☰
✕

قائمة الموقع

تقرير غزة تحت وطأة "المجاعة الصامتة".. الموت لا يطرق الأبواب بالقذائف وحدها بل بالاستنزاف البطيء

2026-06-14T11:18:00+03:00
غزة تحت وطأة "المجاعة الصامتة"
شهاب

تقرير - شهاب

إلى جانب الموت الذي تمطره الطائرات والمدفعية الإسرائيلية في كل لحظة فوق رؤوس المواطنين في قطاع غزة، يفرض الاحتلال حربا أخرى لا تقل ضراوة، متمثلة في سياسة التجويع الممنهج التي تنهش ما تبقى من مظاهر للحياة.


وتشهد أسواق قطاع غزة، وبشكل خاص في المناطق الشمالية، حالة من الإنهاك المطلق، إذ تغيب السلع الأساسية والمواد التموينية وإذا توفرت فتكون بأسعار ثقيلة على جيوب المواطنين، عدا عن صعوبة وجود الدقيق، والخضار، وحليب الأطفال، بالتزامن مع توقف كامل للمخابز وارتفاع فاحش وجنوني في أسعار ما ندر وجوده.

هذا الواقع المرير جعل من الحصول على وجبة طعام واحدة بسيطة، واقعا صعبا، وسط شعور متزايد من المحاصرين بأنهم سقطوا تماما من حسابات الضمير العالمي الذي يكتفي بموقع المتفرج.

ومن قلب هذه المعاناة، تروي المواطنة أم العبد الناعوق (42 عاما)، وهي نازحة في مركز إيواء استاد الشهيد محمد الدرة في دير البلح وسط قطاع غزة، "أطفالي ينامون ويبكون من شدة الجوع، بسبب توقف التكايا، كنا نعتمد على وجبة صغيرة تأتينا من المطابخ التكافلية والخيرية لنسكت بها بكاء الصغار، ولكنها اليوم أغلقت أبوابها كليا".

وتضيف الناعوق لـ (شهاب): "نضطر لطهي ما ندر مما نلتقطه من طعام بدائي فوق الحطب والنار وسط بيئة مليئة بالدخان والأمراض، وحليب الأطفال أصبح مكلفا أو مفقودا تماما، والرضع يعانون من الجفاف، نحن لا نطالب بجهود سياسية ومفاوضات لا تسمن ولا تغني من جوع، بل نريد كسرة خبز وشربة ماء نظيفة تعيد الحياة لأجساد أطفالنا المنهكة قبل فوات الأوان".

ومن جانبه، تحدث المواطن أبو محمد الغندور (55 عاما) عن الواقع المعيشي في خيام النزوح: "الاحتلال يخيرنا بين الموت بالقذيفة أو الموت بالجوع، والأسواق امتلئت بالمواد الرفاهية كالشوكلاتات، والبسكويت، مع كميات أقل بكتير من أصناف مهمة كالخضراوات والفواكه، وهو ما جعل الحصول على الخضاء والفواكه صعبا جدا".

وتابع الغندور في حديثه لـ (شهاب): "الأسعار أصبحت خيالية وتفوق قدرة أي إنسان عاطل عن العمل منذ سنوات، وحتى السلع البسيطة التي كانت متوفرة اختفت كليا بسبب تشديد الحصار الخانق وإغلاق المعابر بشكل كامل، لقد تحولنا إلى هياكل عظمية تمشي على الأرض، وأطفالنا فقدوا ملامحهم الطبيعية وباتت جلودهم ملتصقة بعظامهم من شدة سوء التغذية".

وعن توقف المخابز، استطرد الغندور: "المخابز متوقفة والمطابخ المجتمعية التي كانت تدعم صمودنا قالت أن مخزونها نفد، والاحتلال يمنع شاحنات الإغاثة من الوصول بكميات وفيرة لنا، نحن نعيش كارثة تفوق كل التوقعات والخطوط الحمراء، وصمت المجتمع الدولي على هذه الجريمة الممنهجة ما هو إلا غطاء شرعي للاحتلال لمواصلة إبادتنا".

وفي هذا السياق الكارثي، أكدت وزارة التنمية الاجتماعية أن قطاع غزة يشهد تدهورا حادا وغير مسبوق في الأوضاع الإنسانية، في ظل استمرار شح المساعدات والقيود الصارمة المفروضة على المعابر، مما أدى إلى تفاقم معاناة السكان بشكل حاد ومرير.

وأوضحت الوزارة أن الأزمة المعيشية لم تعد تقتصر فقط على الآثار الاعتيادية للبطالة والفقر المرتفع، بل تحولت بالكامل إلى حالة قاسية من "العوز المطلق" نتيجة النزوح المستمر وتوسع حجم الدمار الهائل الذي طال كافة مناحي الحياة والبيوت.

وأشارت الوزارة إلى أن استمرار عرقلة الاحتلال لإدخال المساعدات الإنسانية والتموينية تسبب في شلل شبه كامل لعدد من القطاعات والمنشآت الحيوية في غزة، وفي مقدمتها المخابز والمطابخ المجتمعية التي يعتمد عليها مئات آلاف المواطنين، مما ساهم في تفاقم الأزمة المعيشية والغذائية بشكل خانق داخل القطاع، وحوّل خطر الجوع إلى واقع يومي ملموس يعصف بالعائلات.

وفي ذات الإطار، حذرت أمس السبت، المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية، عزيزة الكحلوت، من أن المجاعة تتوسع بصمت في القطاع، ليس فقط بسبب نقص الغذاء، وإنما نتيجة فقدان القدرة على الوصول إليه، لاسيما بعد أن توقفت العديد من التكايا الخيرية والمطابخ المجتمعية، التي كانت تشكل شريان الحياة للآلاف من النازحين.

وأضافت أن مؤشرات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن والمرضى، تتزايد بصورة مقلقة، في ظل استمرار القيود على دخول الغذاء والدواء والوقود.

وأكدت الكحلوت أن هذا الأمر يجعل خطر المجاعة واقعاً ملموساً وليس مجرد تحذير مستقبلي، مشيرة إلى أن توصيف "المجاعة الصامتة" يعبر بدقة عن الأوضاع الحالية؛ فالموت لا يحدث فقط عبر القصف، بل أيضاً عبر الاستنزاف البطيء للقدرة على الحصول على الغذاء والمياه.

ولفتت إلى أن العديد من المؤسسات الإنسانية اضطرت خلال الأشهر الماضية إلى تقليص عملياتها، أو تعليق أجزاء منها، نتيجة النقص الحاد في المساعدات والمواد الخام، ومنع دخول الوقود أو تقييده، إضافة إلى الصعوبات الأمنية واللوجستية، مما دفع التكايا والمطابخ لخفض أعداد الوجبات أو إيقاف عملها مؤقتاً لنفاد المخزون.

اخبار ذات صلة