قائمة الموقع

تقرير قيود جديدة على زيارات الصليب الأحمر للأسرى.. التفاف على قرار المحكمة واستمرار عزل السجون عن الرقابة الدولية

2026-07-14T09:20:00+03:00
وكالة شهاب

خاص / شهاب

في خطوة أثارت انتقادات حقوقية واسعة، فرضت مصلحة السجون التابعة للاحتلال "الإسرائيلي" قيودًا جديدة على زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين، بعد أسابيع فقط من قرار المحكمة العليا للاحتلال الذي قضى بعدم قانونية سياسة منع هذه الزيارات، ما اعتبره حقوقيون محاولة للالتفاف على الحكم القضائي، والإبقاء على عزل الأسرى عن العالم الخارجي.

وبدلًا من استئناف الزيارات وفق الآلية التي كانت معمولًا بها قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أصدرت مصلحة السجون تعليمات جديدة تحد من عدد الزيارات ومدتها، وتفرض شروطًا أمنية وإجرائية مشددة على ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في تغييرات يرى مختصون أنها تفرغ الزيارات من دورها الإنساني والرقابي.

ثلاثين دقيقة

وبحسب ما كشفته صحيفة "هآرتس" العبرية، فإن مفوض مصلحة السجون التابعة للاحتلال، "كوبي يعكوفي" ، أقر تعليمات جديدة تسري لمدة ستة أشهر، تنظم آلية زيارة الصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين داخل السجون ومراكز الاحتجاز، من دون التشاور مع المستشارة القضائية لحكومة الاحتلال، رغم ارتباط هذه الإجراءات بتنفيذ قرار المحكمة العليا، وما قد يترتب عليها من تبعات قانونية.

وتقضي التعليمات الجديدة بحصر زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة واحدة كل ثلاثة أشهر، على أن تقدم اللجنة مسبقًا قائمة تضم خمسة أسرى فقط ترغب في لقائهم، فيما منعت مصلحة السجون زيارة فئات كاملة من المعتقلين، بينهم الأسرى الذين تصنفهم سلطات الاحتلال بأنهم "شديدو الخطورة"، والمحتجزون في زنازين العزل الانفرادي، أو الخاضعون للتحقيق.

كما فرضت ألا تتجاوز مدة اللقاء مع كل أسير ثلاثين دقيقة، مع منح إدارة السجن صلاحية تقليص هذه المدة، وإلغاء اللقاءات الفردية الخاصة التي كانت تتيح لممثلي اللجنة الدولية التحدث مع الأسرى بعيدًا عن رقابة السجانين، إضافة إلى منع إجراء الفحوص الطبية التي كانت تنفذ عبر أطباء مختصين خلال الزيارات.

ولا تقتصر القيود على الأسرى، إذ تشمل أيضًا ممثلي اللجنة الدولية أنفسهم، حيث اشترطت مصلحة السجون خضوعهم للتفتيش، ومنعت إدخال الهواتف المحمولة، وأجهزة التسجيل، والحواسيب، والكاميرات، وأي وسائل اتصال إلى داخل السجون والمنشآت العسكرية، كما ألزمت بأن تتم اللقاءات من خلف حاجز فاصل باستخدام أجهزة اتصال داخلي.

وتختلف هذه الإجراءات بصورة جوهرية عن الآلية التي كانت سارية قبل الحرب على قطاع غزة، إذ كانت زيارات اللجنة الدولية تتم داخل أقسام الأسرى بصورة مباشرة، وخلف أبواب مغلقة، بما يسمح بإجراء مقابلات سرية، ومتابعة أوضاع المعتقلين الصحية والإنسانية، وفق المعايير المعمول بها في القانون الدولي الإنساني.

و ستطال هذه القيود بحسب مؤسسات الأسرى الفلسطينية حتى نهاية يوينو 2026 ، نحو 9400 أسير ومعتقل، بينهم 99 أسيرة، وأكثر من 350 طفلًا، إلى جانب 3244 معتقلًا إداريًا، و1320 معتقلًا مصنفين تحت مسمى "المقاتلين غير الشرعيين".

محاولة للالتفاف عليه

من جانبه، يرى رئيس مركز فلسطين لدراسات الأسرى، الباحث رياض الأشقر، أن التعليمات الجديدة لا تمثل استجابة لقرار المحكمة العليا للاحتلال، وإنما محاولة للالتفاف عليه، عبر الإبقاء على القيود المفروضة على زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ولكن بصيغة جديدة.

ويقول الأشقر لـ"شهاب" إن سلطات الاحتلال، ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فرضت عزلة كاملة على السجون، ومنعت جميع أشكال الزيارات، بما فيها زيارات مندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بهدف الاستفراد بالأسرى ومنع أي جهة دولية من الاطلاع على أوضاعهم.

ويضيف أن المحكمة العليا اعتبرت استمرار منع الزيارات إجراءً غير قانوني، إلا أن مصلحة السجون سارعت إلى فرض قيود جديدة أفرغت القرار من مضمونه، موضحًا أن السماح بزيارة واحدة كل ثلاثة أشهر، ولمدة لا تتجاوز ثلاثين دقيقة، يعني عمليًا أن طواقم الصليب الأحمر لن تتمكن من زيارة سوى عشرين أسيرًا خلال عام كامل، رغم وجود نحو 9400 أسير ومعتقل في سجون الاحتلال.

ويؤكد الأشقر أن الاحتلال يعمل على تحويل الإجراءات الاستثنائية التي فرضها بحق الأسرى منذ بداية الحرب على قطاع غزة إلى سياسة دائمة، بحيث تصبح القيود جزءًا ثابتًا من منظومة السجون، مشيرًا إلى أن إخضاع زيارات الصليب الأحمر بالكامل لقرارات إدارة السجون يفرغ دور اللجنة الدولية من مضمونه الإنساني والحقوقي، ويجعل هذه الزيارات إجراءً شكليًا لا يحقق الغاية التي أنشئت من أجلها.

ويعتبر الأشقر أن القيود الجديدة تستهدف منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أداء دورها في رصد أوضاع الأسرى وتوثيق الانتهاكات، مؤكدًا أن الاحتلال يخشى من كشف ما يتعرض له المعتقلون داخل السجون إذا تمكنت جهة دولية مستقلة من الوصول إليهم بحرية، بعدما فرض شروطًا وإجراءات تجعل الزيارات محدودة وغير فعالة، بما يضمن استمرار عزل الأسرى عن الرقابة الدولية.

ويحذر الأشقر من أن منع اللقاءات المباشرة والخاصة بين الأسرى ومندوبي اللجنة الدولية سيحد بصورة كبيرة من قدرة الصليب الأحمر على الاطلاع على حقيقة أوضاع المعتقلين أو توثيق ما يتعرضون له من انتهاكات، الأمر الذي ينعكس على جهود مساءلة الاحتلال ومحاسبته أمام الهيئات الدولية.

وتكتسب زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر أهمية خاصة، باعتبارها إحدى أبرز آليات الرقابة الإنسانية على أوضاع الأسرى داخل السجون، إذ تتيح لمندوبيها الالتقاء بالأسرى بصورة فردية وسرية، والاطلاع على ظروف احتجازهم، ونقل ملاحظاتهم إلى سلطات الاحتجاز، بهدف ضمان احترام المعايير الإنسانية. إلا أن القيود الجديدة، وفي مقدمتها إلغاء اللقاءات الخاصة، وتقليص عدد الزيارات ومدتها، من شأنها أن تحد من قدرة اللجنة على أداء هذا الدور.

مبدأ الوصول المباشر

من جانبها، توضح المختصة في القانون الدولي الإنساني، الحقوقية آية المغربي، أن اتفاقيات جنيف، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، تنظم زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للمحتجزين باعتبارها إحدى الآليات الإنسانية لمتابعة أوضاعهم، والتحقق من معاملتهم وفق أحكام القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن هذه الزيارات تقوم على مبدأ الوصول المباشر إلى المحتجزين، وإجراء لقاءات فردية وسرية معهم.

وتقول المغربي لـ"شهاب" إن القانون الدولي لا يمنع سلطات الاحتجاز من اتخاذ تدابير تنظيمية أو أمنية لإدارة الزيارات، شريطة أن تكون ضرورية، ومؤقتة، ومتناسبة، وألا تؤدي إلى تعطيل مهمة اللجنة الدولية، أو إفراغها من مضمونها.

وتضيف أن القيود التي فرضتها مصلحة السجون، من تقليص عدد الزيارات ومدتها، وإلغاء اللقاءات الخاصة، وإجرائها من خلف حواجز، من شأنها أن تحد من قدرة اللجنة الدولية للصليب الأحمر على تقييم أوضاع المحتجزين بصورة مستقلة، بما قد يؤثر على فعالية دورها الإنساني في متابعة ظروف الاحتجاز.

وتؤكد المغربي أن أي إجراءات تحول دون تمكين اللجنة الدولية من أداء مهامها الأساسية، أو تتعارض مع الالتزامات المقررة بموجب القانون الدولي الإنساني، قد تثير مسؤولية قانونية على دولة الاحتلال، لا سيما أنها جاءت بعد قرار المحكمة العليا للاحتلال، الذي اعتبر منع زيارات اللجنة الدولية للأسرى الفلسطينيين إجراءً غير قانوني.

وبين قرار قضائي يقضي باستئناف الزيارات، وإجراءات جديدة تقيدها، يبقى آلاف الأسرى الفلسطينيين أمام واقع يثير مخاوف حقوقية من تراجع الدور الرقابي للجنة الدولية للصليب الأحمر، وتقليص إحدى أبرز الآليات الإنسانية المستقلة لمتابعة أوضاعهم داخل سجون الاحتلال.

اخبار ذات صلة