☰
✕

قائمة الموقع

تقرير تدمير مصانع الأدوية يعمّق أزمة العلاج في غزة وسط نقص متزايد في الأصناف الدوائية

2026-07-28T14:21:00+03:00
وكالة شهاب

خاص / شهاب

يحمل مرضى في قطاع غزة وصفاتهم الطبية، ويتنقلون يوميًا بين صيدلية وأخرى بحثًا عن دواء اعتادوا استخدامه لسنوات. يسألون عن المسكنات، والمضادات الحيوية، وأدوية المعدة، والحساسية، والسعال، بينما يقلب الصيادلة رفوف الدواء بحثًا عن عبوة لم تعد موجودة. وفي كثير من الأحيان، لا تكون الإجابة سوى: "الدواء غير متوفر"، ليغادر المرضى حاملين وصفاتهم كما دخلوا، أو ببدائل لا يعرفونها، وأكثر كلفة من الأدوية التي اعتادوا شراءها. 

ولم تكن هذه الأصناف يومًا من الأدوية النادرة في قطاع غزة، بل كانت متوفرة بصورة دائمة على رفوف الصيدليات، ويعتمد عليها آلاف المرضى في علاج أمراضهم اليومية والمزمنة، لما عُرفت به من جودة وسعر مناسب. لكن اختفاءها لا يعود فقط إلى نقص الإمدادات الطبية، فهذه الأدوية كانت تُنتج داخل مصانع في غزة قبل أن تتوقف عن العمل بفعل الحرب، لتختفي معها عشرات الأصناف التي شكّلت، لسنوات، جزءًا من العلاج اليومي لسكان القطاع.

خمسة مصانع

ومع توقف الإنتاج المحلي، لم تعد الصيدليات تواجه نقصًا في عبوات دوائية فحسب، بل افتقدت عشرات الأصناف التي كانت تشكل جزءًا أساسيًا من مخزونها، فيما وجد المرضى أنفسهم أمام رحلة بحث طويلة عن دواء كانوا يحصلون عليه بسهولة، ليصبح توفر العلاج مرهونًا بما يصل إلى القطاع من إمدادات محدودة، أو بما يتوفر من بدائل لا تكون متاحة دائمًا.

ولم يكن قطاع غزة يعتمد بشكل كامل على الأدوية المستوردة، إذ أسهمت الصناعة الدوائية المحلية، على مدار سنوات، في توفير عشرات الأصناف الأساسية التي احتاجها المواطنون يوميًا، بدءًا من المسكنات والمضادات الحيوية، وصولًا إلى أدوية الجهاز الهضمي، والحساسية، والمراهم، والمطهرات. وكانت هذه الأدوية تصل إلى الصيدليات بصورة منتظمة، وتُباع بأسعار أقل من نظيراتها المستوردة، ما جعلها الخيار الأول لآلاف المرضى.

وضم قطاع غزة، قبل الحرب، خمسة مصانع لإنتاج الأدوية، ثلاثة منها متخصصة في إنتاج الأدوية البشرية، هي: شركة الشرق الأوسط للصناعات الدوائية، والشركة العربية الألمانية للصناعات الدوائية، وشركة "إليكس فارما"، إلى جانب مصنعين لإنتاج الأدوية البيطرية. إلا أن هذه المصانع تعرضت للتدمير خلال الحرب، لتتوقف معها خطوط الإنتاج بالكامل، ويفقد القطاع أحد أهم مصادر توفير الدواء محليًا، في وقت تتزايد فيه احتياجات المرضى، وتتعرض الإمدادات الخارجية لقيود متواصلة.

وتعكس بيانات منظمة الصحة العالمية حجم الأزمة التي يواجهها القطاع الصحي، إذ ارتفعت نسبة الأدوية الأساسية التي وصلت إلى مستوى "صفر مخزون" من 43% خلال عام 2025 إلى 51% حاليًا، ما انعكس على قدرة المستشفيات والصيدليات على توفير العلاج للمرضى، وأجبر الطواقم الطبية على التعامل مع نقص متزايد في أصناف دوائية أساسية.

ومع غياب الإنتاج المحلي، أصبحت المنظومة الصحية تعتمد بصورة شبه كاملة على ما يدخل إلى القطاع من أدوية ومساعدات، في وقت لا تواكب فيه الإمدادات حجم الاحتياجات المتزايدة، خاصة مع استمرار الحرب وارتفاع أعداد المرضى والجرحى.

بدائل علاجية

ويقول الصيدلاني أسامة أبو عابد إن اختفاء الأدوية التي كانت تُصنع داخل غزة غيّر طبيعة العمل اليومي في الصيدليات، بعدما اعتاد الصيادلة، لسنوات، على توفيرها للمرضى بصورة مستمرة.

ويوضح أن معظم المراجعين لا يزالون يسألون عن الأصناف نفسها التي كانوا يستخدمونها قبل الحرب، إلا أن الصيدليات لم تعد قادرة على تلبيتها بعد توقف المصانع المحلية عن الإنتاج.

ويضيف لـ"شهاب" أن الصيادلة يضطرون، في كثير من الأحيان، إلى البحث عن بدائل علاجية متوفرة، لكنها لا تكون دائمًا مماثلة للدواء المطلوب، كما أن أسعارها غالبًا أعلى من الأدوية التي كانت تُنتج داخل القطاع، وهو ما يضاعف معاناة المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة الذين يعتمدون على العلاج بصورة منتظمة.

ويشير إلى أن المشكلة لا تقتصر على غياب صنف دوائي بعينه، بل تمتد إلى عشرات الأصناف التي كانت تشكل جزءًا أساسيًا من مخزون الصيدليات، مؤكدًا أن أصعب المواقف التي يواجهها الصيدلي هي إبلاغ المريض بعدم توفر الدواء الذي يحتاج إليه، في وقت لا يكون فيه البديل متاحًا دائمًا.

وتستعيد الصيدلانية نورة المدهون الأيام التي كانت تصل فيها الأدوية المنتجة محليًا إلى الصيدليات بصورة منتظمة، قائلة إن هذه الأصناف كانت تشكل جزءًا أساسيًا من العلاج اليومي للمرضى، لما امتازت به من جودة وأسعار مناسبة، إلى جانب سهولة الحصول عليها مقارنة بالأدوية المستوردة.

وتوضح أن اختفاء هذه الأدوية أجبر الصيادلة على صرف بدائل مستوردة كلما توفرت، إلا أن أسعارها تفوق، في كثير من الأحيان، أسعار الدواء المحلي، كما أن توفرها لم يعد منتظمًا، ما يضع المرضى أمام خيارات محدودة، خصوصًا أولئك الذين يحتاجون إلى العلاج بشكل متواصل.

وتضيف أن المشكلة لم تعد تقتصر على غياب دواء بعينه، بل أصبحت مرتبطة بفقدان القدرة على إنتاج العلاج داخل القطاع، الأمر الذي جعل الصيدليات تنتظر وصول الشحنات الخارجية لتوفير أصناف كانت تُنتج سابقًا داخل غزة، وتصل إلى رفوفها دون انقطاع.

عمّق الأزمة

ومن جانبه، يقول نائب نقيب صيادلة فلسطين، الدكتور سميح أبو حبل، إن مصانع الأدوية في قطاع غزة لم تكن مجرد منشآت إنتاجية، بل كانت تمثل أحد أعمدة الأمن الدوائي في القطاع، إذ وفرت جزءًا مهمًا من احتياجات السوق المحلية، وخففت الضغط عن المستشفيات والصيدليات، خاصة في ظل الحصار الذي شهده القطاع على مدار سنوات.

ويوضح لـ"شهاب" أن توقف هذه المصانع عن العمل بعد تدميرها خلال الحرب عمّق أزمة نقص الأدوية، وأفقد المنظومة الصحية مصدرًا رئيسيًا كانت تعتمد عليه في توفير عشرات الأصناف الأساسية، مضيفًا أن المرضى هم من يدفعون اليوم ثمن هذا الواقع، مع تزايد صعوبة الحصول على العلاج، والاعتماد على كميات محدودة من الأدوية التي تدخل إلى القطاع.

ويحذر أبو حبل من أن استمرار غياب التصنيع الدوائي المحلي سيترك آثارًا طويلة الأمد على الخدمات الصحية، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في أعداد المرضى، والاحتياج المتزايد إلى أدوية الأمراض المزمنة، والسرطان، وأمراض الدم، وغسيل الكلى، والطوارئ، مؤكدًا أن إعادة تشغيل هذا القطاع تمثل ضرورة لضمان استقرار توفير العلاج، وليست مجرد مشروع اقتصادي.

ويرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن اختفاء عشرات الأصناف الدوائية من صيدليات غزة لا يعكس أزمة توريد مؤقتة، بل يمثل نتيجة مباشرة لفقدان القطاع قدرته على إنتاج الدواء محليًا، بعد تدمير مصانع الأدوية التي كانت توفر جزءًا مهمًا من احتياجات السكان.

ويقول لـ"شهاب" إن هذه المصانع لم تكن تقتصر على تصنيع الأدوية، بل كانت تسهم في استقرار السوق المحلية، وتوفير العلاج بأسعار أقل من الأدوية المستوردة، ما خفف الأعباء عن المرضى في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي عاشها القطاع حتى قبل الحرب. أما اليوم، فأصبحت رفوف كثير من الصيدليات خالية من أصناف كانت تُنتج داخل غزة، وأصبح توفرها مرتبطًا بما يدخل عبر المعابر، في وقت لا تلبي فيه الإمدادات حجم الطلب المتزايد، وهو ما ينعكس يوميًا على المرضى الذين يغادر كثير منهم الصيدليات دون الحصول على العلاج الذي يحتاجونه.

رهينة للإمدادات الخارجية

ويشير أبو قمر إلى أن حجم الاستثمارات في قطاع الصناعات الدوائية قبل الحرب بلغ نحو 50 مليون دولار، فيما قدّر تقرير التقييم المشترك الصادر عن البنك الدولي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، خسائر القطاع الصحي في غزة بنحو 6.8 مليارات دولار، تشمل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الصحية، والخدمات، وسلاسل الإمداد، بما فيها قطاع الصناعات الدوائية.

ويؤكد أن إعادة بناء القطاع الصحي لن تكتمل بإعادة تأهيل المستشفيات وحدها، لأن توفير العلاج يبدأ أيضًا من استعادة القدرة على إنتاجه داخل غزة، بما يضمن توفير الأصناف الأساسية التي يحتاجها المرضى بصورة يومية، ويقلل من بقاء القطاع رهينة لتقلبات إدخال الأدوية من الخارج.

ولا تبدو أزمة الأدوية في قطاع غزة مرشحة للانحسار في المدى القريب، في ظل استمرار الحرب، وتوقف مصانع الدواء عن العمل، وتعثر إعادة الإعمار. فإعادة تشغيل هذا القطاع لا ترتبط بإصلاح خطوط الإنتاج وحدها، بل تحتاج إلى إعادة بناء المصانع، وتوفير المواد الخام، ورفع القيود التي تحول دون استئناف التصنيع المحلي.

وإلى أن تبدأ عملية إعادة الإعمار، ويُرفع الحصار، وتُعاد مصانع الدواء إلى العمل، سيظل المرضى في قطاع غزة يبحثون عن أدوية كانت تُنتج يومًا داخل مدينتهم، بينما يبقى القطاع الصحي رهينة للإمدادات الخارجية، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا واستمرارًا منذ اندلاع الحرب.

اخبار ذات صلة