رصدت وكالة "شهاب" ما ورد في تقرير جديد أصدرته منظمة "بتسيلم - مركز المعلومات "الإسرائيلي" لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة"، والذي وثق تصاعد عمليات قتل الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، معتبراً أن ما يجري يأتي في إطار سياسة ممنهجة تنفذها قوات الاحتلال ومليشيات المستوطنين، في ظل ما وصفته المنظمة بوجود غطاء مؤسساتي وسياسي وقضائي يكرّس الإفلات من العقاب.
وجاء التقرير، الذي نشرته المنظمة اليوم الاثنين، تحت عنوان "طفولة مسلوبة.. أطفال وفتيان فلسطينيون قتلتهم "إسرائيل" في الضفة الغربية خلال عام 2025"، ليسلط الضوء على ما وصفته المنظمة بالتصعيد غير المسبوق في استهداف الأطفال الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأكدت "بتسيلم" أن ما تشهده الضفة الغربية لا يقتصر على عمليات عسكرية متفرقة، بل يمثل عدواناً شاملاً يستهدف مختلف مقومات الحياة الفلسطينية، تنفذه قوات الاحتلال إلى جانب مليشيات المستوطنين، مشيرة إلى أن الأطفال كانوا من أكثر الفئات استهدافاً خلال تلك الفترة.
وبحسب التقرير، بلغ عدد الأطفال الفلسطينيين الذين استشهدوا منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة وحتى نهاية الأسبوع الأول من يونيو/حزيران الماضي 240 طفلاً ممن تراوحت أعمارهم بين يوم واحد و18 عاماً، بينهم خمسة أطفال استشهدوا جراء اعتداءات المستوطنين.
وأضافت المنظمة أن هذه المعطيات تعكس، وفق توصيفها، اتساع نطاق العنف الذي يتعرض له الأطفال الفلسطينيون في الضفة الغربية، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية التي تنفذها قوات الاحتلال.
حصانة مؤسساتية للقتل
وأشار التقرير إلى أن قوات الاحتلال قتلت منذ مطلع عام 2026 وحتى الأسبوع الأول من يونيو/حزيران 54 طفلاً فلسطينياً في الضفة الغربية، ووصفت المنظمة هذا الرقم بأنه غير مسبوق، مرجعة ذلك إلى سياسة إطلاق النار التي تطبقها قوات الاحتلال، والتي قالت إنها أصبحت أكثر تساهلاً وانفلاتاً مقارنة بالسنوات السابقة.
وأضافت "بتسيلم" أن المسؤولين في مواقع صنع القرار داخل "إسرائيل" لا يخفون هذه السياسة، بل يقدمون لها دعماً مؤسساتياً، مستشهدة بتصريحات قائد المنطقة العسكرية الوسطى آفي بلوط الذي قال: "نقتل كما لم نقتل منذ 1967".
ولفت التقرير إلى أن المنظمة فنّدت تصريحات بلوط التي قال فيها إن غالبية الفلسطينيين الذين قُتلوا كانوا ضالعين في أعمال وصفها بـ"الإرهابية"، مؤكدة أن مراجعتها للمعطيات والوقائع قادتها إلى استنتاج مغاير، معتبرة أن تلك المزاعم لا تستند إلى حقائق موثقة.
ورأت "بتسيلم" أن الأجهزة الأمنية التابعة لـ**"إسرائيل"** تعتمد بصورة منهجية على تصنيف الفلسطينيين الذين يُقتلون بوصفهم "مخربين" أو "نشطاء إرهابيين"، حتى عندما يكون الضحايا مدنيين أو أطفالاً لا يشكلون أي خطر، معتبرة أن هذه السياسة توفر غطاءً مؤسساتياً لاستمرار عمليات القتل وتحول دون محاسبة المسؤولين عنها.
غياب المساءلة
وتابع التقرير أن المنظومة "الإسرائيلية" لا تكتفي، بحسب المنظمة، بتبرير عمليات القتل بعد وقوعها، وإنما تمتنع أيضاً عن ملاحقة المسؤولين عنها قضائياً.
واستندت "بتسيلم" إلى معطيات صادرة عن منظمة "يش دين"، أظهرت أنه لم يُعلن عن تقديم أي لوائح اتهام في جميع قضايا قتل الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأضاف التقرير أن الإفلات من العقاب لا يقتصر على الجانب القضائي، بل يمتد إلى ما وصفته المنظمة بـ"الحصانة الجماهيرية"، مشيرة إلى أن منفذي عمليات قتل الأطفال الفلسطينيين لا يواجهون ضغطاً مجتمعياً داخل "إسرائيل" للمحاسبة، الأمر الذي يسهم، وفق التقرير، في استمرار هذه الانتهاكات.
وربطت المنظمة بين تصاعد عمليات قتل الأطفال في الضفة الغربية وما وصفته باستمرار حرب الإبادة على قطاع غزة، مشيرة إلى أن أكثر من 21 ألف طفل في القطاع قُتلوا خلال الحرب، معتبرة أن غياب المطالبة داخل الرأي العام "الإسرائيلي" بتغيير هذه السياسات يعكس تعمق نزع الإنسانية عن الفلسطينيين.
وخلصت "بتسيلم" إلى أن هذه السياسات أسهمت في خلق واقع أصبح فيه قتل الأطفال الفلسطينيين أمراً متكرراً واعتيادياً في الضفة الغربية المحتلة.
التاريخ الدموي
ورصد تقرير منظمة "بتسيلم" مقارنة تاريخية لعمليات قتل الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية، مشيراً إلى أن وتيرة القتل التي تشهدها الأراضي الفلسطينية منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة تعيد إلى الأذهان ما وثقته المنظمة خلال سنوات الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بل وتتجاوزها عند المقارنة الزمنية.
وأوضح التقرير أن الفترة الممتدة بين أكتوبر/تشرين الأول 2000 والثامن من فبراير/شباط 2005، الذي شهد توقيع اتفاقيات شرم الشيخ واعتُبر نهاية رسمية للانتفاضة الثانية، أسفرت عن استشهاد 251 طفلاً فلسطينياً برصاص قوات الاحتلال في الضفة الغربية، إلى جانب خمسة أطفال آخرين قتلهم مستوطنون.
وأضاف أن عام 2025 وحده شهد استشهاد 54 طفلاً فلسطينياً برصاص قوات الاحتلال في الضفة الغربية، فيما تشير المقارنة مع الفترة الممتدة من التاسع من فبراير/شباط 2005 وحتى نهاية عام 2021 إلى أن قوات الاحتلال قتلت خلالها 194 طفلاً فلسطينياً، بينما قتل المستوطنون 10 أطفال آخرين، إضافة إلى طفلين لم تتمكن المنظمة من تحديد الجهة المسؤولة عن قتلهما.
وأكد التقرير أن عامي 2023 و2024 سجلا أعلى معدلات قتل للأطفال منذ سنوات طويلة، إذ استشهد 120 طفلاً خلال عام 2023، بينهم 80 طفلاً خلال أقل من ثلاثة أشهر، منذ السابع من أكتوبر وحتى نهاية العام نفسه.
أما في عام 2024، فقد وثقت المنظمة استشهاد 89 طفلاً، فيما انخفض العدد إلى 54 طفلاً خلال عام 2025، إلا أنها اعتبرت أن هذا الرقم يجعل العام الماضي من أكثر الأعوام دموية بحق الأطفال الفلسطينيين خلال العقدين الأخيرين.
وأشار التقرير إلى أن متوسط عدد الأطفال الذين قتلوا في الضفة الغربية بين عامي 2005 و2021 بلغ 13 طفلاً سنوياً، سواء على يد قوات الاحتلال أو المستوطنين، في حين ارتفع هذا المعدل في عام 2025 إلى أكثر من أربعة أضعاف.
تعليمات إطلاق النار
ولفتت "بتسيلم" إلى أن الارتفاع الحاد في أعداد الأطفال الذين استشهدوا بدأ منذ عام 2022، عندما ارتفع العدد من 16 طفلاً في عام 2021 إلى 34 طفلاً في العام التالي.
وربط التقرير هذا التصاعد بما قال إنه جاء عقب تعديلات أدخلها جيش الاحتلال على تعليمات إطلاق النار في نهاية عام 2021.
وأشار إلى ما نشرته هيئة البث "الإسرائيلية" "كان 11" بشأن إدخال تسهيلات على قواعد إطلاق النار، سمحت لجنود الاحتلال باستخدام الرصاص الحي ضد راشقي الحجارة، كما أتاحت إطلاق النار على أشخاص يحاولون الفرار بعد الاشتباه بإلقائهم حجارة، وهو ما اعتبرت المنظمة أنه يخالف أحكام القانون الدولي.
وأضافت "بتسيلم" أن اندلاع الحرب على قطاع غزة شكّل، وفق ما ورد في التقرير، مرحلة جديدة من التشدد في سياسة إطلاق النار، الأمر الذي انعكس في ارتفاع إضافي بأعداد الضحايا.
وأرجعت المنظمة ذلك إلى ما وصفته بتصاعد خطاب الانتقام وتعميق نزع الإنسانية عن الفلسطينيين داخل المجتمع والخطاب الرسمي في "إسرائيل".
وأشار التقرير إلى أن قوات الاحتلال قتلت منذ مطلع يناير/كانون الثاني 2026 وحتى السابع من يونيو/حزيران من العام نفسه 12 طفلاً فلسطينياً في الضفة الغربية.
ومن بين الضحايا، وثقت المنظمة استشهاد شقيقين يبلغان من العمر خمسة أعوام وستة أعوام في بلدة طمون، إضافة إلى رضيع يبلغ من العمر سبعة أشهر في مدينة الخليل، بعدما أطلقت قوات "إسرائيلية" النار على السيارتين اللتين كانتا تقلان أفراد عائلتيهما.
ملابسات الجرائم
وتناول تقرير "بتسيلم" الظروف التي استشهد فيها الأطفال الفلسطينيون خلال عام 2025، موضحاً أن 47 طفلاً استشهدوا جراء إطلاق الرصاص الحي من قبل قوات الاحتلال، فيما استشهد سبعة أطفال نتيجة قصف جوي.
وأشار التقرير إلى أن 21 طفلاً قتلوا رغم أنهم لم يشاركوا في أي مواجهات، حتى في الحالات التي شهد محيطهم اشتباكات أو عمليات رشق حجارة أو إطلاق نار، وهو ما اعتبرته المنظمة مؤشراً على اتساع نطاق استهداف الأطفال في الضفة الغربية.
وواصل التقرير توثيق الظروف التي استشهد فيها الأطفال الفلسطينيون، مشيراً إلى أن عدداً من الضحايا سقطوا خلال عمليات نفذتها قوات الاحتلال، شملت الكمائن العسكرية والمداهمات وعمليات الاعتقال والغارات الجوية والمواجهات.
وأوضح أن 11 طفلاً استشهدوا بنيران أطلقتها قوات الاحتلال من كمائن عسكرية، من بينهم طفل قُتل أثناء مروره بالقرب من موقع الكمين، رغم أنه لم يقم بأي فعل، وفق ما وثقته المنظمة.
كما رصد التقرير استشهاد تسعة أطفال، بينهم فتاتان، خلال مداهمات نفذتها قوات الاحتلال في بلدات فلسطينية بالضفة الغربية، مشيراً إلى أن تلك المداهمات لم تشهد تنفيذ أي اعتقالات أو اندلاع مواجهات.
اعتقال ومنع العلاج
ولم يقتصر التقرير على توثيق عمليات القتل، بل تناول أيضاً ما وصفه بالإجراءات التي أعاقت إنقاذ الأطفال الجرحى، مشيراً إلى أن قوات الاحتلال أخرت أو منعت وصول الطواقم الطبية والسكان إلى المصابين في عدد من الحالات.
وأوضح التقرير أن ما يقارب ربع الحالات الموثقة، أي 13 طفلاً من أصل الأطفال الذين استشهدوا خلال عام 2025، شهدت تأخيراً أو منعاً كاملاً لوصول فرق الإسعاف أو المواطنين الذين حاولوا تقديم المساعدة أو إجلاء الجرحى.
وأضاف أن المنع استمر في أربع حالات لعدة دقائق، من بينها واقعة اقتحمت فيها قوات الاحتلال العيادة التي نُقل إليها أحد الأطفال الجرحى، ومنعت نقله إلى المستشفى لاستكمال العلاج.
كما وثقت المنظمة أربع حالات أخرى مُنع خلالها وصول الطواقم الطبية لفترات تراوحت بين 20 و40 دقيقة، إضافة إلى خمس حالات أخرى استمر فيها المنع لفترات لم تتمكن المنظمة من تحديد مدتها.
وأشار التقرير إلى أنه في تسع حالات على الأقل، أطلقت قوات الاحتلال الرصاص الحي في الهواء أو باتجاه الأهالي والطواقم الطبية، بهدف منعهم من الاقتراب من الأطفال الجرحى أو إجلائهم لتلقي العلاج.
وأضافت "بتسيلم" أن الحالات التي تولى فيها جنود الاحتلال نقل المصابين من أماكن إصابتهم رافقها منع كامل للطواقم الطبية الفلسطينية والمواطنين من الوصول إليهم، مؤكدة أنه لا تتوافر معلومات بشأن ما إذا كانت تلك القوات قدمت أي إسعافات أولية للأطفال قبل الإعلان عن وفاتهم، أو ما إذا جرت أي محاولات لإنقاذ حياتهم.
احتجاز جثامين الأطفال
وتطرق التقرير إلى سياسة احتجاز جثامين الأطفال الفلسطينيين، موضحاً أن المعطيات المتوفرة حتى يوم الاثنين تشير إلى أن "إسرائيل" ما تزال تحتجز جثامين 18 طفلاً من أصل 54 طفلاً قتلتهم قواتها خلال عام 2025.
وأوضح أن الجثامين محتجزة داخل ما يعرف بـ"ثلاجات الأرقام" بدرجة حرارة تصل إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر، فيما تحرم سلطات الاحتلال ذوي الأطفال من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم أو دفنهم.
ورأت "بتسيلم" أن احتجاز الجثامين يندرج ضمن سياسة طويلة الأمد تعتمدها "إسرائيل"، تقوم على احتجاز جثامين الفلسطينيين واستخدامها وسيلة ضغط وورقة للمساومة، معتبرة أن هذه السياسة تخالف أحكام القانون الدولي.
وأكد التقرير أن حرمان العائلات الفلسطينية من حقها في دفن أبنائها وإقامة مراسم التشييع والعزاء وزيارة قبورهم يضاعف من معاناتها النفسية والإنسانية، ويجعل ألم الفقد أكثر قسوة، لا سيما عندما يكون الضحايا من الأطفال.
خلصت منظمة "بتسيلم" إلى أن المعطيات التي وثقتها تشير إلى تصاعد استهداف الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية، معتبرة أن ارتفاع أعداد الضحايا، وسياسة إطلاق النار، وغياب المساءلة، وعرقلة وصول العلاج، واحتجاز الجثامين، تشكل بمجملها مؤشرات على سياسة ممنهجة تنتهجها سلطات الاحتلال بحق الفلسطينيين، وفي مقدمتهم الأطفال.
وأكدت المنظمة أن الوقائع التي وثقتها تُظهر أن قتل الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية لم يعد حوادث استثنائية، بل أصبح، وفق ما جاء في التقرير، واقعاً متكرراً في ظل استمرار غياب المحاسبة والإفلات من العقاب.