تقرير - شهاب
يقف الأربعيني "أبو أيمن أبو عربية" أمام مرآة حياته الجديدة لا ليرى ملامحه التي غيّرها النزوح، إنما ليواجه حقيقة قاسية تركتها أدوات الحرب الإسرائيلية على جسده؛ إذ يعيش اليوم بـ "نصف جسد" لم يسلم من ملاحقة الشظايا ولا من حصار المستشفيات المتكرر من شمال قطاع غزة إلى جنوبه.
وبدأت فصول الفاجعة مع القصف الإسرائيلي الأول الذي استهدف أحد مراكز الإيواء شمال قطاع غزة، وهو هجوم إسرائيلي دموي راح ضحيته 62 نازحًا في لحظة واحدة، ليكون أبو عربية وزوجته الناجيين الوحيدين من تحت ركام الموت الذي غيّب جميع من حولهما.
خرج أبو أيمن من تحت الأنقاض بجروحٍ بالغة الخطورة نهكت بدنه، وأجبرت الفرق الطبية لاحقًا على إجراء عمليات جراحية معقدة شملت استئصال عدة أعضاء من جسده، مع تركيب قطع بلاستيكية طبية لمساندة أمعائه المتبقية كي تظل على قيد الحياة.
ولم تكد الجراح تلأم جروحها الأولى، حتى توجه إلى مستشفى "العودة" في مخيم جباليا لاستكمال العلاج، لكن العتمة لاحقته مجددًا؛ إذ اقتحم الجيش الإسرائيلي المستشفى واعتقل عددًا من الأطباء في مشهد مروع، ليجد الرجل نفسه أمام خيار الوحيد: الفناء أو الفرار.
في لحظة فارقة بين الحياة والموت، تمكّن أبو عربية من الخروج برفقة زوجته وهو يرتدي ملابس غرفة العمليات ذاتها، دون أن يتمكن الأطباء من إكمال العملية الجراحية المقررة له، ليقطع الطريق متكئًا على ألم جسده المبتور رحلة نزوحٍ شاقة من جباليا نحو دير البلح.
وعلى أعتاب مفترق الشجاعية، شَهِدَ الزوجان ما وصفاه بـ "مشاهد يوم القيامة"؛ حيث شواهد النزوح القسري لمئات الآلاف من المواطنين أمام الحواجز العسكرية، وسط تساقط كثيف للشظايا والقذائف التي كانت تطارد خطى المشاة بلا رحمة.
ولم تنتهِ رحلة الآلام عند ذلك الحد، فواصل أبو أيمن طريقه جنوبًا متوجهًا إلى مستشفى "الخير" غرب مدينة خان يونس لاستكمال رحلة العلاج المتقطعة، ليكرر الاحتلال سيناريو الملاحقة ويحاصر المستشفى ويخضع أبو عربية لتحقيق قاسٍ استمر ثلاثة أيام متواصلة.
وعقب الإفراج عنه، أجبرته قوات الاحتلال على التوجه قسرًا نحو منطقة "المواصي"، وخلال سيره المجهد شاهد أكثر من 30 جثمانًا لشهداء فلسطينيين ملقاة على الأرض، يمنع الجيش وصول طواقم الإسعاف إليهم، مهددًا بملء المكان بالرصاص ضد كل من يحاول سحب الجثامين أو إنقاذ المصابين.
وبعد رحلة شاقة استُنزف فيها ما تبقى من رمق، استقر الحال بـ "أبو أيمن" داخل خيمة متهالكة غرب مدينة دير البلح وسط القطاع، يعاني فيها مرارة النزوح وقسوة العيش في بيئة تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية والطبية.
واليوم، تزداد أوجاع الأعضاء المستأصلة والقطع البلاستيكية داخل جسد أبو أيمن، وسط نقص حاد في المستلزمات والجرعات العلاجية اللازمة لإبقائه موصولاً بالحياة.
ويعيش قطاع غزة أزمة غير مسبوقة، إذ تجاوز عدد الجرحى والمصابين حاجز الـ 100 ألف جريح، يعاني الآلاف منهم من إصابات حرجة وبتر في الأطراف وتلف في الأعضاء الحيوية، وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية وخروج غالبية المستشفيات والمراكز الطبية عن الخدمة نتيجة القصف والحصار واستهداف الكوادر الطبية.
وعلى صعيد آخر، أدت حرب الإبادة والنزوح القسري المتكرر إلى تهجير أكثر من 1.9 مليون فلسطيني (ما يعادل نحو 90% من سكان القطاع)، يتوزع معظمهم في خيام متهالكة ومراكز إيواء تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية والصحية.
وتتضاعف كوارث النازحين والمرضى مع النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، ومنع دخول الوفود الطبية المتخصصة، ناهيك عن الانتشار الواسع للأوبئة والأمراض المعدية نتيجة سوء التغذية وتلوث المياه وتدهور البيئة المعيشية داخل الخيام.