☰
✕

قائمة الموقع

تقرير منازل تُهدم ووجود يُستهدف.. كيف تحوّل الهدم "الإسرائيلي" إلى أداة تهجير صامت في الضفة والقدس؟

2026-07-09T13:05:00+03:00
وكالة شهاب

خاص / شهاب

يكاد لا يمر يوم في الضفة الغربية والقدس المحتلة دون أن تستيقظ عائلة فلسطينية على وقع جرافات الاحتلال وهي تهدم منزلًا أو منشأة، في مشهد بات يتكرر بوتيرة متسارعة خلال الأشهر الأخيرة.

وخلال الأيام القليلة الماضية فقط، صعّدت قوات الاحتلال عمليات هدم المنازل والمنشآت في عدد من محافظات الضفة الغربية والقدس المحتلة، في مشهد يعكس اتساع رقعة الاستهداف. ففي جنوب الخليل، هدمت جرافات الاحتلال منزلًا في قرية الديرات شرق يطا، كما هدمت منزلًا مأهولًا في بلدة إذنا، إلى جانب بركس وأرضية منزل في بلدة بيت عوا غرب دورا. وفي غرب سلفيت، سوت جرافات الاحتلال منزلًا بالأرض في بلدة بروقين، بينما امتدت عمليات الهدم إلى مدينة القدس المحتلة، حيث هدمت بناية سكنية مكونة من أربع شقق في بلدة صور باهر، ضمن سلسلة متواصلة من عمليات استهداف المنازل والمنشآت الفلسطينية.

تصاعدًا لافتًا

وتعكس الأرقام تصاعدًا لافتًا في سياسة الهدم خلال الفترة الأخيرة، إذ تشير بيانات أممية إلى أن عمليات الهدم خلال عام 2025 تسببت في نزوح أكثر من 1700 فلسطيني. كما نفذت سلطات الاحتلال، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، 341 عملية هدم خلال النصف الأول من العام، أسفرت عن تدمير 740 منشأة فلسطينية، إلى جانب إصدار 254 إخطارًا جديدًا بالهدم. وفي القدس المحتلة، أظهرت أحدث بيانات محافظة القدس تنفيذ أكثر من 200 عملية هدم منذ مطلع عام 2026، استهدفت منازل ومنشآت سكنية وتجارية وزراعية، في وقت أكد فيه مركز معلومات فلسطين "مُعطى" تصاعد عمليات الهدم والإخلاء، معتبرًا أنها تأتي في إطار تضييق الخناق على الوجود الفلسطيني ودفع السكان نحو الرحيل القسري.

وبينما تبرر سلطات الاحتلال هذه الإجراءات بعدم الترخيص، يرى الفلسطينيون ومؤسسات حقوقية أن ما يجري تجاوز إطار المخالفات العمرانية، ليتحول إلى سياسة "إسرائيلية" ممنهجة تستهدف تضييق الخناق على الوجود الفلسطيني، ودفع السكان إلى الرحيل قسرًا عبر هدم المنازل ومنع التوسع العمراني وفرض وقائع جديدة على الأرض.

وتتلاقى هذه القراءة مع ما تطرحه مؤسسات حقوقية فلسطينية تؤكد أن سلطات الاحتلال تفرض قيودًا مشددة تجعل حصول الفلسطينيين على تراخيص البناء، خصوصًا في المناطق المصنفة "ج" والقدس الشرقية، أمرًا بالغ الصعوبة، ما يحول ذريعة "البناء دون ترخيص" إلى أداة لتقييد التوسع العمراني الفلسطيني ودفع السكان تدريجيًا نحو الرحيل.

وتبرز مسافر يطا جنوب الخليل بوصفها إحدى أكثر المناطق استهدافًا بسياسة الهدم "الإسرائيلية" في الضفة الغربية، حيث تتكرر عمليات إزالة المنازل والمنشآت وإخطارات وقف البناء في القرى والتجمعات الفلسطينية الواقعة ضمن المناطق المصنفة "ج".

ولا تقتصر عمليات الهدم في المنطقة على المباني السكنية، بل تمتد إلى استهداف المنشآت الزراعية والحظائر والبنية الأساسية، في إطار سياسة يقول الفلسطينيون إنها تهدف إلى منع التوسع العمراني ودفع السكان إلى مغادرة أراضيهم، بما يرسخ السيطرة "الإسرائيلية" على المناطق المصنفة "ج" التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.

موجات الإخلاء

وفي القدس المحتلة، تأخذ سياسة الهدم بُعدًا مختلفًا، إذ ترتبط بمحاولات تغيير الواقع الديموغرافي في المدينة، وفق ما خلص إليه تقرير صادر عن منظمة "هيومن رايتس ووتش".

ويشير التقرير إلى تسارع عمليات الهدم والإخلاء القسري في حي سلوان، لا سيما في منطقتي البستان وبطن الهوى، حيث تواجه مئات العائلات الفلسطينية خطر فقدان منازلها، في وقت تسعى فيه منظمات استيطانية، بدعم من سلطات الاحتلال، إلى توسيع وجودها في المنطقة.

ويحذر التقرير من أن أكثر من ألفي فلسطيني في سلوان يواجهون خطر التهجير القسري، بينما يهدد مخطط بلدية الاحتلال في حي البستان بهدم 115 منزلًا يقطنها نحو 1500 فلسطيني، في واحدة من أكبر موجات الإخلاء التي قد تشهدها القدس منذ عام 1967.

قال رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان إن التصاعد المتسارع في عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في الضفة الغربية يعكس تحولًا واضحًا في سياسة الاحتلال، التي لم تعد تقتصر على استهداف مبانٍ متفرقة، وإنما باتت تستهدف الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة "ج"، من خلال تقويض مقومات الحياة ومنع أي توسع عمراني فلسطيني.

وأوضح أن سلطات الاحتلال تستخدم ذريعة البناء دون ترخيص لتنفيذ هذه السياسة، رغم أنها تفرض منظومة تخطيطية وإدارية تجعل حصول الفلسطينيين على تراخيص البناء شبه مستحيل، ما يدفع المواطنين إلى البناء لتلبية احتياجاتهم السكنية قبل أن تتحول منازلهم لاحقًا إلى أهداف لعمليات الهدم.

وأضاف أن تركز عمليات الهدم في المناطق المصنفة "ج" ليس أمرًا عشوائيًا، وإنما يرتبط بالمشاريع الاستيطانية الهادفة إلى فرض السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن عمليات الهدم تترافق مع مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وشق الطرق الالتفافية، واعتداءات المستوطنين، بما يشكل سياسة متكاملة لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل التدريجي عن أراضيهم.

وأكد أن ما يجري يتجاوز إزالة المنازل والمنشآت، ليشكل سياسة تهجير قسري صامتة تستهدف إعادة تشكيل الواقع الجغرافي في الضفة الغربية، ولا سيما في المناطق التي يسعى الاحتلال إلى فرض سيطرته الدائمة عليها.

من جانبه، قال مدير مركز معلومات وادي حلوة، جواد صيام، إن سياسة الهدم في المدينة تختلف عن مثيلتها في الضفة الغربية، إذ ترتبط بشكل مباشر بمحاولات تغيير الواقع الديموغرافي في القدس، لا سيما في الأحياء الفلسطينية المحيطة بالبلدة القديمة، والتي تشهد منذ سنوات تصاعدًا في أوامر الهدم والإخلاء.

تقليص الوجود الفلسطيني

وأوضح أن حي سلوان، وبخاصة منطقتي البستان وبطن الهوى، يمثلان نموذجًا واضحًا لهذه السياسة، حيث تتداخل أوامر الهدم مع دعاوى الإخلاء التي تقودها الجمعيات الاستيطانية، في إطار مشروع يهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني وإحلال المستوطنين مكانه، مستفيدًا من قوانين إسرائيلية تتيح لليهود المطالبة بعقارات في القدس الشرقية، بينما تحرم الفلسطينيين من استعادة ممتلكاتهم التي فقدوها عام 1948.

وأشار إلى أن سياسة الهدم في القدس لا تقتصر على إزالة المباني، بل تمتد إلى إجبار العديد من العائلات على هدم منازلها ذاتيًا لتجنب الغرامات الباهظة، وهو ما يفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على السكان، ويدفع بعضهم إلى مغادرة المدينة أو الانتقال إلى مناطق أخرى.

ورأى أن استمرار عمليات الهدم والإخلاء في القدس، إلى جانب التوسع الاستيطاني، يسهم في إحداث تغييرات تدريجية في التركيبة السكانية للمدينة، وهو ما حذرت منه تقارير حقوقية دولية اعتبرت أن هذه السياسات تتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر النقل القسري للسكان في الأراضي المحتلة.

وتعتبر حركة "حماس" أن تصاعد عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس المحتلة يندرج ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف تهجير الفلسطينيين وتقويض مقومات وجودهم على أرضهم.

وقال القيادي في الحركة محمود مرداوي إن جرائم الهدم تأتي في سياق خطط تهجيرية تستهدف الشعب الفلسطيني، محذرًا من اتساع هذه السياسة لتطال القطاع التعليمي أيضًا، في إشارة إلى التهديدات التي تواجه مدرسة الرفاعية قرب بلدة يطا جنوب الخليل.

وبين تصاعد عمليات الهدم في الضفة الغربية والقدس المحتلة، واستمرار القيود المفروضة على البناء الفلسطيني، تبدو هذه السياسة، وفق مسؤولين فلسطينيين ومؤسسات حقوقية، جزءًا من نهج أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في الأراضي المحتلة، عبر تقليص الوجود الفلسطيني وفرض وقائع جديدة على الأرض.

اخبار ذات صلة