كشفت شهادات عدد من النشطاء الأجانب المقيمين في ألمانيا عن تعرضهم لإجراءات قانونية وإدارية مشددة، وصلت إلى حد التهديد بالترحيل وتعليق أوضاع الإقامة، على خلفية مشاركتهم في فعالات داعمة لفلسطين ومطالبتهم بوقف الحرب التي تشنها "إسرائيل" على قطاع غزة.
وتؤكد هذه الشهادات، التي نقلتها الجزيرة، أن الإجراءات لم تقتصر على النشطاء القادمين من الدول العربية، بل طالت أيضا مواطنين من الولايات المتحدة وتشيلي وأيرلندا، في ظل ما وصفوه باستخدام قوانين الهجرة بصورة سياسية لقمع الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين.
وقالت الناشطة الأمريكية كوبر إنها لم تكن تتوقع أن يصل حجم الضغوط التي تعرضت لها من الحكومة الألمانية إلى هذا المستوى، موضحة أنها كانت تدرك مسبقا أن إعلان موقفها الداعم لفلسطين قد يترتب عليه تبعات، لكنها لم تتخيل أن تتحول تلك التبعات إلى ما وصفته بحملة ترهيب هدفها ردعها ومنعها من المشاركة في الأنشطة المطالبة بوقف الحرب على غزة.
وأضافت، في حديثها للجزيرة، أن ما تعرضت له لم يكن موجها إليها وحدها، بل حمل رسالة واضحة إلى جميع المتضامنين مع الفلسطينيين مفادها أن الحكومة الألمانية ستتعامل بحزم مع أي معارضة لموقفها من الحرب في قطاع غزة.
وأوضحت المادة أن الفترة التي أعقبت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 شهدت دخول عدد من المؤيدين لفلسطين في نزاعات قانونية معقدة، شملت فتح تحقيقات جنائية بحقهم، وتعليق أوضاعهم القانونية، ووصلت في بعض الحالات إلى إجراءات ترحيل غير متوقعة.
وفي السياق ذاته، تعرض الناشط التشيلي لويس كورتيز للاحتجاز ثم لتعليق إقامته بعد مشاركته في اعتصام داخل جامعة برلين الحرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
وقال كورتيز إنه حاول مغادرة موقع الاعتصام استجابة لطلب السلطات، إلا أنه اعتُقل واحتُجز، قبل أن ترفض دائرة شؤون الأجانب تجديد إقامته بحجة استمرار التحقيقات، الأمر الذي وضعه -وفق وصفه- في حالة قانونية رمادية منعته من استئناف حياته بصورة طبيعية، رغم صدور حكم قضائي ببراءته.
وأشار الناشط التشيلي إلى أنه كان يعتقد أن وضعه سيكون أكثر استقرارا مقارنة بالنشطاء القادمين من الدول العربية، إلا أنه وجد نفسه يواجه الإجراءات البيروقراطية نفسها.
ومن جانبه، أعرب الناشط الأيرلندي شين أوبراين عن صدمته من طرح فكرة ترحيله رغم كونه مواطنا أوروبيا، مؤكدا أن محاميه اطلعوا على وثائق داخلية تشير إلى أن مسؤولي الهجرة لم يجدوا أساسا قانونيا يبرر ترحيله، إلا أن القضية استمرت، بحسب قوله، نتيجة ضغط مباشر من وزارة الداخلية الألمانية.
وتشير الشهادات الثلاث إلى أن ما اعتبره أصحابها "حماية" توفرها الجنسيات الغربية لم يكن كافيا لتجنيبهم الملاحقات. وأقرت كوبر بأن حملها الجنسية الأمريكية منحها امتيازا نسبيا مقارنة بالمهاجرين واللاجئين، لكنه لم يمنع اتخاذ إجراءات بحقها.
وخلص النشطاء، بعد تجاربهم، إلى أن القوانين يجري توظيفها بصورة سياسية لإسكات الأصوات المعارضة، معتبرين أن تطبيق القانون لا يستند فقط إلى نصوص ثابتة، بل إلى قرارات يتخذها المسؤولون.
واستشهد كورتيز على ذلك باستمرار ملاحقته من قبل جامعة برلين والنيابة العامة، حتى بعد رفض المحكمة إحدى القضايا المرفوعة ضده بسبب عدم كفاية الأدلة.
ورغم الضغوط والإجراءات القانونية، أكد النشطاء الثلاثة أن الدافع الإنساني ظل المحرك الأساسي لمواقفهم المؤيدة لفلسطين.
وقالت كوبر إن الوقوف في مواجهة الإبادة الجماعية يمثل "واجبا أخلاقيا لا يمكن الصمت تجاهه".
بدوره، أوضح كورتيز أن أجواء الخوف والرقابة داخل الجامعات دفعته إلى كسر حاجز الصمت، فيما أكد شين أوبراين، الذي قال إنه مرتبط بالقضية الفلسطينية منذ سنوات، أن السعي إلى وقف ما يحدث في غزة يمثل الحد الأدنى من الواجب الإنساني.
وفي تقييمهم لتجربتهم، قال النشطاء إن ما مروا به غيّر نظرتهم إلى أوروبا والمبادئ التي تعلن الدفاع عنها.
ورأت كوبر أن تجربتها كشفت، بحسب وصفها، عن وجود عنصرية داخل المجتمع الغربي، إضافة إلى تناقض واضح في التعامل مع حرية التعبير عندما يتعلق الأمر بفلسطين.
كما أعرب كورتيز عن تشككه في مدى التزام المؤسسات الرسمية بحرية التعبير، معتبرا أن هذه المبادئ تطبق بصورة انتقائية.
أما أوبراين، فأعلن مقاطعته لمصطلحات مثل "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان"، معتبرا أن استمرار مؤسسات غربية في دعم حرب الإبادة التي تشنها "إسرائيل" على قطاع غزة يتناقض مع هذه الشعارات.
وتختتم القضية، بحسب التقرير، بطرح نقاش أوسع داخل ألمانيا حول الحدود الفاصلة بين تطبيق قوانين الهجرة من جهة، واحترام الحريات السياسية وحرية التعبير من جهة أخرى، في ظل تصاعد الانتقادات للإجراءات المتخذة بحق المتضامنين مع فلسطين.
