رحلة نتنياهو إلى واشنطن.. إقلاع سري ومسار جوي يلاحقه بملف الجنائية الدولية

 لم تكن رحلة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة هذه المرة مجرد انتقال للمشاركة في لقاءات سياسية، بل تحولت منذ لحظاتها الأولى إلى قصة بحد ذاتها، فرضت الإجراءات الأمنية مسارها، فيما أعادت الأجواء التي عبرتها الطائرة الحكومية إلى الواجهة ملف الملاحقة القضائية الدولية الذي يلاحق نتنياهو منذ صدور مذكرة اعتقال بحقه على خلفية جرائم الحرب المرتكبة في قطاع غزة.

وبحسب (القناة 12) "الاسرائيلية"  فقبل أن تدور محركات الطائرة، كانت ترتيبات الرحلة قد اتخذت مسارا مختلفا عن الزيارات السابقة.

فلم تغادر الطائرة الحكومية "جناح صهيون" من مطار بن غوريون، كما جرت العادة في الزيارات الرسمية، وإنما أقلعت من قاعدة "نيفاتيم" الجوية في صحراء النقب، وسط تكتم كامل على موعد المغادرة، ودون إعلان مسبق عن توقيت الوصول إلى العاصمة الأمريكية.

تقديرات أمنية

ولم يقتصر الأمر على تغيير نقطة الانطلاق، بل شمل أيضا استبعاد الصحفيين المرافقين لرئيس حكومة الاحتلال من الرحلة، وإبقاء تفاصيلها بعيدا عن التداول حتى لحظة الإقلاع، في واحدة من أكثر الزيارات التي أحاطتها المؤسسة الأمنية في "إسرائيل" بإجراءات استثنائية.

وجاءت تلك الترتيبات في ظل تقديرات أمنية تحدثت عن تصاعد التهديدات التي تستهدف مسؤولين كبار في "إسرائيل"، الأمر الذي دفع أجهزة الأمن إلى تشديد إجراءات الحماية الخاصة بنتنياهو، واعتماد ترتيبات مختلفة لسفره إلى واشنطن، في محاولة لتقليل فرص رصد تحركاته قبل مغادرته الأراضي المحتلة.

ورغم السرية التي أحاطت بمرحلة الاستعداد والإقلاع، فإنها لم تستمر طويلا. فبمجرد دخول الطائرة المجال الجوي المفتوح، ظهرت على منصات تتبع حركة الملاحة الجوية، لتصبح خلال وقت قصير من أكثر الرحلات متابعة، بعدما اتجهت غربا فوق البحر الأبيض المتوسط، عابرة المسار المعتاد نحو القارة الأوروبية في طريقها إلى الولايات المتحدة.

وأظهرت بيانات الملاحة الجوية أن الطائرة الحكومية، التي تحمل التسجيل 4X-ISR، واصلت رحلتها عبر البحر المتوسط قبل أن تدخل الأجواء الأوروبية، وهو ما نقل الاهتمام من تفاصيل الرحلة الأمنية إلى مسارها الجوي، في ظل استمرار سريان مذكرة الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو عن المحكمة الجنائية الدولية.

فالمحكمة كانت قد أصدرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرة اعتقال بحق رئيس حكومة الاحتلال، متهمة إياه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، لتصبح كل زيارة خارجية يقوم بها منذ ذلك الحين محاطة بتساؤلات تتعلق بمدى قدرة الدول الأطراف في نظام روما الأساسي على التعامل مع هذه المذكرة إذا دخل أراضيها أو عبر أجواءها.

وفي رحلته الأخيرة إلى واشنطن، عبرت الطائرة الحكومية أجواء اليونان وإيطاليا وفرنسا، وهي جميعها دول موقعة على نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي أعاد طرح الأسئلة بشأن التزامات تلك الدول القانونية، حتى وإن كانت الطائرة لم تهبط على أراضيها واكتفت بالعبور في أجوائها.

ولم يكن هذا المسار مطابقا لجميع الرحلات السابقة لنتنياهو، إذ أظهرت زيارات خارجية سابقة اعتماد مسارات أطول لتجنب المرور فوق بعض الدول الأوروبية، وهو ما جعل اختيار الطريق الحالي محط اهتمام سياسي وقانوني، بالتزامن مع استمرار إدراج نتنياهو على قائمة المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية.

نقاشاً أوروبياً

وأعاد عبور الطائرة أجواء تلك الدول النقاش داخل الأوساط الأوروبية حول الالتزام بقرارات المحكمة، في وقت يواصل فيه الاتحاد الأوروبي التأكيد على دعمه للمحكمة الجنائية الدولية وتمسكه بالمبادئ التي يقوم عليها نظام روما الأساسي، باعتباره الإطار القانوني الناظم لملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وبينما كانت الطائرة تواصل رحلتها عبر الأطلسي، كانت الأنظار تتجه إلى واشنطن، حيث وصل نتنياهو لعقد لقاء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، كما شارك في مراسم تشييع السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، في زيارة حملت ملفات سياسية وأمنية تتعلق بالحرب على قطاع غزة، والتطورات الإقليمية، والعلاقات بين واشنطن و"إسرائيل".

إلا أن تفاصيل الزيارة نفسها بدت أقل حضورا من الطريقة التي وصل بها رئيس حكومة الاحتلال إلى الولايات المتحدة، إذ تحولت الرحلة إلى محور اهتمام وسائل الإعلام، بعدما كشفت حجم الإجراءات الأمنية التي باتت ترافق تحركاته الخارجية، والاعتبارات الجديدة التي فرضتها الحرب على غزة، وما تبعها من ملاحقات قانونية دولية.

جدل رافق العبور

فمنذ صدور مذكرة الاعتقال، لم تعد تنقلات نتنياهو إلى الخارج ترتبط فقط بجداول اللقاءات السياسية أو البروتوكول الدبلوماسي، بل أصبحت تخضع لحسابات أكثر تعقيدا، تشمل اختيار مسارات الطيران، ونقاط الإقلاع، والدول التي يمكن المرور عبر أجوائها، إلى جانب التقديرات الأمنية المرتبطة بالتهديدات التي تتحدث عنها أجهزة الأمن في "إسرائيل".

ولهذا، بدت الرحلة إلى واشنطن مختلفة حتى قبل أن تبدأ الاجتماعات الرسمية. فالإقلاع من قاعدة عسكرية، وإخفاء توقيت المغادرة، ومنع المرافقة الإعلامية، ثم الجدل الذي رافق عبور الطائرة الأجواء الأوروبية، كلها تفاصيل جعلت رحلة نتنياهو حدثا سياسيا وأمنيا وقانونيا في آن واحد، وعكست حجم الضغوط التي باتت ترافق تحركات رئيس حكومة الاحتلال خارج الأراضي المحتلة، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة وبقاء ملف المحكمة الجنائية الدولية مفتوحا أمامه أينما توجه.

المصدر : شهاب - وكالات

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر