☰
✕

قائمة الموقع

تقرير غسيل الكلى ليس علاجًا يمكن تأجيله.. وتقليص الجلسات تهديد مباشر لحياة المرضى

2026-06-28T10:46:00+03:00
وكالة شهاب

يقف مرضى الكلى في قطاع غزة على حافة الموت، شأنهم شأن آلاف المرضى والجرحى في القطاع، لكنهم هذه المرة يواجهون خطرًا مختلفًا؛ تفصيلة طبية صغيرة في ظاهرها، لكنها كفيلة بحرمانهم من العلاج الوحيد الذي يبقيهم على قيد الحياة.

فمع اقتراب نفاد مادة "بيكربونات الصوديوم" اللازمة لتشغيل أجهزة غسيل الكلى، يتهدد الموت المرضى الذين يعتمدون على جلسات الغسيل للبقاء على قيد الحياة، بينما لا يتجاوز ثمن هذه المادة دولارًا واحدًا.

مرتين بدل ثلاث

يقول إياد البلبيسي، مريض كلى: "منذ بداية الحرب ونحن نعيش معاناة تتفاقم يومًا بعد يوم، لكن ما نمر به الآن هو مرحلة جديدة وأكثر قسوة. فوجئنا بتقليص جلسات غسيل الكلى إلى مرتين أسبوعيًا بدلًا من ثلاث مرات، كما أصبحت مدة الجلسة ثلاث ساعات فقط، بعد أن كانت أربع ساعات، لأن المستشفى لم يعد يمتلك الكميات الكافية من عبوات البودرة اللازمة لإجراء الغسيل الكلوي، بعد منع الاحتلال إدخالها."

وأضاف: "ندرك أن الأطباء اضطروا إلى اتخاذ هذا القرار للحفاظ على استمرار الخدمة لأكبر عدد ممكن من المرضى، لكن تقليص الجلسات يعني أننا سنعاني أكثر من تراكم السموم والسوائل في أجسادنا، وسنشعر بإرهاق أكبر ومضاعفات أشد."

وأوضح البلبيسي أن مرضى الكلى يعيشون أوضاعًا صحية صعبة، ويعاني معظمهم من نقص الأدوية الأساسية، وعلى رأسها هرمون تقوية الدم، الذي لم يعد متوفرًا منذ أشهر.

وتابع: "كل يوم يمر تصبح حياتنا أكثر صعوبة. نخشى أن تستمر الأزمة أو تتفاقم، لأن غسيل الكلى ليس علاجًا يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه، بل هو ما يبقينا على قيد الحياة."

لم تكن أسمهان العتال (55 عامًا) تتخيل أن تتحول جلسات غسيل الكلى، التي كانت تمثل طوق نجاتها الوحيد، إلى مصدر خوف يومي. فالسيدة الخمسينية، التي تحتاج إلى جلسات غسيل مكثفة للسيطرة على وضعها الصحي والحفاظ على استقرار وظائف جسدها، تجد نفسها اليوم مضطرة للالتزام بقرار المستشفى بتقليص عدد الجلسات ومدتها، رغم إدراكها لما قد يترتب على ذلك من تدهور صحي.

تقول العتال: "حالتي الصحية لا تحتمل أي تقليص في الغسيل، لكننا لا نملك خيارًا سوى الالتزام بما يقرره المستشفى في ظل نقص المستلزمات الطبية. أكثر ما أخشاه ليس تقليص الجلسات، بل أن يأتي يوم يتوقف فيه الغسيل بشكل كامل، لأن ذلك يعني بالنسبة لي ولجميع المرضى أننا أصبحنا فعليًا على خط الموت."

الموت يطاردنا

وتضيف: "أينما أدرنا وجوهنا في غزة، نجد الموت يطاردنا. نحن لا نواجه مرض الفشل الكلوي وحده، بل نواجه أيضًا نقص الأدوية، وتعطل الأجهزة، والخوف من نفاد المواد اللازمة لإجراء جلسات الغسيل، إلى جانب الأوضاع المعيشية والاقتصادية القاسية التي أنهكتنا. كل هذه العوامل تجتمع لتضاعف معاناتنا، وتجعل كل يوم يمر أكثر صعوبة من الذي سبقه."

ولا تقتصر مخاوف المرضى على معاناتهم الشخصية، بل تستند إلى تحذيرات طبية تؤكد أن الأزمة تتجه نحو مزيد من التصعيد. ويحذر مدير مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، الدكتور محمد أبو سلمية، من أن نفاد مادة البيكربونات المستخدمة في جلسات غسيل الكلى يهدد حياة نحو 650 مريضًا بالفشل الكلوي في قطاع غزة، بعد أن اضطرت المستشفيات إلى تقليص مدة جلسات الغسيل من أربع ساعات إلى ساعتين ونصف، وخفض عددها الأسبوعي من ثلاث جلسات إلى جلستين، نتيجة عدم توفر المادة الأساسية اللازمة لتشغيل أجهزة الغسيل.

ويؤكد أبو سلمية أن هذا التقليص ليس إجراءً إداريًا، بل خطوة اضطرارية تحمل مخاطر صحية مباشرة على المرضى، موضحًا أن مادة البيكربونات، التي لا يتجاوز ثمنها دولارًا واحدًا، لم تعد متوفرة بسبب استمرار منع إدخال المستلزمات الطبية إلى القطاع، الأمر الذي يهدد بتوقف خدمات غسيل الكلى إذا استمر النقص.

تواتر الأزمة

 

وناشد أبو سلمية المؤسسات الدولية والإنسانية التدخل العاجل لتأمين مادة البيكربونات وبقية المستلزمات الطبية اللازمة، محذرًا من أن أي تأخير في توفيرها قد يضع مئات المرضى أمام خطر فقدان العلاج المنقذ للحياة.

ولا تمثل أزمة نفاد مادة البيكربونات أول تهديد يواجه مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة، بل تأتي امتدادًا لسلسلة طويلة من الأزمات التي دفعت هذه الفئة إلى حافة الموت مرارًا.

فمنذ اندلاع الحرب، تعرضت خدمات غسيل الكلى لضغوط متواصلة نتيجة تدمير المرافق الصحية، ونقص المستلزمات الطبية، وانقطاع الأدوية الأساسية، ما أدى إلى تراجع قدرة المستشفيات على تقديم العلاج بالمستوى المطلوب.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، كشف مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، عن فقدان نحو 50% من مرضى غسيل الكلى في قطاع غزة منذ بداية الحرب، مؤكدًا استمرار تسجيل وفيات بصورة شبه يومية بين المرضى، في وقت كانت فيه المستشفيات تعاني من فقدان أكثر من 70% من الأدوية المخصصة لهم.

واليوم، ومع اقتراب نفاد مادة البيكربونات، يجد من تبقى من مرضى غسيل الكلى أنفسهم أمام تهديد جديد قد يحرمهم من العلاج الوحيد الذي يبقيهم على قيد الحياة، في وقت لم تتعافَ فيه المنظومة الصحية أصلًا من الخسائر المتراكمة التي خلفتها الحرب.

 

اخبار ذات صلة