ترجمة / شهاب
لم تعد الحرب على قطاع غزة، في نظر الصحفي الاستقصائي الأمريكي جيريمي سكاهيل، مجرد ملف يتعلق بالسياسة الخارجية أو بالأمن القومي الأمريكي، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في المشهد السياسي داخل الولايات المتحدة، بعدما أعادت تشكيل وعي جيل كامل من الناخبين، وفرضت اختبارًا أخلاقيًا غير مسبوق على الحزب الديمقراطي وقياداته.
ويرى سكاهيل أن الدعم الأمريكي المستمر لـ"إسرائيل" خلال الحرب على غزة لم يترك أثره على الفلسطينيين وحدهم، بل أحدث أيضًا تحولات عميقة داخل المجتمع الأمريكي، خصوصًا بين الشباب، الذين أصبحوا أكثر تشكيكًا في خطاب السياسيين الديمقراطيين بشأن حقوق الإنسان والعدالة، بعدما شاهدوا صور الضحايا المدنيين في غزة، في الوقت الذي واصلت فيه إدارة الرئيس السابق جو بايدن تقديم الدعم العسكري والسياسي لتل أبيب.
وتأتي تصريحات سكاهيل في وقت لا يزال فيه الحزب الديمقراطي يحاول فهم أسباب التراجع الذي أصاب شعبيته بين قطاعات واسعة من الناخبين التقدميين خلال انتخابات عام 2024، وهي الانتخابات التي يرى كثير من المحللين أنها كشفت حجم الانقسام داخل الحزب بشأن الحرب على غزة.
"الحروب القذرة"
يُعد جيريمي سكاهيل أحد أبرز الصحفيين الاستقصائيين في الولايات المتحدة، واشتهر بتحقيقاته التي تناولت الحروب الأمريكية وسياسات الأمن القومي والعمليات العسكرية السرية. وعلى مدار أكثر من عقدين، كشف في كتبه وتحقيقاته ملفات تتعلق بالحروب في العراق وأفغانستان، وشركات الأمن الخاصة، وبرامج الاغتيالات الأمريكية خارج القانون.
ويُعرف سكاهيل بأنه أحد مؤسسي منصة ذا إنترسبت، كما اكتسب شهرة واسعة بعد نشر كتابيه "بلاك ووتر" و"الحروب القذرة"، اللذين وثّق فيهما جوانب خفية من التدخلات العسكرية الأمريكية حول العالم.
ومنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، خصص جانبًا كبيرًا من كتاباته وبرامجه وتحليلاته لمناقشة الدور الأمريكي في الحرب، مستضيفًا مسؤولين أمريكيين سابقين، وخبراء قانون دولي، وصحفيين من داخل القطاع، ومتخصصين في حقوق الإنسان، في محاولة لتفسير طبيعة الدعم الذي قدمته واشنطن لـ"إسرائيل"، وانعكاساته على الفلسطينيين وعلى السياسة الأمريكية نفسها.
وخلال الأشهر الماضية، واصل سكاهيل انتقاد الإدارة الأمريكية، معتبرًا أن واشنطن لم تكتفِ بدعم "إسرائيل" سياسيًا، بل وفرت لها الغطاء الدبلوماسي والعسكري الذي مكّنها من مواصلة الحرب، رغم تصاعد التحذيرات الدولية بشأن الكارثة الإنسانية في قطاع غزة.
قضية أخلاقية
ويؤكد سكاهيل أن ما يميز الحرب على غزة عن أزمات سابقة هو أنها لم تعد تُناقش داخل الولايات المتحدة باعتبارها شأنًا خارجيًا، وإنما أصبحت قضية داخلية ترتبط بصورة الديمقراطية الأمريكية ومصداقية خطابها بشأن حقوق الإنسان.
ويقول إن جيلًا كاملًا من الشباب الأمريكي بلغ سن التصويت بينما كان يتابع يوميًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد القصف والدمار، وصور الأطفال الذين قُتلوا أو أصيبوا أو احترقوا خلال الحرب، وهو ما خلق حالة غير مسبوقة من الوعي السياسي لدى هؤلاء الناخبين.
وبحسب سكاهيل، فإن هذا الجيل لم يعد يقيس الأحزاب السياسية فقط ببرامجها الاقتصادية أو الاجتماعية، بل أصبح ينظر أيضًا إلى مواقفها من الحرب في غزة باعتبارها اختبارًا أخلاقيًا يكشف مدى التزامها بالقيم التي ترفعها.
ويرى أن هذا التحول يفسر جانبًا من تراجع ثقة كثير من الشباب بالحزب الديمقراطي، رغم أنه كان يُنظر إليه تقليديًا باعتباره الأقرب إلى التيار التقدمي والمدافع عن الحقوق المدنية.
ويحمّل سكاهيل إدارة الرئيس السابق جو بايدن مسؤولية سياسية وأخلاقية عن استمرار الدعم الأمريكي لـ"إسرائيل"، معتبرًا أن الإدارة اختارت الانحياز الكامل لتل أبيب، رغم تزايد أعداد الضحايا المدنيين في قطاع غزة، والانتقادات الدولية المتصاعدة بشأن حجم الدمار والأزمة الإنسانية.
ويشير إلى أن الإدارة الأمريكية استمرت في توفير الدعم العسكري والسياسي، واستخدمت نفوذها الدبلوماسي للدفاع عن "إسرائيل" في المحافل الدولية، وهو ما جعلها، بحسب وصفه، شريكًا في استمرار الحرب.
كما يرى أن الخطاب الرسمي الأمريكي، الذي تحدث مرارًا عن حماية المدنيين وإدخال المساعدات الإنسانية، لم ينعكس على أرض الواقع، في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة الدمار في القطاع.
تحت المجهر
ولم تقتصر انتقادات سكاهيل على إدارة بايدن، بل امتدت إلى شخصيات بارزة داخل الحزب الديمقراطي، وفي مقدمتها النائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، التي تُعد من أبرز رموز الجناح التقدمي في الحزب.
ويرى سكاهيل أن أوكاسيو-كورتيز وجدت نفسها خلال الحملة الانتخابية لعام 2024 في موقع بالغ الحساسية، إذ حاولت الحفاظ على صورتها كسياسية تقدمية، وفي الوقت نفسه دعمت المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، وسعت إلى إقناع الناخبين الغاضبين من الحرب بالالتفاف حول الحزب.
ويعتبر أن هذا الدور جعلها تؤدي وظيفة الوسيط بين القيادة الديمقراطية والقاعدة التقدمية، إلا أن هذه المحاولة لم تحقق النتائج التي كانت تأملها قيادة الحزب، بعدما رفض كثير من الناخبين تغيير مواقفهم، معتبرين أن القضية تتعلق بالمبادئ، وليس بالحسابات الانتخابية.
ويؤكد سكاهيل أن هذا الموقف سيظل حاضرًا في أي طموح سياسي مستقبلي لأوكاسيو-كورتيز، سواء إذا قررت الترشح للرئاسة أو لأي منصب وطني رفيع، ما لم تقدم مراجعة صريحة لموقفها خلال الحرب على غزة.
ويشير سكاهيل إلى أن أحد أبرز تداعيات الحرب على غزة تمثل في اتساع الفجوة بين قيادة الحزب الديمقراطي وقاعدته الشبابية، التي شعرت بأن الحزب لم يستجب لمطالبها بوقف الدعم العسكري لـ"إسرائيل" أو الضغط الجاد من أجل وقف إطلاق النار.
ويقول إن كثيرًا من الناخبين الذين رفضوا التصويت للديمقراطيين لم يفعلوا ذلك بسبب خلافات اقتصادية أو اجتماعية، وإنما انطلاقًا من موقف أخلاقي مرتبط بالحرب، معتبرين أن استمرار الدعم الأمريكي لتل أبيب يتناقض مع المبادئ التي يعلن الحزب الدفاع عنها.
وبحسب سكاهيل، فإن بعض قيادات الحزب فضلت تحميل هؤلاء الناخبين مسؤولية النتائج الانتخابية، بدلًا من مراجعة السياسات التي دفعتهم إلى العزوف عن التصويت أو البحث عن بدائل سياسية.
اعترافات متأخرة
ومن بين النقاط التي توقف عندها سكاهيل، ما صدر لاحقًا عن بعض المسؤولين والمستشارين السابقين في إدارة بايدن، الذين أقروا بأن الإدارة لم تكن في تلك المرحلة تسعى بصورة جدية إلى فرض وقف لإطلاق النار.
ويرى أن هذه الاعترافات تعزز الانتقادات التي وُجهت للإدارة خلال الحرب، وتؤكد أن الرسائل التي كانت تُوجَّه إلى الرأي العام الأمريكي بشأن الجهود الدبلوماسية لم تكن تعكس حقيقة ما كان يجري داخل دوائر صنع القرار.
ويخلص سكاهيل إلى أن التأثير الحقيقي للحرب على غزة لن يتوقف عند حدود الانتخابات الماضية، بل سيمتد إلى السنوات المقبلة، لأن القضية أصبحت جزءًا من الوعي السياسي لجيل جديد من الأمريكيين.
ويعتقد أن السياسيين الذين اختاروا تجاهل الغضب الشعبي أو التقليل من أهمية المواقف الأخلاقية للناخبين سيجدون أنفسهم أمام تحديات متكررة في أي استحقاق انتخابي مقبل، خصوصًا إذا استمرت الحرب أو بقيت آثارها الإنسانية والسياسية حاضرة في الذاكرة العامة.
وفي تقديره، فإن غزة لم تعد مجرد عنوان في نشرات الأخبار الأمريكية، بل أصبحت معيارًا يُقاس به موقف السياسيين من العدالة وحقوق الإنسان، واختبارًا سيبقى حاضرًا في النقاش العام داخل الولايات المتحدة، مع استمرار الجدل حول مسؤولية واشنطن في دعم "إسرائيل" خلال الحرب.
وبالنسبة لسكاهيل، فإن تداعيات هذه الحرب لا تقتصر على الشرق الأوسط، بل تمتد إلى الداخل الأمريكي نفسه، حيث أعادت غزة رسم العلاقة بين الناخبين الشباب والحزب الديمقراطي، وفرضت واقعًا سياسيًا جديدًا ستكون له انعكاسات على مستقبل الانتخابات الأمريكية وعلى طبيعة الخطاب السياسي في واشنطن لسنوات قادمة.