خاص - شهاب
تلقى الشارع الفلسطيني في قطاع غزة، اليوم الأحد 12 يوليو 2026، ببالغ الحزن والأسى نبأ وفاة أمير دولة قطر السابق، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، عن عمر ناهز 74 عاماً.
ومع انتشار الخبر، ارتبطت مشاعر الحزن في غزة بذاكرة عمرانية وسياسية فريدة؛ إذ يُعد الشيخ حمد بن خليفة الأب الروحي والممول الأساسي لأكبر مشروع إسكاني وحضاري شهدته تاريخ قطاع غزة على الإطلاق وهي "مدينة الشيخ حمد السكنية"، التي تحولت اليوم بفعل طائرات الاحتلال "الإسرائيلي" وآلة حربه إلى أكوام من الركام خلال حرب الإبادة المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023.
الزيارة التاريخية وبداية الحلم الأكبر
ترجع جذور الحكاية إلى الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول عام 2012؛ حين سطر الشيخ حمد بن خليفة محطة فارقة في تاريخ القضية الفلسطينية، كأول زعيم عربي ورئيس دولة يكسر الحصار "الإسرائيلي" السياسي المفروض على غزة منذ عام 2007 عبر معبر رفح البري.
ولم تكن تلك الزيارة بروتوكولية عابرة، إذ جاءت برفقة وفد أميري رفيع لافتتاح مشاريع إعادة إعمار ضخمة تجاوزت قيمتها الإجمالية حينها 400 مليون دولار.
وفي قلب محافظة خان يونس جنوب القطاع، ترجل الأمير الوالد ليضع بيده حجر الأساس لمدينة سكنية عملاقة حملت اسمه، لتبدأ اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة بتشييد ما بات يُعرف لاحقاً بأنها أكبر وأضخم مدينة سكنية في قطاع غزة من حيث المساحة، وجودة البنية التحتية، والمرافق التعليمية والخدمية.
مدينة حمد: ملاذ آلاف الأسر
أُقيمت المدينة على مساحة شاسعة تقارب 400 ألف متر مربع بتكلفة ناهزت ملايين الدولارات، وصُممت لتستوعب 3000 وحدة سكنية موزعة على عدة مراحل.
وبفضل هذه المكرمة الأميرية، تمكنت آلاف العائلات الفلسطينية من ذوي الدخل المحدود والفقراء من الحصول على شقق سكنية حديثة ومجهزة بالكامل بمرافقها المتكاملة من مدارس ومساجد وحدائق ومستشفى تأهيلي مجاور.
ولم يتوقف العطاء عند حدود البناء الأولي؛ إنما أسس الشيخ حمد لفلسفة تنموية مستدامة عُرفت بـ "الإسكان الدوّار"، حيث أُعيد تجميع الأقساط الميسرة من سكان المراحل الأولى وتوجيهها بالكامل لبناء عمارات وأبراج سكنية جديدة تابعة للمدينة (كما جرى في المرحلة الثالثة عام 2017)، ليتسع المشروع تلقائياً ويستوعب أعداداً أكبر من المواطنين الحالمين بالاستقرار.
من البناء إلى ضحايا الإبادة
هذا الإرث الإنساني والمدني الأكبر في غزة، والذي جسد الرؤية التضامنية للأمير الوالد، واجه حقداً تدميرياً غير مسبوق من قِبل جيش الاحتلال "الإسرائيلي".
فخلال حرب الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، وضع جيش الاحتلال "مدينة حمد" في دائرة الاستهداف المباشر. وعلى دفعات متتالية، شنت الطائرات الحربية أحزمة نارية وقصفاً مدفعياً مكثفاً طحن أبراج المدينة الوردية الجميلة، وحوّل شوارعها المنظمة وبنيتها التحتية النموذجية إلى تلال من التراب والخرسانة، مجبراً آلاف العائلات التي أوتها المكرمة القطرية لسنوات على النزوح والتشرد مجدداً في خيام بلا مأوى.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
وفي هذا السياق، يرى مراقبون ومحللون سياسيون في قطاع غزة أن رحيل الشيخ حمد بن خليفة لا يمثل مجرد غياب لزعيم عربي عادي، إنما هو غياب للقائد الإستراتيجي الذي جرّأ السياسة الخارجية العربية ونقلها إلى مربع الاستقلالية الفعلية في نصرة فلسطين.
ويستذكر الشارع الغزي اليوم كيف أسس الراحل شبكة "الجزيرة" عام 1996 لتكون الرافعة الإعلامية التي قلبت موازين الصراع ونقلت الرواية الفلسطينية إلى العالم من قلب الميدان، بالتوازي مع جهوده السياسية الدؤوبة لرأب الصدع الداخلي والتي توّجت بـ "إعلان الدوحة" عام 2012، وصولاً إلى يده البيضاء التي امتدت بالإعمار والدعم في أحلك سنوات الحصار.
ويؤكد كتاب وأكاديميون فلسطينيون أنه على الرغم من نجاح آلة الحرب "الإسرائيلية" في مسح معالم "مدينة حمد" –أكبر حلم عمراني شهدته غزة– وتسويتها بالأرض، إلا أن عقيدة البناء والتحدي التي زرعها الأمير الوالد في عروق القطاع ستبقى عصية على المحو، مشيرين إلى أن "هذا الإرث التنموي، والنهج الممتد الذي واصله الأمير تميم بن حمد بعد توليه الحكم".