معادلةٌ جديدةٌ تفرضها المقاومة الفلسطينية على طاولة المفاوضات، في طريق إنجاز المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. الاتفاق الأخير في القاهرة شهد خطوةً متقدمة وصفها مراقبون بالمرونة السياسية التي تضع الكرة في ملعب كيان الاحتلال، مع التمسك بمبدأ الالتزامن؛ بمعنى: لا حلول أمنية من دون انسحاب كامل ووقف شامل للحرب، أي لا خطوات أمنية أحادية من دون انسحاب ووقف شامل. وذلك من خلال التقارير المتداولة حول خارطة الطريق للمرحلة الثانية، التي أعلنت حماس موافقتها عليها نهاية يوليو/تموز 2026.
قد نجحت حماس في خلق موازنة استراتيجية من خلال ربط ملف السلاح بـ"رزمة متكاملة" تشمل الانسحاب الكامل، ووقف العدوان، وإعادة الإعمار، مع الإبقاء على السلاح تحت سيطرة فلسطينية.
فيما أكدت الفصائل أن سلاح المقاومة مِيراث الشعب الفلسطيني، ولن يُسلَّم للاحتلال، لكنها توافق على إدارته بقرار فلسطيني خالص لتهيئة ظروف إنهاء الحرب، وإعادة الإعمار، وتخفيف معاناة الشعب. كما أكدت حماس أن "حصر السلاح الثقيل وتخزينه" يتم تدريجيًا ومتسلسلًا بعد استكمال التزامات المرحلة الأولى (بروتوكول شرم الشيخ)، ودخول اللجنة الوطنية لتأدية مهامها في إدارة غزة، وانتشار قوة الاستقرار الدولية، وتفكيك الميليشيات المسلحة.
السلاح لا يُسلَّم للاحتلال أو لأي جهة غير فلسطينية، بل يُخزَّن تحت مسؤولية اللجنة الوطنية الفلسطينية وإشرافها، مع متابعة دولية محدودة. ويُبقي ذلك على مبدأ "السلاح خط أحمر" بوصفه رمزًا للمقاومة والردع، بينما يفتح الباب أمام المساعدات والإعمار استجابةً للكارثة الإنسانية في غزة.
تكمن الأهمية الاستراتيجية لتأكيد الإجماع الوطني في تحصين الموقف التفاوضي ومنع محاولات تهميش المقاومة سياسيًا. بدورها، أكدت الفصائل المشاركة في المفاوضات أن هذا الإجماع يقطع الطريق على محاولات فرض إدارة خارجية أو إقصاء المقاومة من المشهد الوطني، ويعزز شرعية الاتفاق باعتباره "فلسطينيًا خالصًا"، كما يصعّب على الأطراف الأخرى، بما فيها كيان الاحتلال أو بعض الوسطاء، فرض ترتيبات مخالفة.
الأبعاد الأمنية لاشتراط الإشراف الفلسطيني الخالص على تخزين السلاح الثقيل تمنع فعليًا نزع سلاح المقاومة وتحويله إلى "تجريد قسري". والاتفاق، حسب التصريحات والبنود المسربة، ينص على أن اللجنة الوطنية هي الجهة الوحيدة التي تحتفظ بالسلاح أو تتحكم فيه داخل القطاع.
ويحوّل ذلك العملية إلى ترتيب داخلي فلسطيني (حصر + تخزين) مرتبط بجدول زمني متزامن مع الانسحاب الإسرائيلي، وليس تسليمًا أو تدميرًا تحت إشراف إسرائيلي. كما يمنع تحول "التخزين" إلى نزع دائم يُضعف الردع، ويضمن بقاء القدرات تحت سيطرة فلسطينية يمكن استعادتها إذا أخل الطرف الآخر بالتزاماته.
في المقابل، يصر كيان الاحتلال على "نزع حقيقي" للسلاح وتدمير البنية التحتية قبل الانسحاب الكامل، ما يخلق فجوة في التفسير قد تعطل التنفيذ.
تحديد تفويض القوات الدولية بالفصل بين الجانبين فقط يمنع تحولها إلى قوة وصاية أو أداة تقييد مستقبلية، من خلال ربط انتشار القوة الدولية بدخول اللجنة الوطنية وبدء الترتيبات، وتقييد دورها بـ"الفصل" والمراقبة والتحقق، دون صلاحيات أمنية داخلية واسعة أو سيطرة على السلاح.
كما يحافظ الاتفاق على السيادة الفلسطينية في الإدارة، ويمنع سيناريوهات الوصاية الدولية طويلة الأمد أو استخدام القوة لتقييد المقاومة لاحقًا، ويبقي القرار الأمني بيد الفلسطينيين. وتبقى التفاصيل الدقيقة لتفويض القوات الدولية قيد التفاوض النهائي مع الوسطاء.
التمسك بمبدأ الالتزامن يمثل ضمانة استراتيجية لمنع التهرب من استحقاقات الانسحاب الكامل. فقد شددت حماس مرارًا على أن خطوات (حصر/تخزين) السلاح لا تبدأ قبل استكمال المرحلة الأولى، وبدء الانسحاب التدريجي، ودخول اللجنة الوطنية.
بمعنى أن يكون الاتفاق "رزمة واحدة"، فأي إخلال إسرائيلي يوقف الالتزامات المقابلة. وهذا يمنع سيناريو "نزع السلاح أولًا ثم التفاوض على الانسحاب"، الذي قد يؤدي إلى بقاء الاحتلال أو السيطرة الجزئية، مثل الخط الأصفر أو مناطق أوسع.
وقد حوّل مبدأ الالتزامن ملف السلاح إلى ورقة ضغط متبادلة، وجعل التقدم مشروطًا بأفعال ميدانية ملزمة للاحتلال، وقابلة للتحقق.
ترحيب الوسطاء (قطر ومصر وتركيا والولايات المتحدة) عبر "مجلس السلام" يعزز الموقف التفاوضي، ويضفي شرعية دولية على تلك المرونة.
وقد لعبت قطر دورًا محوريًا في التوسط، ودعت المجتمع الدولي إلى الضغط على الاحتلال للوفاء بالتزاماته، لإضفاء طابع دولي على الصيغة الفلسطينية (تخزين تحت لجنة وطنية بدل التسليم للاحتلال)، ومنع عزل حماس، وتعزيز قدرتها على تقديم تنازلات مرنة دون فقدان الشرعية الداخلية أو الخارجية.
يبقى الرهان على المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل محدودًا، ومرتبطًا بالإرادة السياسية والمصالح المشتركة.
فالواقع يظهر انقسامًا؛ إذ تدفع الولايات المتحدة، عبر ترمب و"مجلس السلام"، نحو الاتفاق وتصفه بـ"اختراق تاريخي"، بينما يتحفظ الاحتلال ويصر على نزع حقيقي كامل قبل انسحاب واسع، مع استمرار الخروقات الميدانية اليومية.
ويظل الضغط الدولي فعالًا نسبيًا في ملف المساعدات الإنسانية والوساطة، لكنه أضعف في إجبار الاحتلال على انسحاب كامل أو قبول تفسير فلسطيني لملف السلاح، بسبب الدعم الغربي التقليدي والحسابات الأمنية الإسرائيلية.
ويعتمد النجاح على استمرارية دور الوسطاء (قطر/مصر/تركيا)، وضمانات أمريكية ملموسة، وجدول زمني ملزم وقابل للتحقق، لا على ضغط دولي عام فقط.
ولا يزال التنفيذ الفعلي معلقًا على رد إسرائيلي رسمي وآليات التحقق. وتعكس هذه المعادلة محاولة لتحقيق مكاسب إنسانية وسياسية دون التخلي عن ثوابت الردع، لكنها تواجه تحديات كبيرة في التطبيق بسبب فجوات الثقة والتفسيرات المتباينة بين الأطراف.