☰
✕

قائمة الموقع

تقرير بعد ألف يوم من الإبادة.. أم عطا النشاش تبحث بين الركام عن أبنائها الأربعة الذين حُرموا حتى من القبر

2026-07-07T11:36:00+03:00
وكالة شهاب

خاص / شهاب

كل صباح تقريبًا، تعود المسنة الفلسطينية أم عطا النشاش إلى المكان ذاته في مخيم البريج وسط قطاع غزة، لا تحمل معها سوى أمل يتضاءل مع مرور الأيام، بأن تعثر على رفات أبنائها الأربعة الذين ما زالوا تحت أنقاض منزلها المدمر منذ بداية حرب الإبادة.

لا تبحث المسنة عن مقتنيات نجت من القصف، ولا عن جدران يمكن ترميمها، بل تنحني فوق الركام، تزيح الحجارة بيديها، وتحدق في الفراغ الذي ابتلع أبناءها، علّها تجد ما يثبت أنهم كانوا هنا، وما يمنحهم حقًا بسيطًا حُرموا منه طوال ألف يوم؛ قبرًا يضم رفاتهم.
 

بيوت ومقابر 

قصة أم عطا ليست استثناءً في غزة، بل تختصر واحدة من أكثر المآسي قسوة التي خلفتها حرب الإبادة، حيث تحولت آلاف المنازل المدمرة إلى مقابر جماعية، وبقي أصحابها بين عداد المفقودين، بينما لا تزال عائلاتهم تعيش على أمل انتشالهم ودفنهم.

وبالتزامن مع مرور ألف يوم على الحرب، بدأت طواقم الدفاع المدني تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع انتشال جثامين الشهداء من تحت أنقاض المنازل المدمرة، في محاولة تمتد لنحو 400 ساعة عمل للوصول إلى آلاف المفقودين الذين ما زالت جثامينهم عالقة تحت الركام.

وتعتمد الفرق المشاركة في عمليات الانتشال على معدات ثقيلة وآليات متخصصة لإزالة الكتل الخرسانية الضخمة، إلى جانب فرق إنقاذ تعمل يدوياً في المواقع التي يصعب على الآليات الوصول إليها، حفاظاً على أي بقايا بشرية أو مقتنيات قد تساعد في التعرف إلى الضحايا. 

ويؤكد القائمون الحملة أن المرحلة الثانية تستهدف عدداً من المنازل التي تعذر الوصول إليها خلال الأشهر الماضية بسبب حجم الدمار، أو لعدم توفر الإمكانات الفنية والآليات اللازمة، فيما جرى إعداد خطة ميدانية تشمل عدة أحياء ومناطق تعرضت لدمار واسع.

وبحسب معطيات المكتب الاعلامي ، فإن نحو 9500 فلسطيني ما زالوا في عداد المفقودين، بينهم شهداء تحت الأنقاض وآخرون لا يزال مصيرهم مجهولًا، بينما تغطي أنقاض المباني المدمرة ما يقارب 61 مليون طن من الركام المنتشر في مختلف أنحاء القطاع.

ولا تختلف مأساة المواطن الزهارنة كثيرًا عن قصة أم عطا، إذ يروي أن منزله تعرض للقصف بينما كانت العائلة بداخله، ما أدى إلى استشهاد أربعة من أبنائه واثنين من أصدقائهم. وتمكنت العائلة، بعد أيام من المحاولات، من انتشال ثلاثة من الأبناء ودفنهم، فيما بقي الابن الرابع، معتز، تحت الأنقاض حتى اليوم.


 

ويقول إنهم حاولوا إنقاذ أبنائهم منذ اللحظات الأولى، لكن استمرار الغارات الجوية وغياب إمكانات الدفاع المدني حال دون ذلك، قبل أن يعودوا في اليوم التالي ليجدوا القصف متواصلًا والعمل يقتصر على الجهود الفردية والأيدي العارية.

ويصف شعوره بالعجز عن إخراج ابنه بأنه يفوق قدرة الكلمات على التعبير، قائلاً إن أكثر ما يؤلمه أن يبقى "جزء من روحه" تحت الركام، غير قادر على منحه أبسط حقوق الإنسان، وهو الدفن.

جهدًا استثنائيًا

ويؤكد مدير الدفاع المدني في محافظة غزة العميد رائد الدهشان أن المرحلة الثانية من المشروع تمثل جهدًا استثنائيًا في ظل غياب المعدات الثقيلة، مشيرًا إلى أن الطواقم تعمل بآلية واحدة فقط، وتعاني نقصًا كبيرًا في أدوات الحماية والمعدات اللازمة لرفع الأنقاض.

وأوضح أن جهاز الدفاع المدني اضطر للتنسيق مع مؤسسات دولية، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لتوفير الحد الأدنى من الإمكانات، مؤكدًا أن تسريع عمليات الانتشال مرهون بتوفير آليات إضافية، إذ إن توزيع المعدات على أكثر من موقع من شأنه اختصار الوقت وإنهاء المهمة بصورة أسرع.

 

من جانبه، أوضح مدير الإعلام في الدفاع المدني بمحافظة غزة عبد الله المجدلاوي أن الطواقم تواصل العمل وفق بلاغات الأهالي، مشيرًا إلى أن منزل عائلة غبّون، الذي تعرض لمجزرة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا يزال يحتفظ تحت أنقاضه بتسعة شهداء، رغم تمكن الطواقم من انتشال معظم الضحايا.

غير مسبوق

وتأتي هذه الجهود في وقت تشير فيه المعطيات إلى حجم غير مسبوق من الدمار الذي خلّفته الحرب، إذ تعرض أكثر من 2.4 مليون فلسطيني للإبادة والتجويع والتهجير القسري، فيما طال الدمار أكثر من 90% من مباني القطاع، وسيطر الاحتلال بالنار والاجتياح والتهجير على أكثر من 80% من مساحته.

كما ألقى الاحتلال أكثر من 223 ألف طن من المتفجرات على غزة، وقصف منطقة المواصي التي كان يصنفها "منطقة إنسانية آمنة" 241 مرة، بينما دفع العاملون في طواقم الإنقاذ ثمنًا باهظًا، إذ استشهد 145 عنصرًا من الدفاع المدني خلال أداء واجبهم الإنساني.

ولا تقتصر المهمة على انتشال الجثامين فحسب، بل تشمل أيضاً توثيق أماكن العثور عليها، ونقلها وفق الإجراءات الإنسانية المتبعة، تمهيداً للتعرف إلى هويات أصحابها وتسليمهم إلى ذويهم، بما يضمن حفظ حقوقهم القانونية والإنسانية. 

وتأتي هذه الجهود في ظل استمرار التحديات الميدانية، وفي مقدمتها الدمار الهائل الذي لحق بالأحياء السكنية، وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع، إلى جانب الحاجة إلى المزيد من المعدات والآليات الثقيلة التي تسرع عمليات البحث والانتشال.

وبالنسبة لأم عطا، لا تعني هذه الأرقام شيئًا أمام غياب أربعة أبناء دفعة واحدة. فبعد ألف يوم من الحرب، ما زالت تعود إلى الركام ذاته، تحمل في قلبها أمنية واحدة لم تتحقق بعد؛ أن تعثر على رفات أبنائها، وأن تتمكن أخيرًا من وداعهم ودفنهم، بعدما انتظرت ألف يوم بحثًا عن نهاية لمأساتها التي لم تنتهِ بعد.

اخبار ذات صلة