☰
✕

قائمة الموقع

تقرير بعد 1000 يوم من الإبادة.. كم تقريرًا أمميًا يحتاجه العالم قبل أن تتحول التحذيرات إلى استجابة؟

2026-07-06T11:33:00+03:00
وكالة شهاب

خاص / شهاب

في كل مرة تصدر فيها الأمم المتحدة تقريرًا جديدًا عن غزة، تُضاف صفحات أخرى إلى أرشيف يوثق واحدة من أكثر الحروب دموية في العصر الحديث. تتغير أرقام الضحايا، وتتسع قائمة الانتهاكات، وتزداد التحذيرات حدة، بينما يتواصل الجدل بشأن مدى انعكاس هذا التوثيق على مواقف وإجراءات المجتمع الدولي.

وبينما تتراكم التقارير الأممية، يبرز سؤال يتجاوز حدود غزة نفسها: كم تقريرًا آخر يحتاج العالم قبل أن تتحول الوقائع الموثقة إلى خطوات عملية ومساءلة حقيقية؟

لا تحكمه النصوص

ويرى المختص في الشأن الفلسطيني محمد شاهين أن الفجوة بين التقارير الأممية والمواقف الغربية تعكس صدامًا بين القانون الدولي وموازين القوة السياسية، موضحًا أن الأمم المتحدة وثقت، منذ الأيام الأولى للحرب، عبر عشرات التقارير والبيانات، الاستهداف الواسع للمدنيين، والتدمير المنهجي للبنية التحتية، والانهيار الإنساني، إلى جانب التحذير من المجاعة، والنزوح القسري، وانهيار القطاع الصحي، فيما تحدث عدد من المقررين الخاصين وهيئات حقوق الإنسان عن مؤشرات قوية على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ويقول شاهين إن هذه التقارير اصطدمت بحقيقة سياسية مفادها أن النظام الدولي لا تحكمه النصوص القانونية وحدها، وإنما أيضًا موازين النفوذ والتحالفات الاستراتيجية، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة وعددًا من الدول الغربية تنظر إلى إسرائيل باعتبارها حليفًا استراتيجيًا، وهو ما جعل الاعتبارات الجيوسياسية تتقدم على الاعتبارات القانونية. وأضاف أن هذه المعادلة أوجدت فجوة واضحة بين ما توثقه المؤسسات الأممية وبين طبيعة المواقف السياسية، إذ استمرت بعض الدول الغربية في تقديم الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، رغم اتساع دائرة التقارير الدولية التي وثقت الانتهاكات.

ويشير إلى أن هذا الواقع عزز الانطباع لدى كثير من دول الجنوب والعالمين العربي والإسلامي بوجود ازدواجية في تطبيق القانون الدولي، حيث تُطبق المبادئ ذاتها بمعايير مختلفة وفقًا للمصالح السياسية، معتبرًا أن هذه الازدواجية لا تمثل أزمة أخلاقية فحسب، بل تمس أيضًا شرعية النظام الدولي ومصداقية مؤسساته.

وحول ما إذا كان تجاهل التقارير الأممية يعكس أزمة في القانون الدولي أم تغليبًا للاعتبارات السياسية، يؤكد شاهين أن ما يجري في غزة يكشف عن أزمة مزدوجة؛ الأولى تتعلق بفعالية القانون الدولي، والثانية بغياب الإرادة السياسية لتطبيقه. ويوضح أن القانون الدولي يحتاج إلى آليات تنفيذ وإرادة من الدول، وعندما تغيب هذه الإرادة، تتحول النصوص القانونية إلى مرجعيات أخلاقية أكثر منها أدوات إلزام.

ويضيف أن المؤسسات الدولية أصدرت تقارير وتحذيرات، واتخذت هيئات قضائية دولية خطوات غير مسبوقة، إلا أن ذلك لم ينجح، حتى الآن، في وقف الحرب أو فرض مساءلة فعالة، بسبب اختلال بنية النظام الدولي وقدرة بعض الدول على تعطيل القرارات أو الحد من آثارها السياسية، وهو ما يجعل الاعتبارات الاستراتيجية تتقدم، في كثير من الأحيان، على الالتزامات القانونية.

ويخلص شاهين إلى أن أخطر ما أفرزته الحرب لا يقتصر على حجم الدمار الإنساني، وإنما يمتد إلى التأثير في صورة النظام الدولي ذاته، موضحًا أن استمرار صدور التقارير الأممية دون أن يقابلها تغيير ملموس في المواقف أو الإجراءات الدولية يثير تساؤلات أوسع من الحرب على غزة، تتعلق بفاعلية القانون الدولي، ومستقبل منظومة العدالة الدولية، ومدى قدرة المؤسسات الأممية على تحويل التوثيق إلى مساءلة.

ولم يكن تقريرًا واحدًا هو الذي وثّق مجريات الحرب في قطاع غزة، بل توالت، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تقارير وإحاطات صادرة عن لجان التحقيق وآليات الأمم المتحدة المختلفة، تناولت أبعادًا متعددة للنزاع، شملت أوضاع المدنيين، واستهداف المرافق الصحية، وأوضاع الأطفال والنساء، والتجويع، والنزوح القسري، والانهيار الإنساني.

وفي أحدث هذه التقارير، أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، في 23 يونيو/حزيران 2026، تقريرًا ركز على أوضاع الأطفال والانتهاكات التي طالتهم خلال الحرب.

كما سبق أن أصدرت اللجنة نفسها، في 16 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرًا تناول الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب، وقدم تقييمات قانونية بشأنها.

وفي السياق ذاته، نشر المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، تقريرًا تناول تطورات الحرب من منظور القانون الدولي وحقوق الإنسان.

تعقيدات النظام الدولي

وبالتوازي مع ذلك، واصلت وكالات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، ومنظمة الصحة العالمية، واليونيسف، والأونروا، إصدار تحديثات وتقارير دورية حذرت فيها من تفاقم الأزمة الإنسانية، واتساع رقعة النزوح، وتدهور المنظومة الصحية، وتصاعد مخاطر المجاعة، وتفاقم أوضاع الأطفال في القطاع.

ومن الناحية القانونية، يرى الخبير في القانون الدولي صلاح عبد العاطي أن القيمة الحقيقية للتقارير الصادرة عن الأمم المتحدة لا تكمن في كونها أحكامًا قضائية، وإنما في كونها تشكل رصيدًا قانونيًا وإثباتيًا مهمًا يمكن البناء عليه في مسارات العدالة الدولية. ويوضح أن التقارير الصادرة عن لجان التحقيق الدولية، والبعثات المستقلة لتقصي الحقائق، والإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، تستند إلى منهجيات ومعايير صارمة في جمع المعلومات والتحقق منها، ما يمنحها قيمة قانونية باعتبارها أدلة أو قرائن داعمة يمكن الاستناد إليها أمام المحاكم الدولية والوطنية، وإن كانت لا تغني عن التحقيقات الجنائية والأدلة المباشرة اللازمة لإثبات المسؤولية الفردية.

ويفرق عبد العاطي بين "التوثيق الأممي" و"المساءلة القانونية"، موضحًا أن الأول يهدف إلى رصد الوقائع وتوثيق الانتهاكات وفق المعايير الدولية، بينما تتطلب المساءلة وجود جهة قضائية مختصة، واختصاصًا قانونيًا، وإجراءات تحقيق ومحاكمة تستوفي معايير الإثبات القضائي.

ويؤكد أن التوثيق، مهما بلغ حجمه، لا يقود تلقائيًا إلى المحاسبة، لأن الأخيرة ترتبط بعوامل قانونية وسياسية، من بينها اختصاص المحاكم، وتعاون الدول، وتنفيذ أوامر القبض، إلى جانب موازين القوى داخل النظام الدولي.

ويشير إلى أن هذه التقارير يمكن الاستناد إليها أمام محكمة العدل الدولية باعتبارها قرائن تدعم الادعاءات المتعلقة بانتهاك الالتزامات الدولية، كما يمكن أن تشكل مصدرًا مهمًا للمعلومات أمام المحكمة الجنائية الدولية، بما يساعد المدعي العام في تقييم وجود أساس معقول لفتح التحقيقات أو دعم القضايا، لكنها لا تُغني عن جمع الأدلة الجنائية المباشرة التي تربط المسؤولين بالأفعال المنسوبة إليهم.

وحول أسباب عدم تحول هذا الكم من التوثيق إلى إجراءات قانونية ملزمة، يؤكد عبد العاطي أن العقبة لا تكمن في نقص الأدلة، بل في تعقيدات النظام الدولي، إذ تتطلب الملاحقات القضائية اختصاصًا قانونيًا وتعاونًا من الدول، فضلًا عن غياب العوائق السياسية. ويضيف أن استخدام حق النقض في مجلس الأمن، أو امتناع بعض الدول عن التعاون مع الآليات القضائية الدولية، يحد من فعالية المساءلة، رغم توافر كم كبير من التقارير والأدلة.

الإفلات من العقاب

ويرى عبد العاطي أن الأزمة الأساسية لا تتمثل في قصور قواعد القانون الدولي، التي تحظر بوضوح جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وإنما في ضعف الإرادة السياسية والانتقائية في تطبيق هذه القواعد.

ويحذر من أن استمرار تجاهل التقارير الأممية يضعف الثقة في منظومة القانون الدولي الإنساني، ويغذي الانطباع بوجود معايير مزدوجة، بما قد يشجع على الإفلات من العقاب، ويقوض قدرة القانون الدولي على الردع.

ورغم ذلك، يؤكد أن هذه التقارير تحتفظ بقيمتها القانونية على المدى البعيد، مشيرًا إلى أن تجارب دولية عديدة أظهرت أن ملاحقات مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بدأت بعد سنوات من وقوعها. ويختم بالقول إن تراكم التقارير الأممية بشأن الانتهاكات في قطاع غزة يشكل ذاكرة قانونية يصعب محوها، ويمكن أن يؤسس، مستقبلًا، لمسارات قضائية، وتعويضات، ومساءلات، وإجراءات دولية، متى توافرت الظروف القانونية والسياسية اللازمة.

اخبار ذات صلة