☰
✕

قائمة الموقع

حملة دولية لتقويض المحكمة الجنائية الدولية.. انسحابات وضغوط سياسية تهدد مسار العدالة الدولية

2026-07-30T12:18:00+03:00
وكالة شهاب

تتسع خلال الفترة الأخيرة دائرة الضغوط السياسية والقانونية التي تستهدف المحكمة الجنائية الدولية، وسط تحذيرات من أن تؤدي هذه التحركات إلى إضعاف قدرتها على ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية، في وقت تواجه فيه المحكمة انتقادات وضغوطًا متزايدة عقب إصدارها مذكرات توقيف بحق مسؤولين "إسرائيليين" على خلفية الحرب في قطاع غزة.

وقال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، الخميس، إن تواتر الخطوات الرامية إلى تقويض المحكمة وشل قدرتها على ممارسة اختصاصها بات يمثل مسارًا خطيرًا يهدد منظومة العدالة الجنائية الدولية، مشيرًا إلى إعلان كل من تشاد وفنزويلا بدء إجراءات الانسحاب من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة، إلى جانب إخطارات مماثلة قدمتها دول أخرى.

 تثير المخاوف

وأوضح المرصد أن هذه الخطوات تأتي بالتزامن مع حملة ضغط أميركية معلنة ضد المحكمة، شملت فرض عقوبات على مسؤولين فيها، إضافة إلى امتناع دول أوروبية أطراف في نظام روما عن اتخاذ إجراءات حاسمة لتنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة بحق مسؤولين "إسرائيليين"، وهو ما اعتبره مسارًا يساهم في تعزيز الإفلات من العقاب.

وأشار المرصد إلى أن قرار تشاد بدء إجراءات الانسحاب يكتسب أهمية خاصة بسبب موقعها في ملف التحقيقات المتعلقة بإقليم دارفور، نظرًا لحدودها المباشرة مع الإقليم واستضافتها أعدادًا كبيرة من اللاجئين والناجين والشهود، إضافة إلى دورها في تسهيل وصول فرق المحكمة إلى مناطق مرتبطة بالتحقيقات.

وأكد أن انسحاب تشاد لا يلغي الاختصاص القانوني للمحكمة بشأن الجرائم المرتكبة في دارفور، لكنه قد يعرقل عمليات الوصول إلى الضحايا وجمع الأدلة وتنفيذ طلبات التعاون بين المحكمة والدول.

أما فنزويلا، فأوضح المرصد أن خطورة قرارها ترتبط بوجود تحقيق قائم أمام المحكمة بشأن مزاعم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية منذ عام 2017، تشمل اتهامات تتعلق بأفراد من أجهزة أمن الدولة ومسؤولين وأشخاص موالين للحكومة، محذرًا من أن الانسحاب قد يستخدم كوسيلة للحد من التعاون وتعطيل جهود المساءلة.

ولفت إلى أن انضمام النيجر ومالي وبوركينا فاسو إلى مسار الانسحاب سابقًا، إلى جانب تحركات تشاد وفنزويلا، يعكس توسعًا في التوجه المناهض للمحكمة داخل القارة الأفريقية وخارجها.

وقال المرصد إن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن حملة أميركية تستهدف المحكمة الجنائية الدولية، مشيرًا إلى إعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إطلاق حملة رسمية لتفكيك المحكمة، أعقبها ترحيب واشنطن بقرارات انسحاب فنزويلا وتشاد.

وأضاف أن فرض الولايات المتحدة عقوبات مالية وقيود سفر على المدعي العام للمحكمة وقضاتها ونواب المدعين بسبب عملهم في ملفات مرتبطة بمسؤولين أميركيين و"إسرائيليين" يمثل، وفق تقديره، تدخلًا مباشرًا في استقلال القضاء الدولي.

وأوضح أن هذه الإجراءات لا تقتصر آثارها على الأشخاص المستهدفين، بل تمتد إلى قدرة المحكمة على الوصول إلى الخدمات المالية والتقنية، وردع المؤسسات والشركات والخبراء عن التعاون معها، وهو ما قد يؤدي إلى إبطاء التحقيقات وتقليص فرص الضحايا في الوصول إلى العدالة.

مذكرات توقيف

وتأتي الضغوط على المحكمة في أعقاب إصدار الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس حكومة الاحتلال "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت.

وكانت المحكمة قد قالت إن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما الجنائية عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالأوضاع في قطاع غزة.

وأكد المرصد أن مذكرتي التوقيف لا تزالان نافذتين، وأن الدول الأطراف في نظام روما ملزمة بالتعاون مع المحكمة لتنفيذهما، مشددًا على أن عدم عضوية "إسرائيل" في النظام الأساسي لا يمنع المحكمة من ممارسة اختصاصها، باعتبار أن الجرائم محل التحقيق وقعت في أراضي دولة فلسطين، وهي دولة طرف في النظام.

وأشار المرصد إلى أن سماح اليونان وإيطاليا وفرنسا لطائرة حكومية تقل نتنياهو بعبور أجوائها خلال توجهه إلى الولايات المتحدة أثار تساؤلات بشأن مدى التزام هذه الدول بتعهداتها تجاه المحكمة.

واعتبر أن منح الإذن بالعبور كان قرارًا سياديًا كان يمكن رفضه، وأن السماح به سهّل تنقل شخص مطلوب للمحكمة، بما يقوض، بحسب المرصد، الهدف من مذكرات التوقيف.

ودعا هذه الدول إلى تقديم توضيحات قانونية بشأن الأساس الذي استندت إليه في منح الإذن، واعتماد إجراءات واضحة تمنع تسهيل تنقل المطلوبين للمحكمة.

إصلاح المحكمة 

وفي المقابل، أقر المرصد بوجود انتقادات مشروعة لأداء المحكمة، خصوصًا فيما يتعلق ببطء الإجراءات والانتقائية في التعامل مع بعض الملفات، لكنه شدد على أن معالجة هذه الإشكاليات لا تكون عبر تفكيك المحكمة أو الانسحاب منها.

وأكد أن المطلوب هو إصلاح المؤسسة من الداخل، وتعزيز استقلاليتها وكفاءتها، وضمان تطبيق العدالة الدولية بصورة متساوية بعيدًا عن الضغوط السياسية.

كما شدد على ضرورة الفصل بين أي إجراءات تتعلق بالمدعي العام للمحكمة كريم خان، وبين التحقيقات والقرارات القضائية الصادرة عن دوائر المحكمة، موضحًا أن مذكرات التوقيف بحق نتنياهو وغالانت صدرت عن دائرة قضائية مستقلة وليست قرارًا شخصيًا للمدعي العام.

وأوضح المرصد أن انسحاب تشاد وفنزويلا لا يصبح نافذًا بشكل فوري، إذ ينص نظام روما الأساسي على أن الانسحاب يدخل حيز التنفيذ بعد عام من تاريخ تسلم الأمين العام للأمم المتحدة الإخطار الرسمي.

وأضاف أن الدولتين تبقيان خلال هذه الفترة ملتزمتين بالتعاون مع المحكمة، كما أن الانسحاب بعد نفاذه لا يلغي اختصاص المحكمة بشأن الجرائم التي وقعت أثناء فترة عضويتهما، ولا يسقط المسؤولية الجنائية الفردية عن مرتكبي الجرائم الدولية.

ودعا المرصد الدول التي بدأت إجراءات الانسحاب إلى التراجع عنها والعمل من داخل جمعية الدول الأطراف لإصلاح المحكمة بدلًا من إضعافها.

كما طالب الولايات المتحدة بوقف العقوبات والضغوط على المحكمة، ودعا الدول الأوروبية إلى تحويل دعمها السياسي للمحكمة إلى إجراءات عملية تضمن استقلالها وتنفيذ قراراتها.

وأكد ضرورة استمرار التحقيق في الجرائم المرتكبة في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وتنفيذ مذكرات التوقيف بحق المسؤولين "الإسرائيليين" دون انتقائية أو تدخل سياسي.

وشدد المرصد في ختام بيانه على أهمية تفعيل الولاية القضائية العالمية أمام المحاكم الوطنية، باعتبارها مسارًا إضافيًا لملاحقة المسؤولين عن الجرائم الدولية، وعدم حصر جهود المساءلة في المحكمة الجنائية الدولية وحدها.

اخبار ذات صلة