☰
✕

قائمة الموقع

تقرير تالا ودانا.. ناجيتان على منصة الذهب فى أولمبياد الرياضيات بالبرازيل بعد رحلة نجاة من الإبادة

2026-07-07T11:47:00+03:00
وكالة شهاب

خاص/ شهاب

في كل مرة يحاول فيها الاحتلال أن يحاصر الفلسطيني بالحرب والدمار والتهجير، يثبت هذا الشعب أن قدرته على البقاء لا تتوقف عند النجاة من الموت، بل تمتد إلى صناعة الحياة من جديد.

فبينما تُهدم البيوت، وتُغلق المدارس، وتُنتزع الطفولة من آلاف الأطفال، يواصل الفلسطيني البحث عن نافذة للأمل، مؤمنًا بأن العلم يبقى أحد أهم أدوات الصمود، وأن المستقبل لا يُصنع إلا بالإرادة.

وتجسد قصة الطفلتين الفلسطينيتين تالا ودانا محمد عوض، اللتين أجبرتهما حرب الإبادة "الإسرائيلية" على مغادرة قطاع غزة، قبل أن تجدا نفسيهما، بعد شهور قليلة، على منصة التتويج في البرازيل، حاصدتين الميداليتين الذهبية والفضية في أولمبياد الرياضيات على مستوى ولاية ساو باولو (OMASP 2026)، في إنجاز حمل اسم فلسطين قبل أن يحمل اسميهما.

رحلة الموت والنجاة 

تروي والدة الطفلتين، في حديث خاص لـ"شهاب"، أن عائلتها كانت تعيش في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، وتمسكت بالبقاء في منزلها مع بداية الحرب، على أمل أن تنتهي الأيام الأولى سريعًا. لكن مع اتساع رقعة القصف، ووصول قذائف المدفعية إلى محيط المنزل، وإغلاق المنطقة بالحواجز العسكرية، لم يعد هناك خيار سوى الرحيل.

تقول الأم إن العائلة خرجت من منزلها دون أن تحمل ملابس أو أمتعة، تاركة وراءها سنوات طويلة من الذكريات وكل ما تملك، لتبدأ رحلة نزوح شاقة داخل القطاع.

كانت المحطة الأولى في خان يونس، حيث أمضت الأسرة نحو شهر وسط ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، قبل أن تنتقل إلى دير البلح وتقيم هناك قرابة أربعة أشهر، متنقلة بين أماكن النزوح في ظل القصف المتواصل، وشح الغذاء والمياه، والخدمات الأساسية.

ومع تواصل الحرب والإبادة، غادرت الأسرة إلى مصر أملًا في بداية جديدة، إلا أن الواقع لم يكن سهلًا، فغياب الإقامات القانونية وصعوبة إلحاق الأطفال بالمدارس جعلا الأسرة تدرك أن الاستقرار لا يزال بعيد المنال، لتبدأ رحلة بحث جديدة عن مكان يتيح لأطفالها استعادة حقهم في التعليم.

وتصف والدة الطفلتين استقبال البرازيل لعائلتها بأنه نقطة تحول في حياتهم، بعدما حصلوا على الإقامة القانونية، وتمكن الأطفال من الالتحاق بالمدارس واستعادة جزء من حياتهم الطبيعية، منوهةً إلى أن البرازيل منحت أبناءها فرصة للبدء من جديد بعد شهور طويلة من النزوح وعدم الاستقرار.

لكن رحلة تالا ودانا لم تبدأ من مقاعد الدراسة في البرازيل، بل من واحدة من أكثر الحروب دموية التي شهدها قطاع غزة.

فمع دخول حرب الإبادة "الإسرائيلية" يومها الألف، تشير معطيات المكتب الإعلامي الحكومي إلى استشهاد أكثر من 73 ألف فلسطيني وصلوا إلى المستشفيات منذ بدء الحرب، فيما لا يزال نحو 9500 شخص في عداد المفقودين، بينهم شهداء تحت الأنقاض. كما استشهد أكثر من 21,500 طفل و12,500 امرأة، وتعرضت أكثر من 39 ألف عائلة لمجازر، فيما أُبيدت بالكامل أكثر من 2700 أسرة، في أرقام تعكس حجم الكارثة التي طالت المجتمع الفلسطيني، وكان الأطفال أكثر ضحاياها.

معركة اللغة

ولم تكن تالا ودانا بعيدتين عن هذه المأساة. وتقول والدتهما إن طفلتيها فقدتا جميع أفراد عائلة والدتهما تقريبًا؛ جدتهما وجدهما، وأخوالهما مع أبنائهم وأحفادهم، كما فقدتا، من جهة والدهما، اثنين من أعمامهما مع أبنائهم وأحفادهم، إضافة إلى أحد أبناء عمومتهما.

وتؤكد أن تلك الخسائر تركت أثرًا نفسيًا عميقًا في نفس الطفلتين، وكان يفترض أن تنشغلا بدروسهما وألعابهما، لا أن تعيشا تجربة الفقد والنزوح ومشاهد الدمار. ورغم ذلك، حرصت الأسرة على ألا تتحول الحرب إلى نهاية لأحلام أبنائها، بل إلى دافع للتمسك بالتعليم باعتباره الطريق الوحيد لبناء المستقبل.

لم تنتهِ التحديات بوصول الأسرة إلى البرازيل، إذ وجدت نفسها أمام معركة مختلفة تمامًا.

تقول تالا لـ"شهاب": "إن أكبر الصعوبات التي واجهتنا مع أشقائنا كانت اللغة البرتغالية، فهي لغة لم نكن نعرفها، فيما لم تكن الإنجليزية مستخدمة على نطاق واسع في الحياة اليومية أو داخل المدارس، الأمر الذي جعل الأيام الأولى صعبة ومليئة بالتحديات."

وتروي تالا أنهم خصصوا ساعات طويلة يوميًا للدراسة، وكانوا يواصلون التعلم ليلًا ونهارًا، حتى تمكنوا، خلال نحو أربعة أشهر فقط، من إتقان اللغة البرتغالية بالقدر الذي سمح لهم بمتابعة الدراسة والاندماج داخل المجتمع والمدرسة.

وتقول إن هذا الاجتهاد انعكس سريعًا على نتائجهم الدراسية، إذ أصبح جميع أشقائها من أوائل الطلبة في مدارسهم، بينما وجدت هي نفسها أكثر انجذابًا إلى الرياضيات، المادة التي لطالما أحبتها، لتشارك في أولمبياد الرياضيات على مستوى ولاية ساو باولو، وتنجح في الفوز بالميدالية الذهبية بعد منافسة واسعة بين آلاف الطلبة.

ورغم أن منصة التتويج كانت على بعد آلاف الكيلومترات من غزة، فإن فلسطين كانت حاضرة في قلب تالا ودانا.

تقول والدتهما :" إن أول ما طلبته ابنتاهما بعد إعلان فوزهما هو أن يُرفع العلم الفلسطيني، مؤكدة أن هذا القرار لم يكن نتيجة توجيه من أحد، بل جاء بصورة عفوية تعبر عن شعورهما بالانتماء إلى وطنهما.

حقه الطبيعي في التعلم 

وتضيف أن الأسرة حرصت، رغم كل ما عاشته من حرب ونزوح، على تربية أبنائها على الاعتزاز بهويتهم الفلسطينية، لأن الوطن بالنسبة لهم ليس مجرد مكان، بل ذاكرة وعائلة وتجربة حياة حملوها معهم أينما ذهبوا.

"وبالنسبة لتالا ودانا، لم يكن التتويج في أولمبياد الرياضيات مجرد إنجاز أكاديمي، بل فرصة لتؤكدا أن غزة لا تُختزل في صور الدمار، وأن أبناءها قادرون على الوصول إلى منصات التفوق متى توفرت لهم بيئة آمنة وفرصة عادلة للتعليم."

لا تروي قصة تالا ودانا حكاية طالبتين متفوقتين فحسب، بل تختصر جانبًا من حكاية آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين حُرموا من مدارسهم وبيوتهم ومستقبلهم بسبب الحرب.

فبينما وثقت الإحصاءات استشهاد أكثر من 21 ألف طفل خلال ألف يوم من الحرب، ما يزال عشرات الآلاف من الأطفال يكافحون لاستكمال تعليمهم داخل قطاع غزة أو خارجه، في ظل واقع إنساني بالغ التعقيد.

وفي المقابل، تقدم تالا ودانا نموذجًا مختلفًا؛ نموذجًا لطفلتين خرجتا من قلب الحرب، وحملتا معهما ذاكرة الفقد والنزوح، لكنهما لم تسمحا لهذه التجربة بأن تحدد مستقبلهما. فحين وجدتا فرصة للتعليم والاستقرار، أثبتتا أن الطفل الفلسطيني لا تنقصه الموهبة ولا الإرادة، وإنما يحتاج إلى بيئة آمنة تمنحه حقه الطبيعي في التعلم.

وبين غزة التي غادرتاها قسرًا، ومنصة التتويج التي اعتلتاها في البرازيل، رسمت تالا ودانا مسافة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالإرادة. وبين مشاهد الركام التي تركتاها خلفهما، والميداليتين الذهبية والفضية اللتين توجتا بهما، كُتب فصل جديد من الحكاية الفلسطينية؛ حكاية شعب لا يتوقف عن النهوض، حتى عندما يحاول العالم أن يراه فقط من زاوية الحرب.

اخبار ذات صلة