☰
✕

قائمة الموقع

مهزلة "الاستقصاء " .. حين تكشف الصحافة "الإسرائيلية" ما تسمح به السلطة فقط

2026-06-09T12:26:00+03:00
+972 Magazine

ترجمة / شهاب 

تطرح مادة تحليلية منشورة على منصة +972 Magazine قراءة نقدية عميقة لأحد التحقيقات التلفزيونية التي تناولت مقتل ثلاثة رهائن بنيران جنود من جيش الاحتلال في قطاع غزة، لكنها تتجاوز الواقعة نفسها لتفتح نقاشًا أوسع حول طبيعة ما يُعرف بالصحافة الاستقصائية “الليبرالية” داخل "إسرائيل"، وحدود دورها في مساءلة السلطة.

وتشير المادة إلى أن التحقيق التلفزيوني، رغم طابعه المهني وامتداده الزمني واعتماده على شهادات داخلية من الجيش، لم يخرج عن إطار محدد سلفًا للنقاش. فقد توقف عند حدود “الخطأ العسكري” في حادثة قتل الرهائن، دون أن يطرح الأسئلة البنيوية المتعلقة بنمط إطلاق النار على الفلسطينيين في غزة أو قواعد الاشتباك التي تحكم العمليات العسكرية.

مركزية الضحية 

وبهذا المعنى، لا يُقدَّم التحقيق كمساءلة شاملة، بل كـ“كشف انتقائي” يعيد ترتيب الوقائع بطريقة تمنع الوصول إلى استنتاجات أعمق حول طبيعة الحرب نفسها، وفق ما تخلص إليه المادة.

وتلفت القراءة النقدية إلى أن البنية التحريرية في الإعلام الاستقصائي داخل “إسرائيل” تقوم على مركزية شبه مطلقة للضحية الإسرائيلية، سواء في قضايا الرهائن أو أخطاء الجيش أو الفشل العملياتي، مقابل غياب شبه كامل لتغطية الضحايا الفلسطينيين في غزة، رغم اتساع نطاق القتل والدمار.

وتشير المادة إلى أن هذا الغياب لا يمكن اعتباره نقصًا مهنيًا، بل هو جزء من نظام إنتاج معرفي يحدد مسبقًا من يُعتبر ضحية جديرة بالتحقيق، ومن يُترك خارج السردية الإعلامية.

وبذلك، يُعاد إنتاج واقع إدراكي داخل المجتمع الإسرائيلي يجعل من الضحايا الإسرائيليين وحدهم محور التعاطف والمساءلة، بينما يُدفع الفلسطيني إلى خارج المجال الإنساني والإعلامي في آن واحد.

وتذهب المادة إلى أن البرامج الاستقصائية البارزة في “إسرائيل”، مثل “هاماكور” و“عوفدا”، لا تعمل خارج المنظومة السياسية والعسكرية، بل داخلها. فهي تتيح مساحة نقدية محسوبة، لكنها لا تمس الأسئلة الجوهرية المتعلقة بشرعية الحرب أو طبيعة الاحتلال أو المسؤولية عن القتل الجماعي في غزة.

وتشير القراءة إلى أن هذا النمط من الصحافة لا يقوم بكسر البنية السائدة، بل بإعادة إنتاجها بشكل أكثر مرونة، يسمح بتفريغ الغضب العام وتقديم انطباع بوجود رقابة ذاتية ومساءلة داخلية، دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير في الأساس السياسي أو العسكري.

تقيّد التفسير الأخلاقي

وتبرز المادة فكرة مركزية مفادها أن الإنكار في الإعلام الإسرائيلي لا يتم عبر الحجب الكامل، بل عبر “الإتاحة المشروطة” للمعلومات. أي أن الجمهور يتلقى تحقيقات نقدية وتقارير عن أخطاء عسكرية، لكنه يتلقى هذه المعلومات ضمن إطار يقيّد تفسيرها الأخلاقي والسياسي.

وبهذا الشكل، يعرف الجمهور ما يحدث، لكنه لا يُدفع إلى مساءلة الجذر البنيوي للحرب أو إعادة تعريف علاقتها بالمدنيين الفلسطينيين. ويصبح “المعرفة الجزئية” وسيلة لإنتاج إنكار أكثر تعقيدًا وفاعلية من الصمت الكامل.

وتشير القراءة إلى أن غياب الفلسطينيين عن التحقيقات الاستقصائية في الإعلام الإسرائيلي ليس عارضًا، بل هو خيار تحريري متكرر. فبينما تُفرد مساحات واسعة لتفاصيل العمليات العسكرية حين تكون الضحية إسرائيلية، يتم تجاهل مئات التقارير الحقوقية والشهادات الميدانية حول مقتل المدنيين الفلسطينيين في غزة.

ويُعاد في هذا السياق تعريف معنى “الحدث الصحفي”، بحيث يصبح مرتبطًا فقط بما يخص الداخل الإسرائيلي، بينما يُدفع الفلسطيني إلى خارج حدود الاهتمام الاستقصائي.

وتخلص المادة إلى أن هذا النمط من الصحافة لا يقتصر على الوصف أو النقد، بل يساهم في إنتاج قبول اجتماعي تدريجي باستمرار الحرب. فمن خلال تحويل القتل إلى “أخطاء تقنية”، وتجزئة المسؤولية، وفصل العمليات العسكرية عن نتائجها الإنسانية، يُعاد تشكيل الوعي العام بطريقة تُبقي الحرب ممكنة أخلاقيًا.

وبذلك، لا تعمل الصحافة الاستقصائية “الليبرالية” كقوة تفكيك للسلطة، بل كجزء من آلية ضبطها وإعادة تكييفها مع الرأي العام.

خارج حدود السرد

وتشير القراءة إلى مفارقة أساسية في المشهد الإعلامي داخل “إسرائيل”: وجود مساحة ظاهرية من النقد والتعددية، مقابل حدود معرفية غير مرئية تحدد ما يمكن التفكير فيه وما لا يمكن الاقتراب منه.

هذه الحدود لا تُفرض عبر الرقابة المباشرة، بل عبر إجماع مهني وثقافي داخل غرف التحرير، وتوقعات الجمهور، والخوف من فقدان الشرعية في أوقات الحرب، ما ينتج ما تصفه المادة بـ“حرية نقد داخل نظام مغلق أخلاقيًا”.

تخلص المادة إلى أن ما يُقدَّم بوصفه صحافة استقصائية “ليبرالية” داخل “إسرائيل” لا يعمل كسلطة فوق الدولة، بل كجزء من بنيتها الإعلامية والسياسية. فهو يكشف أجزاء من الحقيقة، لكنه يعيد ترتيبها بطريقة تمنع الوصول إلى الأسئلة الجذرية حول الحرب والقتل الجماعي في غزة.

وبهذا المعنى، لا يكون السؤال حول ما إذا كانت الصحافة تكشف الحقيقة، بل حول أي نوع من الحقيقة يُسمح له بأن يظهر، وأي حقيقة تبقى خارج حدود السرد.

اخبار ذات صلة