خاص / شهاب
لم يمض على ولادة الرضيعة أيسل الهمص سوى أربعة أشهر، لكنها أمضت معظم حياتها داخل المستشفى. تتقشر طبقات الجلد عن جسدها الصغير بصورة متواصلة، فيما تغطي التقرحات يديها وقدميها، وتزداد صعوبة حركتها مع الانكماشات التي أصابت أطرافها السفلية، بينما يكتفي الأطباء بمتابعة حالتها وتخفيف آلامها، في انتظار تحويلها للعلاج خارج قطاع غزة.
شُخصت أيسل بمرض وراثي نادر يعرف بـ"السماك الفقاعي الخلقي المصحوب باحمرار شديد في الجلد"، وهو مرض تسبب في سماكة وتقشر الجلد بشكل مستمر، إلى جانب ظهور قشور كثيفة وتقرحات خطيرة في الأطراف، وانكماشات وتيبس في الساقين، فضلاً عن معاناتها من ضائقة تنفسية متوسطة.
حالتها تتدهور
ويؤكد الأطباء أن علاج الرضيعة غير متوفر داخل القطاع، وأنها تحتاج بصورة عاجلة إلى مركز طبي متخصص لإجراء تدخلات جلدية متقدمة وعلاج الانكماشات، إضافة إلى فحوصات جينية لوالديها لتحديد طبيعة المرض الوراثي، محذرين من أن استمرار تأخر تحويلها يفاقم حالتها الصحية ويزيد من خطر حدوث مضاعفات يصعب التعامل معها.
وتعيش أسرة أيسل قلقًا مضاعفًا، بعدما فقدت طفلها الأول خلال الحرب، إذ توفي عن عمر خمسين يومًا إثر إصابته بمرض في القلب. واليوم، تنتظر الأسرة خروج رضيعتها للعلاج، فيما تتواصل حالتها الصحية بالتدهور.
ولا تختلف قصة أيسل عن عشرات الأطفال والمرضى الذين ينتظرون الإجلاء الطبي خارج قطاع غزة، في وقت أدى فيه تأخر التحويلات الطبية إلى حرمان كثيرين من العلاج التخصصي الذي لا يتوفر داخل القطاع، وجعل الانتظار جزءًا من رحلة العلاج اليومية.
وتقول وزارة الصحة في غزة إن ملف التحويلات الطبية بات من أكثر الملفات الإنسانية تعقيدًا، في ظل انهيار أجزاء واسعة من المنظومة الصحية، وخروج العديد من الخدمات التخصصية عن الخدمة، ما جعل العلاج خارج القطاع الخيار الوحيد لآلاف المرضى، بينهم مرضى السرطان والقلب والأعصاب، إضافة إلى الجرحى الذين يحتاجون إلى جراحات معقدة أو برامج تأهيل طبي.
ووفق بيانات الوزارة، بلغ عدد التحويلات الطبية الموثقة حتى العشرين من مايو/أيار الماضي 17 ألفًا و757 تحويلة، بينما لم يتمكن من مغادرة القطاع سوى 3226 شخصًا، بينهم 1204 مرضى فقط، في حين كان الباقون من المرافقين، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين أعداد المرضى المحتاجين للعلاج وفرص السفر المتاحة. وتعزو الوزارة هذا الفارق إلى تقليص أيام الإجلاء الطبي، وإجراءات التدقيق، ومحدودية حركة السفر، الأمر الذي أدى إلى تراكم آلاف المرضى على قوائم الانتظار.
وتؤكد الوزارة أن ترتيب التحويلات يتم عبر لجنة استشارية من الأطباء الاختصاصيين، تعتمد على تقييم الحالة الطبية ودرجة خطورتها، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، نافية وجود تدخلات فردية في ترتيب كشوفات السفر.
ووفق تقديرات وزارة الصحة، ينتظر أكثر من 18 ألف جريح ومريض في قطاع غزة السفر لتلقي العلاج خارج القطاع، بينهم مرضى يحملون تحويلات طبية، وآخرون يحتاجون إلى تدخلات تخصصية غير متوفرة في المستشفيات المحلية، التي تعرضت للتدمير خلال الحرب، ما قلص قدرتها على تقديم الرعاية الطبية المتخصصة.
أشهر من الانتظار
وقبل أسبوع، حمل عدد من هؤلاء المرضى والجرحى تحويلاتهم الطبية، ووقفوا أمام مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس، في اعتصام للمطالبة بالسماح لهم بالسفر إلى الخارج لتلقي العلاج، بعد أشهر من الانتظار وتدهور أوضاعهم الصحية، في ظل عدم توفر الإمكانات الطبية اللازمة داخل قطاع غزة.
ورفعت العائلات صور التحويلات الطبية، معتبرة أن الحصول على تحويلة طبية لم يعد يعني بالضرورة الوصول إلى العلاج، مع استمرار تعثر إجراءات الإجلاء، بينما حذرت من أن بقاء المرضى داخل القطاع يفاقم أوضاعهم الصحية، خاصة الأطفال والجرحى الذين يحتاجون إلى تدخلات طبية غير متوفرة في مستشفيات غزة.
ومن جانبها، قالت المواطنة سحر انشاصي إن طفلتها ابتسام تعاني إصابة في العمود الفقري منذ نحو عامين، وتحتاج إلى علاج متخصص خارج القطاع بعد تدهور حالتها الصحية. وأضافت أن طفلًا آخر لها يعاني ثقبًا في القلب، فيما يواجه زوجها عدة أمراض، مؤكدة أن حصول أفراد أسرتها على تحويلات طبية لم يترجم حتى الآن إلى فرصة فعلية للسفر وتلقي العلاج.
أما باسم التوم، الذي فقد قدمه قبل نحو عام أثناء توجهه للحصول على مساعدات غذائية، فقال إنه ما زال ينتظر السفر لاستكمال علاجه وتركيب طرف صناعي، بعدما فقد قدرته على العمل وإعالة أسرته، وأصبح بحاجة إلى العلاج والتأهيل اللذين لا يتوفران داخل القطاع.
وبينما تستمر قوائم الانتظار في التزايد، يواجه آلاف المرضى والجرحى في قطاع غزة سباقًا يوميًا مع الموت، إذ لم تعد التحويلة الطبية تعني الوصول إلى العلاج، بل أصبحت بالنسبة لكثيرين بداية رحلة انتظار طويلة، تتفاقم خلالها الأمراض، وتتراجع فرص الشفاء مع كل يوم يتأخر فيه السفر.
