خاص / شهاب
لم يكن أحد في بيت عائلة البنا يتخيل أن يعود أدهم يومًا. فمنذ ثلاث سنوات، حُسم الأمر بالنسبة للعائلة بعدما ترددت الأنباء عن استشهاده إلى جانب ثلاثة من أشقائه، وأُقيم له بيت عزاء، واستقبلت الأسرة المعزين، بينما تحول الغياب، مع مرور الأيام، إلى يقين، ودفع ذلك خطيبته إلى بيع مصاغها الذهبي لتساعد العائلة في توكيل محامٍ يبحث عن أي معلومة تقود إلى جثمانه أو مكان دفنه.
لكن في السابع من يوليو/تموز 2026، خرج أدهم البنا من أحد السجون الإسرائيلية ضمن دفعة من الأسرى المفرج عنهم، لتكتشف عائلته أن السنوات الثلاث التي عاشتها في الحداد كانت، في الحقيقة، سنوات قضاها خلف القضبان، دون أن تعلم أنه لا يزال على قيد الحياة، أو تتلقى أي معلومة تكشف مصيره.
احتمالات مفتوحة ومؤلمة
لم تكن صدمة عائلة البنا نابعة من عودة أسير محرر، بقدر ما كانت من اكتشاف أن ابنها ظل طوال تلك السنوات محتجزًا في مكان مجهول بالنسبة إليها، لتفتح النافذة على جانب خفي من الحرب على قطاع غزة، حيث لا تتوقف معاناة آلاف العائلات عند فقدان أبنائها، بل تمتد إلى جهلها الكامل بمصيرهم، في ظل غياب أي معلومات تؤكد إن كانوا قد استشهدوا، أو ما زالوا تحت الأنقاض، أو تعذر العثور على أي أثر لهم بعد القصف، أو أنهم محتجزون داخل السجون الإسرائيلية.
ويقول رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده، إن ما تعرض له أدهم البنا لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثة فردية أو استثنائية، بل يمثل نموذجًا واضحًا لجريمة الإخفاء القسري التي تمارسها إسرائيل بحق فلسطينيي قطاع غزة، من خلال احتجاز أشخاص وحرمان عائلاتهم من معرفة أي معلومات تتعلق بمصيرهم أو أماكن وجودهم لفترات طويلة.
ويضيف، في حديثه لـ"شهاب"، أن الإفراج عن أدهم بعد ثلاثة أعوام، بينما كانت عائلته تعتقد أنه استشهد وأقامت له بيت عزاء، يكشف حجم المعاناة النفسية التي تعيشها الأسر الفلسطينية نتيجة غياب أي قناة رسمية تمكنها من معرفة مصير أبنائها، مؤكدًا أن هذه السياسة لا تستهدف المعتقلين وحدهم، بل تمتد آثارها إلى عائلاتهم التي تعيش سنوات من الانتظار والقلق والشك.
ويرى عبده أن ما يجري يتجاوز الحرمان من الحرية، ليشكل نمطًا من العقاب الجماعي، إذ تُترك العائلات أمام احتمالات مفتوحة، جميعها مؤلمة، دون أن تتمكن من الحصول على إجابة واحدة تنهي حالة اللايقين التي تعيشها.
ويشير إلى أن القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان يفرضان على سلطات الاحتلال الكشف عن مصير الأشخاص الذين تحتجزهم، وإبلاغ ذويهم بأماكن وجودهم، والسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارتهم، إلا أن آلاف العائلات في غزة ما زالت محرومة من هذا الحق، في ظل استمرار رفض الاحتلال الكشف عن قوائم كاملة بأسماء المحتجزين أو أوضاعهم الصحية.
ويؤكد أن استمرار هذا النهج يجعل من الإخفاء القسري جريمة مستمرة، لا تتوقف عند لحظة الاعتقال، وإنما تتجدد مع كل يوم تبقى فيه العائلة محرومة من معرفة الحقيقة.
يلاحقون المعلومات
لم تكن عودة الأسير "البنا" سوى الإجابة التي حصلت عليها عائلة واحدة، بينما لا تزال آلاف العائلات في قطاع غزة تنتظر الإجابة نفسها. فمنذ بدء الحرب، تحول البحث عن المفقودين إلى رحلة بحث يومية تخوضها أمهات وآباء وزوجات، يتنقلون بين المستشفيات والمقابر ومراكز الإيواء، ويلاحقون أي معلومة قد تقودهم إلى أبنائهم.
وتقول مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا، ندى نبيل، إن حجم هذه المأساة يتجاوز بكثير ما يظهر في الإحصاءات، إذ وثق المركز أكثر من 500 حالة مفقود، بينما تلقى ما يقارب 4000 بلاغ من عائلات فقدت الاتصال بأبنائها خلال الحرب.
وتشير إلى أن التقديرات الفعلية ترفع عدد المفقودين في قطاع غزة إلى أكثر من 8000 شخص، بينهم من لا يزال تحت الأنقاض، وآخرون يُشتبه في تعرضهم للإخفاء القسري، فيما تُصنف نحو 1500 حالة على أنها حالات اختفاء قسري.
وتوضح نبيل أن معظم المفقودين هم من الرجال والشبان، وأن كثيرًا من حالات الاختفاء سُجلت أثناء انتظار المساعدات الإنسانية، أو في المناطق التي أصدر الاحتلال أوامر بإخلائها، أو في محيطها، حيث انقطع الاتصال بعشرات الأشخاص منذ لحظة خروجهم، دون أن تتمكن عائلاتهم من معرفة ما إذا كانوا قد قتلوا، أو اعتقلوا، أو ما زالوا في عداد المفقودين.
وتضيف أن معاناة هذه الأسر لا تتوقف عند فقدان الاتصال بأبنائها، بل تتفاقم مع استمرار تعذر الوصول إلى آلاف الأمتار من الركام بسبب نقص المعدات والقيود التي يفرضها الاحتلال، ما يجعل مصير عدد كبير من المفقودين معلقًا بين أكثر من احتمال. فهناك عائلات تنتظر انتشال جثامين أحبائها، وأخرى تأمل أن يكونوا على قيد الحياة داخل السجون، فيما لا تملك جميعها سوى يقين واحد؛ أن أبناءها خرجوا ولم يعودوا.
ويرى خبير القانون الدولي الدكتور صلاح عبد العاطي أن ما حدث للأسير أدهم البنا ينسجم مع التعريف القانوني لجريمة الإخفاء القسري، إذ بقي محتجزًا ثلاث سنوات دون أن تعلم عائلته أنه على قيد الحياة، ما دفعها إلى الاعتقاد باستشهاده وإقامة بيت عزاء له، بينما كان لا يزال داخل أحد السجون الإسرائيلية.
لا يعفي من المسؤولية
ويضيف لـ"شهاب" أن هذه القضية تعكس واقعًا أوسع يعيشه آلاف الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب، في ظل وجود أعداد كبيرة من المفقودين الذين لا تعرف عائلاتهم إن كانوا استشهدوا تحت الأنقاض، أو ما زالوا محتجزين في السجون والمعسكرات الإسرائيلية، أو قتلوا دون الكشف عن مصيرهم، إلى جانب استمرار احتجاز جثامين مئات الشهداء ورفض تسليمها أو الإفصاح عن أماكن وجودها.
ويؤكد أن القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف يلزمان سلطات الاحتلال بتسجيل جميع المعتقلين، والإعلان عن أماكن احتجازهم، وتمكينهم من التواصل مع ذويهم، وإبلاغ عائلاتهم بمصيرهم، والسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارتهم والاطلاع على أوضاعهم، مشددًا على أن الإخلال بهذه الالتزامات يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي يستوجب المساءلة.
وحول دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يوضح عبد العاطي أن اتفاقيات جنيف منحتها ولاية أساسية لزيارة المحتجزين، ومتابعة أوضاعهم، ونقل المعلومات إلى عائلاتهم، إلا أن القيود التي فرضها الاحتلال على معتقلي غزة قوضت هذا الدور، بعدما مُنعت اللجنة من الوصول إلى أعداد كبيرة من المحتجزين أو التحقق من أوضاعهم.
ويضيف أن المسؤولية القانونية الأولى تقع على عاتق الاحتلال، لكن ذلك لا يعفي اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تكثيف جهودها القانونية والدبلوماسية والإنسانية، والضغط للوصول إلى جميع المحتجزين، والكشف عن مصير المفقودين، ونقل المعلومات إلى عائلاتهم، والإعلان بوضوح عن العراقيل التي تحول دون قيامها بولايتها.
ويشدد عبد العاطي على أن معاناة العائلات الفلسطينية لا تقتصر على فقدان أبنائها، بل تمتد إلى حرمانها من معرفة مصيرهم، مؤكدًا أن حق العائلات في معرفة الحقيقة تكفله قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويضيف أن إبقاء آلاف الأسر في حالة غموض بشأن ما إذا كان أبناؤها أحياءً أو شهداء، أو تحت الأنقاض أو داخل السجون، يشكل انتهاكًا مستقلًا، ويرقى إلى معاملة قاسية ولا إنسانية لما يفرضه من تعذيب نفسي مستمر.
أُغلق بيت العزاء
ويحذر من أن استمرار الإخفاء القسري، ورفض الكشف عن أماكن الاحتجاز، ومنع التواصل مع العائلات، واحتجاز جثامين الشهداء، قد يرقى، إذا ثبت أنه يتم في إطار سياسة واسعة النطاق وممنهجة، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
عاد أدهم البنا، وأُغلق بيت العزاء الذي أُقيم له قبل ثلاث سنوات. لكن في غزة، لا تزال آلاف العائلات تنتظر الحقيقة نفسها. تنتظر اسمًا في قائمة، أو اتصالًا، أو خبرًا ينهي سنوات من الحيرة. وحتى يحين ذلك، سيبقى الإخفاء القسري جريمة لا تطال المفقودين وحدهم، بل تمتد إلى كل عائلة لا تزال تنتظر معرفة مصير أحبائها.