خاص / شهاب
يشكّل انقطاع الكهرباء والإنترنت الهاجس الأكبر لدى طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة خلال فترة الامتحانات، في ظل اعتماد رئيسي على نظام تقديم الامتحانات إلكترونيًا داخل مراكز النزوح وشوارع مدينة غزة، التي تعتمد على الطاقة البديلة كمصدر أساسي للكهرباء، والتي تبقى بدورها عرضة للتعطل في أي لحظة، ما يضع مستقبل مئات الطلبة أمام خسارة نموذج الامتحان وحله في أي لحظة.
أفادت وزارة التربية والتعليم أن عدد طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة يبلغ 37,698 طالبًا وطالبة، مشيرة إلى أن هؤلاء الطلبة سيتقدمون للامتحانات عبر برمجية “وايز سكول”، في إطار نسخة استثنائية من امتحان الثانوية العامة لهذا العام، تفرضها الظروف الراهنة في القطاع.
تحديات إضافية
وبحسب الوزارة، فإن هذه النسخة من الامتحانات تأتي في سياق غير مسبوق، حيث يدخل طلبة الثانوية العامة الامتحانات في ظروف استثنائية تتداخل فيها أزمة الطاقة مع ضعف البنية التحتية للاتصالات، الأمر الذي يفرض تحديات إضافية على سير العملية الامتحانية.
وبحسب الشهادات الميدانية، فإن مراكز الامتحانات الأهلية، والتي أُنشئت بجهود فردية، تعتمد على أنظمة تشغيل مرتبطة بمولدات كهربائية أو ألواح طاقة شمسية كبدائل للطاقة، إلا أن هذه البدائل لا توفر استقرارًا دائمًا، وقد تكون عرضة للتوقف المفاجئ نتيجة نقص الوقود أو الأعطال التقنية أو تقلبات الإمداد بالطاقة، وهو ما قد ينعكس مباشرة على استمرارية الامتحان الإلكتروني وسير عملية تقديم الإجابات عبر المنصة.
وأكدت مصادر ميدانية أن هذه التحديات تجعل البيئة الامتحانية أكثر تعقيدًا من المعتاد، في ظل اعتماد كامل على الأنظمة الإلكترونية في التقييم، وما يرافق ذلك من مخاوف مرتبطة بانقطاع الكهرباء أو الإنترنت أثناء أداء الطلبة لامتحاناتهم.
وفي حال انقطاع الكهرباء أو الإنترنت أثناء الامتحان الإلكتروني، تتعطل عملية تقديم الإجابات أو حفظها، ما يخلق حالة من القلق الشديد لدى الطلبة والمراقبين على حد سواء، خصوصًا مع عدم وجود بدائل فورية تضمن استمرارية الامتحان دون خسائر زمنية أو تقنية.
ويحذر مختصون تربويون من أن استمرار هذا الوضع قد ينعكس سلبًا على مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلبة، حيث تختلف ظروف الامتحان من مركز لآخر، بحسب توفر الطاقة البديلة وجودة الاتصال بالإنترنت، ما قد يؤدي إلى تفاوت غير عادل في بيئة التقييم.
من جانبه، يقول الطالب ممدوح هنية (17 عامًا) من طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة، إن الرهبة الحقيقية لامتحانات عام 2026 لا تتعلق بصعوبة الأسئلة أو ضغط الوقت فقط، بل تمتد إلى هاجس انقطاع الكهرباء أو الإنترنت أثناء تقديم الامتحان الإلكتروني عبر برمجية "وايز سكول".
قلق يرافق الطلبة
ويضيف أن "أي انقطاع مفاجئ يعني عمليًا ضياع المستقبل"، موضحًا أن النظام الامتحاني لا يتيح إعادة الدخول إلى نموذج الامتحان في حال انقطاع الاتصال أو الكهرباء بعد فتحه.
ويتابع: "نحن ندخل الامتحان ونحن نعلم أن أي لحظة انقطاع قد تعني أن كل شيء انتهى… لا يمكنك العودة للامتحان ولا استرجاع ما كتبته، وكأن سنوات الدراسة كلها تُعلّق على سلك كهرباء أو شبكة إنترنت".
ويشير إلى أن هذا القلق يرافق الطلبة حتى داخل قاعات الامتحان، حيث يصبح التركيز على الخوف من الانقطاع أكثر من التركيز على الأسئلة نفسها، في ظل اعتماد مراكز الامتحانات على مولدات أو أنظمة طاقة بديلة غير مستقرة.
في حين تقول والدة الطالبة شيماء أبو العنين، وهي إحدى طالبات الثانوية العامة في غزة، إن أكبر هاجس تعيشه ابنتها خلال فترة الامتحانات هو الخوف من انقطاع التيار الكهربائي أو الإنترنت أثناء تقديم الامتحان الإلكتروني، وهو ما "ينهش قلبها" على حد وصفها، ويضاعف من توترها النفسي بشكل يومي.
وتسترجع لحظة وصفتها بأنها "الأصعب" خلال اليوم الأول من امتحانات الثانوية العامة، حين واجهت ابنتها مشكلة في التسجيل والدخول إلى منصة "وايز سكول"، حيث بقي النظام غير مستجيب لمدة ساعة ونصف كاملة.
وتقول: "كانت جالسة أمام الجوال، وكل دقيقة تمر كأنها سنة… لم تستطع الدخول، ولا نحن استطعنا أن نفعل شيئًا. كنت أشعر أن مستقبل ابنتي يضيع أمام عيني، وأنا عاجزة تمامًا عن مساعدتها".
وتضيف أن مشاعر القهر والقلق سيطرت عليها في تلك اللحظة، خاصة مع استمرار العطل، قبل أن يتمكن النظام من فتح نموذج الامتحان بعد مرور ساعة ونصف، في تجربة تركت أثرًا نفسيًا بالغًا لدى الأسرة.
وتؤكد أن هذا النوع من الضغط النفسي بات يرافق الطلبة في كل امتحان، في ظل الخشية المستمرة من أي خلل تقني قد يحوّل لحظة مصيرية في حياتهم إلى "كارثة غير قابلة للإصلاح".
وفي سياق متصل، دعت سلطة الطاقة والموارد الطبيعية في غزة إلى تأمين إمدادات الكهرباء خلال فترة امتحانات الثانوية العامة، مؤكدة ضرورة إعطاء أولوية قصوى لتشغيل الطاقة البديلة في الفترة الصباحية، بما يضمن استمرارية تزويد التيار الكهربائي خلال ساعات انعقاد الامتحانات.
مسؤولية وطنية
وأوضحت السلطة في بيان لها أن إنجاح امتحانات الثانوية العامة يمثل مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تضافر جهود جميع الأطراف، من أجل توفير بيئة مستقرة للطلبة وتمكينهم من أداء امتحاناتهم في ظروف مناسبة قدر الإمكان، في ظل التحديات القائمة على صعيد الطاقة والبنية التحتية.
ودعت سلطة الطاقة أصحاب المولدات التجارية إلى البدء المبكر بتزويد الكهرباء خلال أيام الامتحانات، بما يضمن وصول التيار واستمراره دون انقطاع خلال الفترة الصباحية التي تشهد انعقاد الامتحانات في مختلف المراكز.
من جانبه، أوضح المتحدث باسم شركة توزيع الكهرباء في محافظات غزة، محمد ثابت، أن قطاع الكهرباء في القطاع لا يزال يعاني من دمار واسع النطاق، ما ينعكس بشكل مباشر على مختلف القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها القطاع التعليمي وامتحانات الثانوية العامة.
وأوضح ثابت لـ"شهاب" أن إعادة تأهيل منظومة الكهرباء في قطاع غزة تحتاج إلى نحو 1.5 مليار دولار، في ظل تدمير ما يقارب 85% من شبكة التوزيع، وتوقف شبه كامل لمصادر الطاقة منذ الأيام الأولى للحرب، الأمر الذي يضع المؤسسات الخدمية والتعليمية أمام واقع بالغ التعقيد.
وأشار إلى أن قطاع غزة فقد قدرات توليد وتزويد أساسية كانت تصل إلى نحو 600–680 ميغاواط قبل الحرب، بينها خط التغذية الرئيسي ومحطة التوليد الوحيدة، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في استقرار التيار الكهربائي.
وفي سياق متصل، أكد ثابت أن انقطاع الكهرباء لا يمكن فصله عن أزمة الإنترنت والاتصالات، باعتبار أن المنظومات التقنية تعتمد بشكل كامل على استمرارية الطاقة، وهو ما يفاقم المخاطر على الأنظمة الرقمية، بما فيها منصات التعليم الإلكتروني.
ويأتي ذلك في وقت يتقدم فيه طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة لامتحاناتهم عبر برمجية “وايز سكول”، في نسخة استثنائية تعتمد على بنية رقمية داخل مراكز امتحان مرتبطة بمولدات كهربائية أو أنظمة طاقة شمسية، وهي حلول وصفها ثابت بأنها "محدودة الاستقرار" وقد تتعرض للتوقف في أي لحظة بسبب نقص الوقود أو الأعطال أو الضغط على الشبكات.
وبحسب ما يترتب على ذلك من واقع، فإن أي انقطاع مفاجئ في الكهرباء أو الإنترنت داخل قاعات الامتحان قد يؤدي إلى تعطّل العملية الامتحانية أو فقدان البيانات أو انقطاع التواصل مع المنصة الإلكترونية، ما يضع مستقبل مئات الطلبة أمام مخاطر مباشرة.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذا الواقع يخلق فجوة خطيرة في تكافؤ الفرص بين الطلبة، في ظل اختلاف إمكانيات مراكز الامتحان في توفير بدائل طاقة مستقرة، ما يجعل الامتحان الإلكتروني في غزة مرهونًا بظروف تشغيلية هشة وغير مضمونة.
ويؤكد ثابت أن قطاع الكهرباء في غزة بحاجة إلى ما بين ثلاث إلى خمس سنوات لإعادة تأهيله في حال توفر التمويل والمواد، في وقت لا تزال فيه القيود على إدخال مستلزمات الصيانة والإعمار تعيق أي تقدم فعلي في إصلاح الشبكات.
