تشهد بطولة كأس العالم 2026 تحولاً لافتاً في طريقة متابعة الجماهير للمباريات، مع تصاعد دور منصات البث الرقمية التي باتت تنافس القنوات التلفزيونية التقليدية بشكل مباشر، في مشهد يعكس تغيراً متسارعاً في عادات مشاهدة الأحداث الرياضية الكبرى حول العالم.
وفي إطار هذا التحول، أبرم الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) شراكات واسعة مع منصات رقمية، وأتاح لأول مرة لحاملي حقوق البث نقل أول عشر دقائق من مباريات المونديال مباشرة عبر منصة "يوتيوب"، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تعزيز الوصول الرقمي للمحتوى، بالتزامن مع توسع القنوات التلفزيونية في تقديم خدماتها عبر الإنترنت.
وبحسب المعطيات، فإن "فيفا" لم يعتمد نمط الحقوق الحصرية لصالح منصة واحدة، بل اتجه إلى توزيع أوسع لحقوق البث، بما يسمح بتجربة مشاهدة متعددة القنوات والمنصات، خصوصاً لاستقطاب الجيل الشاب الذي يعتمد بشكل متزايد على الهواتف الذكية والمنصات الرقمية.
وفي البرازيل، حصلت منصة "كازي تيفي"، التي يديرها المؤثر كاسيميرو ميغيل، على حقوق بث جميع مباريات البطولة البالغ عددها 104 مباريات، لتصبح الجهة الوحيدة التي تقدم تغطية كاملة للمونديال داخل البلاد. في المقابل، تنقل شبكة "غلوبو" 55 مباراة فقط، رغم تاريخها الطويل في تغطية كرة القدم البرازيلية.
أما في الولايات المتحدة، إحدى الدول المستضيفة، فقد حصلت شبكة "فوكس" على حقوق بث البطولة، مع إتاحة جميع المباريات عبر منصاتها الرقمية إلى جانب البث التلفزيوني التقليدي، ما يعكس الدمج المتزايد بين الوسائط المختلفة في تغطية الحدث العالمي.
وفي بريطانيا، سجلت منصات "بي بي سي سبورت" الرقمية ارتفاعاً قياسياً في نسب المشاهدة خلال الأسبوع الأول من البطولة، حيث بلغ يوم 17 يونيو أعلى معدل استخدام منذ نهائي بطولة أوروبا في 2024، فيما حققت أبرز لقطات المونديال 11.6 مليون مشاهدة بزيادة 197% مقارنة بـ"يورو 2024". كما تجاوزت حلقات بودكاست "بي بي سي فوتبول ديلي" 100 ألف مشاهدة لكل حلقة عبر منصة "آي بلاير".
كما أبرم "فيفا" اتفاقاً مع منصة "يوتيوب" يسمح ببث أول عشر دقائق من المباريات مباشرة عبر المنصة، في خطوة وصفها مسؤولون في "يوتيوب" بأنها تعزز تجربة المشاهدة قبل وأثناء وبعد المباريات، وتحوّل المنصة إلى مركز رئيسي لمتابعة المحتوى الرياضي العالمي.
وتشير بيانات قطاع الإعلام إلى أن منصات البث استحوذت في عام 2025 على نحو 45% من إجمالي المشاهدات عالمياً، متجاوزة البث التلفزيوني التقليدي، فيما تصدرت "يوتيوب" المنصات الرقمية بنسبة 12%، لتصبح الأكثر مشاهدة على مستوى العالم، مع توسعها في نقل فعاليات كبرى مثل جوائز الأوسكار ابتداءً من 2029، إضافة إلى حقوق بث مباريات الدوري الأميركي لكرة القدم الأميركية (NFL).
وفي العالم العربي، تواصل شبكة "بي إن سبورتس" نقل جميع مباريات البطولة عبر منصتي "بي إن كونكت" و"تود"، مع بث كامل لمباريات المونديال الـ104 بجودة عالية، إلى جانب استوديوهات تحليلية موسعة. كما أطلقت الشبكة منصة رقمية موازية للبطولة تتضمن محتوى تفاعلياً، وتحديثات مباشرة، ولعبة توقعات، وإشعارات فورية بالأحداث والنتائج.
وتظهر الأرقام أن مونديال 2022 سجل نحو 5 مليارات مشاهدة، أكثر من نصفها عبر المنصات الرقمية، فيما تابع 1.5 مليار شخص المباراة النهائية، بينهم 237 مليوناً عبر الوسائل الرقمية، ما يعكس الاتجاه المتسارع نحو المشاهدة الرقمية.
ويأتي هذا التحول في وقت يشهد فيه قطاع البث نمواً هائلاً عالمياً، إذ ارتفعت قيمة سوق منصات البث من 58.5 مليار دولار عام 2018 إلى 233.1 مليار دولار عام 2024، مع وصول عدد المشتركين إلى مئات الملايين في منصات كبرى مثل "نتفليكس" و"جيوستار" و"ديزني بلس"، لتصبح المنصات المدفوعة أكثر انتشاراً من التلفزيون التقليدي.
وبحسب "فيفا"، فإن البطولة تُبث عبر أكثر من 220 منطقة حول العالم، في إطار شبكة إعلامية تجمع بين القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية، بما يضمن وصول المحتوى إلى جمهور عالمي غير مسبوق، مع تحقيق عوائد قياسية من حقوق البث.
وأكد الأمين العام لـ"فيفا" ماتياس غرافستروم أن الشراكات الإعلامية الجديدة "تمثل مزيجاً بين البث التقليدي والمنصات الرقمية الحديثة، بما يضمن تواصلاً أوسع للجماهير مع كرة القدم بطرق غير مسبوقة