب قطاع غزة، حيث بدأت هذه المجموعات في بناء هياكل محلية مرتبطة بقيادات ميدانية برزت خلال فترة الانهيار الأمني.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن بعض هذه التشكيلات ارتبطت بأسماء شخصيات ميدانية من بينها ياسر أبو شباب، وحسام الأسطل، وغسان الدهيني، حيث تشير تقديرات أمنية إلى أن هذه الأسماء لعبت أدواراً مختلفة في مراحل تطور هذه المجموعات، في سياق تحركات بدأت بنشاطات مرتبطة بقطع الطرق والاستيلاء على المساعدات، قبل أن تتطور لاحقاً إلى تشكيلات أكثر تنظيماً داخل مناطق التماس.
وتنوه المصادر إلى أن عدداً من الأفراد المنخرطين في هذه التشكيلات صدرت بحقهم أحكام قضائية سابقة من محاكم مختصة داخل قطاع غزة في قضايا جنائية وأمنية مختلفة، الأمر الذي دفع جهات أمنية إلى اعتبار أن البنية البشرية لهذه المجموعات تتشكل جزئياً من عناصر ذات سجل قضائي سابق، تم استقطابهم في ظروف الحرب والانهيار الأمني، إلى جانب عناصر أخرى انخرطت نتيجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة.
وتشير التقديرات إلى أن غالبية العناصر المنخرطة في هذه التشكيلات تم استدراجهم عبر إغراءات مادية أو وعود بتوفير الغذاء والسلع الأساسية، في ظل تفاقم الفقر وانعدام فرص العمل، حيث تم توظيف الحالة الإنسانية الصعبة كأداة تجنيد رئيسية داخل بيئات هشة اجتماعياً.
وفي المقابل، تؤكد مصادر في المقاومة الفلسطينية أن الأجهزة الأمنية تتابع هذه "العصابات العميلة" بشكل مستمر، وقد نفذت خلال الفترة الماضية عدة عمليات وكمائن استهدفت عناصرها في أكثر من محور داخل القطاع، خاصة في شرق خان يونس وشرق مدينة غزة، في إطار جهود تهدف إلى منع تمددها واحتواء نشاطها.
وتشير هذه المصادر إلى أن هذه العمليات أسهمت في إحباط محاولات استهداف لمناطق مدنية ومراكز إيواء للنازحين، إلى جانب الحد من تحركات هذه المجموعات في بعض المناطق الحدودية، رغم استمرار محاولاتها لفرض وجود ميداني داخل الفراغات الأمنية الناتجة عن الحرب.
رفضاً شعبياً واسعاً
تكشف مجمل التطورات الميدانية أن "المليشيات المسلحة" باتت تمثل أحد أخطر أدوات زعزعة الأمن الداخلي في قطاع غزة، بعد انتقالها من نشاطات النهب والسرقة إلى تنفيذ عمليات أكثر خطورة شملت الإعدامات الميدانية والاشتباكات المسلحة في عدد من المناطق الحدودية، في إطار دور يُنظر إليه أمنياً على أنه جزء من منظومة أوسع تستهدف إحداث حالة من الفوضى داخل القطاع وإرباك المشهد الأمني الداخلي.
وتشير معطيات ميدانية وتقديرات أمنية إلى أن تحركات هذه المجموعات تجري في بيئات عملياتية تشهد دعماً وغطاءً عسكرياً إسرائيلياً في مناطق التماس، بما يتيح لها هامش حركة أوسع أثناء تنفيذ عملياتها، سواء في الاقتحامات أو الاشتباكات أو الانسحاب من مناطق المواجهة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تعقيد المشهد الأمني داخل القطاع.
وتواجه "العصابات العميلة" رفضاً شعبياً واسعاً داخل قطاع غزة، حيث ينظر إليها باعتبارها حالة طارئة ومرفوضة في السياق الاجتماعي والأمني للقطاع، خاصة في ظل تورطها بقضايا امنيه وتعطيل دخول المساعدات الإنسانية وسرقتها علاوة على تنفيذ كل ما يطلبه الاحتلال منها. ويؤكد مراقبون أن هذا الرفض الشعبي يتجلى في حالة عزلة اجتماعية متزايدة تفرضها البيئة المحلية على هذه المجموعات، نتيجة ممارسات مرتبطة بنشر الفوضى والإضرار بالنسيج المجتمعي الغزي.
وفي المقابل، تشير مصادر في المقاومة إلى أن الأجهزة الأمنية تواصل تنفيذ عمليات ملاحقة ورصد ميداني لهذه التشكيلات، وقد نفذت خلال الفترة الماضية سلسلة من الكمائن والعمليات الأمنية في أكثر من محور داخل القطاع، خاصة في المناطق الشرقية من خان يونس ومدينة غزة، بهدف الحد من تحركاتها ومنع تمددها داخل الأحياء السكنية ومناطق النزوح.
وتوضح المصادر أن هذه العمليات تأتي ضمن جهود مستمرة لضبط الحالة الأمنية ومواجهة أي محاولات لفرض واقع أمني موازٍ في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها القطاع.