قائمة الموقع

كاتب يهودي يوثق "هندسة الإبادة" في غزة.. كيف أعادت "إسرائيل" تشكيل القطاع عبر التدمير الممنهج؟

2026-08-06T08:44:00+03:00
شهاب - وكالات

في وقت تتواصل فيه الحرب على قطاع غزة وتتزايد الاتهامات الدولية الموجهة لـ"إسرائيل" بارتكاب جرائم إبادة جماعية، يسلط كتاب جديد للمعماري والباحث البريطاني الإسرائيلي إيال وايزمان الضوء على عملية تدمير ممنهجة استهدفت الإنسان والمكان، معتبرا أن ما جرى لم يكن مجرد عمليات عسكرية، بل مشروعا لإعادة تشكيل البيئة الفلسطينية عبر محو مقومات الحياة.

ويستند التقرير إلى مراجعة نشرتها مجلة "فورين بوليسي" لكتاب "التفكيك: هندسة الإبادة الجماعية"، الذي يوثق -بحسب مؤلفه- الكيفية التي تحولت فيها البنية التحتية المدنية في غزة إلى هدف مباشر، من الأحياء السكنية والمزارع، إلى المستشفيات والمدارس والجامعات ودور العبادة، في إطار سياسة تهدف إلى إحداث تغيير دائم في المشهد الجغرافي والسكاني للقطاع.

ويرى وايزمان أن فهم ما جرى في غزة لا ينبغي أن يقتصر على أعداد الشهداء أو حجم الدمار في المباني، وإنما يجب أن يمتد إلى دراسة الكيفية التي جرى بها استهداف البيئة التي تضمن استمرار الحياة، بما يشمل شبكات المياه والصرف الصحي، والأراضي الزراعية، والمنشآت الاقتصادية، وكل ما يرتبط بقدرة السكان على البقاء.

وبحسب الكتاب، فإن الحرب تجاوزت استهداف الأهداف العسكرية، لتطال بصورة واسعة مقومات الحياة المدنية، الأمر الذي جعل تدمير المكان جزءا من الاستراتيجية العسكرية، وليس مجرد نتيجة جانبية للعمليات القتالية.

ويعتمد المؤلف على تحقيقات معمارية ورقمية أعدها فريق متخصص، استندت إلى تحليل آلاف الصور الجوية، ومقاطع الفيديو، وصور الأقمار الصناعية، والشهادات الميدانية، لإعادة بناء مسار عمليات القصف والتجريف والتدمير في مختلف مناطق قطاع غزة.

ويقول إن هذه الأدلة توفر رواية تستند إلى الوقائع الميدانية، بعيدا عن السجالات السياسية الدائرة حول توصيف ما حدث، وتساعد في توثيق حجم الاستهداف الذي طال الأحياء السكنية والبنية المدنية.

ويضع الكتاب الحرب الأخيرة في سياق تاريخي أوسع، معتبرا أن ما تعرض له القطاع يمثل امتدادا لسياسات إسرائيلية متراكمة بدأت منذ عقود، مرورا بالاحتلال والحصار المفروض على غزة، وصولا إلى الحرب الحالية التي شهدت تصعيدا غير مسبوق في حجم التدمير.

كما يستعرض التحولات التي شهدها القطاع منذ عام 1948، وصولا إلى الحصار المفروض منذ عام 2007، والذي يصفه بأنه لم يكن مجرد إجراء أمني، بل سياسة طويلة الأمد هدفت إلى تقويض مقومات الحياة وإضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود.

ويخصص المؤلف فصولا لتحليل الحرب المرتبطة بشبكة الأنفاق في غزة، معتبرا أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المتكررة خلال السنوات الماضية لم تنجح في إنهاء هذه الشبكة، بل إن بعض نتائجها أسهمت في استمرارها وتوسعها.

كما يناقش الرواية الإسرائيلية بشأن حجم الأنفاق وتعقيدها، ويرى أن تضخيم هذا الملف استُخدم لتبرير حجم الدمار الواسع الذي لحق بالمناطق السكنية والمنشآت المدنية فوق سطح الأرض.

ويتناول الكتاب عددا من الوقائع التي أعاد فريق المؤلف بناءها باستخدام تقنيات التحقيق الجنائي المعماري، عبر مطابقة الصور والخرائط والبيانات الرقمية لتوثيق عمليات القصف والتجريف واستهداف المنشآت المدنية.

ويشير إلى أن هذه التحقيقات خلصت -وفق رؤية المؤلف- إلى وجود نمط متكرر في استهداف الأحياء السكنية، والمزارع، والمدارس، والمستشفيات، والجامعات، ودور العبادة، إلى جانب توسيع المناطق العازلة، وإجبار الفلسطينيين على النزوح المتكرر نحو مناطق جرى الإعلان عنها باعتبارها "آمنة"، رغم افتقارها لأبسط مقومات الحياة.

ولا يقتصر الكتاب على توثيق الخسائر البشرية والعمرانية، بل يسلط الضوء أيضا على التداعيات البيئية للحرب، موضحا أن تدمير الأراضي الزراعية، وشبكات المياه والصرف الصحي، والتربة، والثروة الحيوانية سيترك آثارا طويلة الأمد، قد تعيق قدرة قطاع غزة على استعادة إنتاجه الزراعي وإعادة إعماره مستقبلا.

ويؤكد أن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية خرجت من الخدمة، فيما تعرضت آلاف البيوت الزراعية والبساتين لخسائر جسيمة، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي لسكان القطاع لسنوات قادمة.

ويطرح الكتاب رؤية تدعو إلى توسيع فهم مفهوم الإبادة الجماعية، بحيث لا يقتصر على القتل المباشر أو التهجير القسري، وإنما يشمل أيضا تدمير البيئة والبنية التحتية والظروف التي تجعل استمرار الحياة الإنسانية ممكنا.

ويرى المؤلف أن إعادة تشكيل المكان، وإزالة مقومات العيش، وتحويل البيئة إلى فضاء غير قابل للحياة، تمثل جميعها عناصر أساسية لفهم طبيعة الحرب التي تعرض لها قطاع غزة، داعيا إلى التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها جزءا من أي تقييم قانوني أو إنساني لما جرى خلال الحرب.

اخبار ذات صلة