خاص / شهاب
بين ركام المنازل المدمرة وندرة المواد الخام، شقّ نجارون في قطاع غزة طريقًا غير مألوف لمواصلة عملهم وتلبية احتياجات آلاف الأسر التي فقدت منازلها أو أثاثها خلال الحرب، عبر إعادة تدوير أخشاب "المشاطيح" المستخدمة في نقل البضائع، وتحويلها إلى قطع أثاث منزلية متنوعة.
ومع تدمير آلاف المنازل، وفقدان كثير من العائلات لمقتنياتها الأساسية، إلى جانب تراجع دخول الأخشاب الجديدة وارتفاع أسعارها بشكل كبير، برزت "المشاطيح" الخشبية كبديل متاح وأقل تكلفة. فما كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره وسيلة للنقل والتخزين أو خشبًا مستعملًا محدود الاستخدام، أصبح اليوم مادة رئيسية لصناعة الأسرّة والخزائن والطاولات وأرفف التخزين، في مشهد يعكس محاولات الغزيين المستمرة للتكيّف مع واقع اقتصادي وإنساني بالغ القسوة فرضته الحرب المستمرة على القطاع.
بديل منخفض التكلفة
ولم يقتصر هذا التحول على توفير بديل للأسر المتضررة فحسب، بل أعاد تشكيل جزء من سوق النجارة المحلي، إذ اضطر كثير من الحرفيين إلى تطوير أساليب جديدة للتعامل مع هذا النوع من الأخشاب وإعادة تأهيله للاستخدام المنزلي. ومع محدودية الخيارات المتاحة، باتت ورش عديدة تعتمد على "المشاطيح" كمصدر رئيسي للعمل والإنتاج، في محاولة للحفاظ على استمرارية المهنة وتوفير منتجات تتناسب مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها سكان القطاع.
يقول ضياء أبو عودة إنه اضطر بعد فقدان منزله خلال الحرب إلى السكن داخل دكان لا تتجاوز مساحته عشرين مترًا مربعًا، تحوّل إلى مأوى مؤقت يضم أسرته وما تبقى لهم من مقتنيات، في مساحة ضيقة تفرض يوميًا تحديات قاسية في الحركة والتنظيم والعيش.
ويضيف أن ضيق المكان وتكدس الأغراض دفعه للبحث عن حلول بسيطة تساعده على ترتيب الحياة داخل هذا الحيز المحدود، فبدأ بالتوجه إلى عدد من النجارين لصناعة قطع خشبية صغيرة تتيح له استغلال المساحة بشكل أفضل، وتخفف من حالة الفوضى التي فرضها النزوح القسري.
ويوضح أبو عودة أنه وجد ضالته في الأثاث المصنوع من أخشاب "المشاطيح"، التي انتشرت مؤخرًا كبديل منخفض التكلفة في ظل ارتفاع أسعار الأخشاب التقليدية وصعوبة الحصول عليها، رغم إدراكه أن جودتها أقل مقارنة بالخشب المستخدم في الأثاث المعتاد.
ويشير إلى أن اختياره لم يكن بدافع الرفاهية، بل لتأمين حد أدنى من التنظيم داخل مساحة النزوح، تساعده على التكيف مع واقع فقد فيه منزله وكل ما كان يحتويه، وأُجبر على إعادة بناء تفاصيل حياته داخل غرفة لا تكاد تتسع لأساسيات العيش.
في حين يقول رؤوف أبو السعيد لـ"شهاب" : إنه اضطر إلى شراء طقم نوم مصنوع من أخشاب "المشاطيح" بعدما وصلت أسعار الأثاث في قطاع غزة، سواء الجديد أو المستعمل، إلى مستويات وصفها بـ"الجنونية"، الأمر الذي جعله يبحث عن خيار أقل تكلفة يساعده على إتمام زفافه رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي فرضتها الحرب.
ويضيف أبو السعيد أن فكرة شراء أثاث من هذا النوع لم تكن خياره الأول، لكنه وجد نفسه أمام واقع لا يترك مساحة كبيرة للاختيار، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار كل ما يتعلق بتجهيز بيت الزوجية.
وفي المقابل، يشير إلى أن النجارين في غزة، الذين اعتادوا العمل لأعوام طويلة بأجود أنواع الخشب وبأدق تقنيات النجارة، تمكنوا من التكيف مع الظروف الحالية، وإعادة توظيف أخشاب "المشاطيح" لصناعة أثاث بسيط وعملي بتكلفة أقل، ينسجم مع واقع الحرب والنزوح الذي يعيشه السكان.
ويرى أبو السعيد أن هذا التحول، رغم قسوته، يعكس قدرة الحرفيين على الاستمرار والإبداع في ظل شح المواد الخام، وتحويل مواد كانت تُستخدم سابقًا في النقل والتخزين إلى أثاث يلبي الحد الأدنى من احتياجات الناس، حتى في أصعب الظروف.
"الخردة الخشبية"
من جانبه يقول النجار توفيق عفانة إن مهنة النجارة في قطاع غزة تبدلت جذريًا بعد الحرب، موضحًا أن العمل قبلها كان يسير بشكل منتظم داخل المناجر، والزبائن يترددون بشكل طبيعي لشراء احتياجاتهم من الأثاث، بينما اليوم باتت الظروف مختلفة تمامًا، إذ اضطر عدد كبير من النجارين إلى البدء من الصفر بعد أن فقدوا أدواتهم ومخزونهم وحتى جزءًا من ورشهم خلال الحرب.
ويضيف عفانة لـ"شهاب": أن النجارين وجدوا أنفسهم أمام واقع قاسٍ يتمثل في شح الأخشاب وارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق، مشيرًا إلى أن سعر خشب الأثاث التقليدي ارتفع بنحو ثمانية عشر ضعفًا مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، ما دفعهم إلى البحث عن بدائل غير تقليدية، كان أبرزها خشب "المشاطيح" الذي يصل عبر قنوات غير رسمية، سواء من المساعدات أو من السوق السوداء، ليصبح الخيار الوحيد تقريبًا لمواصلة العمل.
ويوضح أن تحويل هذا النوع من الخشب إلى أثاث منزلي ليس مهمة سهلة، إذ يتم إعادة تدوير "الخردة الخشبية" بطرق بدائية لا توفر دائمًا الجودة المطلوبة، لكنه يؤكد أنها أصبحت خيارًا لا مفر منه في ظل غياب البدائل، مضيفًا أن انقطاع الكهرباء وتدمير عدد كبير من الورش زاد من تعقيد العمل وأبطأ وتيرة الإنتاج بشكل كبير.
ويشير عفانة إلى أن النجارين اضطروا أيضًا إلى تغيير نمط عملهم، حيث باتوا يتنقلون بين البيوت والمؤسسات حاملين أدواتهم البسيطة لتنفيذ الطلبات في أماكنها، وهو ما انعكس على كلفة الإنتاج وأسعار الأثاث، التي ارتفعت بشكل حاد، لتجعل كثيرًا من المقبلين على الزواج عاجزين عن شراء احتياجاتهم الأساسية، في وقت تراجعت فيه حركة البيع وانكمش دخل الحرفيين بشكل ملحوظ.
أما الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر فيصف التحول المتزايد نحو استخدام أخشاب "المشاطيح" في صناعة الأثاث داخل قطاع غزة بأنه انعكاس مباشر لواقع اقتصادي شديد القسوة فرضته الحرب وإغلاق المعابر، موضحًا أن ما يجري يمكن قراءته ضمن إطار ما يُعرف بـ"اقتصاد الضرورة"، وهو أحد أشكال الاقتصاد الدائري القائم على إعادة تدوير المواد المستهلكة وإعادة استخدامها بدلًا من التخلص منها، لكن في الحالة الغزية لا يأتي هذا التوجه ضمن سياسات بيئية أو خطط تنموية، بل نتيجة غياب البدائل وانقطاع سلاسل الإمداد بشكل شبه كامل.
ويضيف أبو قمر أن هذا النمط من الاقتصاد يظهر عادة في سياقات الأزمات الحادة، حيث يضطر الأفراد والقطاعات الإنتاجية إلى الابتكار في استخدام الموارد المتاحة بأقل تكلفة ممكنة، إلا أن خصوصية الحالة في غزة تكمن في أن هذا التحول لم يكن خيارًا طوعيًا، بل فرضته الحاجة الملحّة الناتجة عن القيود المفروضة على دخول المواد الخام، وعلى رأسها الأخشاب المستخدمة في صناعة الأثاث.
عبئًا ثقيلًا
ويوضح أن قطاع الإنتاج المحلي، وخاصة ورش النجارة، يواجه اليوم ارتفاعًا غير مسبوق في تكاليف التشغيل، لا يقتصر على أسعار الأخشاب وحدها، بل يمتد ليشمل المواد الأساسية الأخرى مثل البراغي والمسامير والغراء ومواد التشطيب، فضلًا عن أزمة الكهرباء وانقطاعها المتكرر، وهو ما يضيف أعباء كبيرة على الحرفيين ويبطئ من عملية الإنتاج بشكل واضح.
ويشير أبو قمر إلى أن هذه التكاليف المرتفعة لا تبقى داخل الورش، بل تنتقل مباشرة إلى المستهلك النهائي، ما يفسّر الارتفاع الحاد في أسعار الأثاث المحلي، سواء الجديد أو المعاد تدويره، ويجعل عملية تأثيث المنازل عبئًا ثقيلًا على شريحة واسعة من السكان، خاصة الأسر التي فقدت منازلها أو تستعد لتجهيز بيوت جديدة في ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.
ويخلص الباحث الاقتصادي إلى أن استمرار إغلاق المعابر وتعطل سلاسل التوريد سيُبقي حالة الشح قائمة، ويُرسّخ الاعتماد على البدائل المحلية غير التقليدية، مثل أخشاب "المشاطيح"، لكنه يرجح في الوقت ذاته أن تتراجع هذه الظاهرة تدريجيًا في حال إعادة فتح المعابر بشكل منتظم وتدفق المواد الخام إلى الأسواق، وهو ما قد يؤدي لاحقًا إلى إعادة تشكيل سوق الأثاث في غزة والعودة تدريجيًا إلى أنماطه التقليدية السابقة، التي كانت تعتمد على الخشب المستورد والمواد عالية الجودة.