خاص/ شهاب
تعاني قرية عزون عتمة جنوب شرق محافظة قلقيلية من أزمة بيئية مزمنة ناجمة عن تدفق مياه الصرف الصحي القادمة من مستوطنات إسرائيلية محيطة، ما أدى إلى تضرر واسع في الأراضي الزراعية وتهديد مباشر للتربة والمياه الجوفية، وفق إفادات محلية ومصادر بيئية.
وتقع القرية في منطقة محاطة بجدار جغرافي معقد من المستوطنات، إذ تُقام مستوطنة شعاريه تكفا على أراضٍ فلسطينية مصادرة إلى الشرق والشمال الشرقي من القرية، في حين تقع مستوطنة أورانيت على أراضٍ فلسطينية مصادرة غربًا وشمال غرب عزون عتمة، ما يجعلها محاصرة من جهتين رئيسيتين، وتصب منها مجاري الصرف باتجاه الأراضي الزراعية المنخفضة في القرية.
لم تعد موسمية
وبحسب معطيات محلية، فإن طبيعة الانحدار الجغرافي من مواقع المستوطنات نحو أراضي القرية، إضافة إلى شبكات تصريف غير معالجة أو متضررة، أدت إلى تدفق متكرر لمياه الصرف الصحي نحو الحقول والمجاري الزراعية داخل القرية.
من جانبه، يقول المزارع جمال أبو حجلة: "إن المشكلة لم تعد موسمية أو مرتبطة بأعطال عابرة، بل أصبحت واقعًا يوميًا يفرض نفسه على حياة السكان والمزارعين".
ويضيف أن المياه العادمة تصل إلى الحقول عبر مجاري مفتوحة، وتغمر أجزاء من الأراضي الزراعية بشكل متكرر، ما أدى إلى تشبع التربة وارتفاع نسبة التلوث فيها، خاصة في المناطق القريبة من مجرى المياه.
وبحسب تقديرات محلية، فإن عشرات الدونمات الزراعية تعرضت خلال السنوات الأخيرة لتراجع واضح في الإنتاج، خصوصًا في أشجار الزيتون والحمضيات والمحاصيل الموسمية، فيما خرجت أجزاء من الأراضي من الخدمة الزراعية الفعلية نتيجة التلوث المستمر.
كما يشير مزارعون إلى أن تجمع المياه داخل بعض الحقول أدى إلى صعوبة الوصول إليها في مواسم معينة، ما تسبب بخسائر إضافية في الإنتاج والعمل الزراعي.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الأراضي الزراعية، إذ تمتد إلى المؤسسات التعليمية داخل القرية.
من جانبه، يقول الطالب علاء يونس (13 عامًا) إن الوضع داخل مدرسته بات صعبًا بسبب اقتراب مجرى المياه العادمة من محيطها، موضحًا أن هذه المياه تمر من الساحة الخلفية للمدرسة بشكل متكرر، ما ينعكس مباشرة على البيئة التعليمية.
وأضاف علاء أن الطلبة يضطرون يوميًا للتعامل مع روائح كريهة تنتشر في أرجاء المدرسة، إلى جانب انتشار الحشرات والبعوض، خاصة في الفصول القريبة من الساحة الخلفية، مشيرًا إلى أن ذلك يسبب إزعاجًا مستمرًا خلال اليوم الدراسي.
وأكد أن المشكلة لا تقتصر على الإزعاج فقط، بل تثير قلقًا بين الطلبة والمعلمين من المخاطر الصحية المحتملة الناتجة عن هذا التلوث، خصوصًا في فترات ارتفاع درجات الحرارة.
وأوضح علاء أن مرور مجرى المياه خلف المدرسة يجعل من الصعب تجنب تأثيراته، قائلاً إن الطلبة "اعتادوا على المشهد، لكنهم لم يتأقلموا معه"، في إشارة إلى استمرار المشكلة دون حل واضح.
في حين تقول إدارة مدرسة عزون الثانوية للبنين إن موقع المدرسة في منطقة منخفضة يجعلها عرضة مباشرة لتدفق المياه العادمة عند انسداد أو خلل في شبكات التصريف القادمة من جهة المستوطنات.
دون حل جذري
وتوضح إدارة المدرسة أنها ترفع بشكل متكرر تقارير إلى المجلس القروي ووزارة التربية والتعليم، والتي بدورها تتواصل مع الجهات المختصة عبر الارتباط المدني، إلا أن التدخلات تبقى محدودة ومؤقتة، دون حل جذري للمشكلة.
من جانبه، يؤكد رئيس المجلس القروي في عزون عتمة عبد الكريم أيوب أن أزمة تدفق المياه العادمة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، منذ إقامة المستوطنات المحيطة بالقرية.
ويشير إلى أن مصادر التلوث الأساسية تأتي من مستوطنة شعاريه تكفا شرقًا وشمال شرق، ومن مستوطنة أورانيت غربًا وشمال غرب، حيث تتدفق المياه باتجاه الأراضي الزراعية عبر عدة مسارات طبيعية ومنخفضات أرضية.
ويحذر أيوب من أن استمرار تسرب المياه العادمة إلى التربة لا يقتصر على الأضرار الزراعية المباشرة، بل يمتد ليشكل تهديدًا طويل الأمد للخزان الجوفي في المنطقة، الذي تعتمد عليه القرى المجاورة كمصدر رئيسي لمياه الشرب والاستخدام المنزلي.
وبحسب المجلس القروي، فإن المزارعين في عزون عتمة يتعرضون لخسائر متواصلة نتيجة تلف المحاصيل الزراعية، خاصة أشجار الزيتون التي تمثل العمود الاقتصادي الأساسي للمنطقة.
كما يشير إلى أن التلوث أدى إلى تراجع القدرة الإنتاجية للتربة في عدة مواقع، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى الأراضي بسبب تجمع المياه العادمة والروائح المنبعثة منها وانتشار الحشرات.
وتشير تقديرات محلية إلى أن أجزاء من الأراضي الزراعية باتت غير صالحة للزراعة أو تتطلب جهودًا كبيرة لإعادة تأهيلها.
من جهته، يوضح المهندس البيئي في سلطة جودة البيئة الفلسطينية بقلقيلية أيمن أبو ظاهر أن تأثير المياه العادمة على التربة يعتمد على كمية وتركيز الملوثات، خاصة النيتروجين والأملاح الثقيلة.
ويبين أن التربة قد تبدو في البداية أكثر خصوبة نتيجة تراكم بعض العناصر الغذائية، إلا أن هذا التأثير سرعان ما يتحول إلى عامل تدمير تدريجي مع استمرار تدفق المياه الملوثة.
ويؤكد أن استمرار التشبع يؤدي إلى اختناق جذور النباتات وتعفنها، إضافة إلى إضعاف الأشجار وانخفاض إنتاجيتها، وصولًا إلى موتها في بعض الحالات.
كما يشير إلى أن البيئة الملوثة تشكل بيئة خصبة لتكاثر الجراثيم والآفات والحشرات، ما يرفع من المخاطر البيئية والصحية على السكان والمزارعين.
مزيد من التدهور
ويؤكد رئيس المجلس القروي أن الجهات المحلية رفعت خلال السنوات الماضية عشرات الشكاوى إلى مؤسسات فلسطينية مختلفة، من بينها وزارة الزراعة وسلطة جودة البيئة والارتباط المدني، إضافة إلى مؤسسات حقوقية.
كما أشار إلى وجود تنسيق عبر قنوات رسمية مع الاحتلال، ونُفذت جولات ميدانية مشتركة في بعض الفترات، لكنها لم تؤدِ إلى حل جذري، بل إلى حلول مؤقتة سرعان ما تنهار مع عودة تدفق المياه.
ويضيف أن المجلس القروي أنشأ قناة إسمنتية لتصريف المياه، إلا أن المشروع لم يكتمل بالكامل، حيث تبقى نحو 35 مترًا غير منفذة بسبب نقص التمويل، ما يقلل من فعاليته في الحد من الأزمة.
في ظل استمرار تدفق المياه العادمة من المستوطنات المحيطة، تبقى عزون عتمة أمام أزمة بيئية مزمنة تتداخل فيها الأبعاد الزراعية والصحية والاقتصادية، وسط غياب حل جذري حتى الآن.
وتحذر مصادر محلية من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى مزيد من تدهور التربة وتراجع الإنتاج الزراعي، إضافة إلى مخاطر متزايدة على المياه الجوفية في المنطقة.