صوتت أغلبية الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، الجمعة، لصالح عزل المدعي العام للمحكمة كريم خان، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة بشأن مستقبل ملفات المساءلة الدولية، وفي مقدمتها التحقيقات المتعلقة بجرائم الاحتلال "الإسرائيلي" في الأراضي الفلسطينية.
وأقرت جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي قرار العزل خلال اقتراع سري عقد في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، بعد أن أيدته 82 دولة، وهو عدد يتجاوز الأغلبية المطلقة المطلوبة لاعتماد القرار، والبالغة 63 دولة من أصل 125 عضوا.
وجاء القرار على خلفية اتهامات موجهة إلى خان تتعلق بـ"سوء سلوك جنسي"، وهي اتهامات ينفيها بشكل قاطع، فيما أعلن فريق دفاعه عزمه الطعن في قانونية قرار العزل، مؤكدا اللجوء إلى جميع المسارات القضائية المتاحة لإبطاله.
ورغم أن التصويت استند رسميا إلى هذه الاتهامات، فإن مراقبين وخبراء قانونيين اعتبروا أن توقيت القرار لا يمكن فصله عن الضغوط السياسية التي تعرضت لها المحكمة، لا سيما بعد تحرك خان لطلب إصدار مذكرتي اعتقال بحق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير جيشه السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
وفي هذا السياق، نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤول إسرائيلي قوله إن وزارة خارجية الاحتلال وبعثاتها الدبلوماسية كثفت خلال الأيام الماضية اتصالاتها مع عدد من الدول لحشد الدعم لعزل خان أو دفعها إلى الامتناع عن التصويت.
ويتزامن القرار أيضا مع تصعيد الولايات المتحدة حملتها ضد المحكمة الجنائية الدولية، إذ أعلنت واشنطن مؤخرا أنها ستواصل جهودها لإضعاف المحكمة، بعدما فرضت عقوبات على عدد من قضاتها ومسؤولي الادعاء، بينهم كريم خان، بسبب الإجراءات القضائية المرتبطة بمسؤولي الاحتلال.
ويرى خبراء في القانون الدولي أن التطورات الأخيرة تمثل ضربة لاستقلال القضاء الدولي، وقد تؤثر سلبا على قدرة المحكمة على مواصلة ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية، بما فيها الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.
وأكد المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية وأستاذ القانون الدولي جيفري نايس أن هناك جهودا تقودها الولايات المتحدة و"إسرائيل" لتقويض عمل المحكمة وإضعاف دورها، معتبرا أن عزل خان يندرج ضمن محاولات أوسع للمساس بمنظومة العدالة الدولية واستقلالها.
وفي المقابل، سارعت حكومة الاحتلال إلى الترحيب بقرار العزل، معتبرة أنه يضعف الأساس الذي استندت إليه إجراءات المحكمة بحق مسؤوليها، فيما دعا وزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر إلى إلغاء مذكرتي الاعتقال الصادرتين بحق نتنياهو وغالانت، مدعيا أنها "ذات دوافع سياسية".
إلا أن خبراء قانونيين يؤكدون أن عزل المدعي العام لا يترتب عليه إسقاط مذكرتي الاعتقال، إذ إنها صدرت بقرار من الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة، ولا يمكن إلغاؤها إلا بقرار قضائي من قضاة المحكمة أنفسهم.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أكدت سابقا اختصاصها بالنظر في الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد انضمام دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي، كما رفضت في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 اعتراضات الاحتلال على الولاية القضائية للمحكمة قبل إصدار مذكرتي الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت.