تقرير / شهاب
في محاولة جديدة لمهاجمة الأصوات الأمريكية المتضامنة مع فلسطين والرافضة للانحياز الأمريكي المطلق للاحتلال، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومه على المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان عبد الرحمن محمد السيد، المعروف باسم عبد السيد، بعدما نشر صورة تجمع عائلته بعائلة المرشح، وكتب عليها: "أميركتان مختلفتان جدًا"، في منشور أثار انتقادات واسعة بسبب الطريقة التي جرى بها تقديم المرشح العربي المسلم في مواجهة عائلة الرئيس الأمريكي.
هجوم ترامب
ولم يكن اختيار عبد السيد لهذه المقارنة عابرًا، فالمرشح الديمقراطي الذي فاز قبل أيام بالانتخابات التمهيدية للحزب في ميشيغان، خاض حملته الانتخابية بمواقف صريحة تجاه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وانتقد الدعم الأمريكي لـ"إسرائيل"، ودعا إلى تغيير السياسة الأمريكية تجاه الحرب، كما وصف ما يجري في القطاع بأنه إبادة جماعية، ليصبح بذلك أحد أبرز الأصوات السياسية الأمريكية التي ترفض استمرار الدعم غير المشروط للاحتلال في وقت تتواصل فيه الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.
وجاء هجوم ترامب بعد أيام قليلة من تمكن عبد السيد من انتزاع ترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان، في انتخابات أولية كانت محط أنظار واسعة بسبب حجم الأموال التي ضختها جماعات مؤيدة لـ"إسرائيل" في محاولة لمنع وصوله إلى السباق العام. فقد أنفقت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك" والجماعات المرتبطة بها عشرات الملايين من الدولارات لدعم منافسته هايلي ستيفنز، في واحدة من أكثر المعارك الانتخابية تكلفة وتأثيرًا في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية.
ورغم هذه الحملة، تمكن عبد السيد من الفوز، في نتيجة اعتبرها مؤيدوه رسالة واضحة إلى المؤسسات السياسية الأمريكية التي راهنت على قدرة المال والضغط السياسي على إقصاء المرشح بسبب مواقفه من فلسطين، خصوصًا أن ميشيغان تضم واحدة من أكبر التجمعات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة، فيما تحولت الحرب على غزة خلال السنوات الأخيرة إلى قضية انتخابية مؤثرة لدى قطاعات واسعة من الناخبين في الولاية.
ولم يكن عبد السيد مرشحًا مجهولًا في الحياة السياسية الأمريكية، فهو طبيب وعالم أوبئة من أصول مصرية، شغل سابقًا منصب مدير الصحة في مقاطعة واين بولاية ميشيغان، وخاض في وقت سابق انتخابات حاكم الولاية، كما عرف بمواقفه التقدمية في قضايا الرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية، قبل أن ينتقل إلى معركة مجلس الشيوخ التي جعلت منه اليوم واحدًا من أبرز الوجوه المسلمة والعربية في السياسة الأمريكية.
غير أن مواقفه من فلسطين كانت العامل الأكثر إثارة للجدل في حملته، بعدما رفض تبني الخطاب التقليدي الذي يساوي بين دعم "إسرائيل" وبين ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية، وأصر على انتقاد الحرب على غزة والدعم العسكري الأمريكي للاحتلال، وهو ما وضعه في مواجهة مباشرة مع جماعات الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل" ومع أصوات داخل الحزب الديمقراطي حاولت تصوير مواقفه باعتبارها مشكلة سياسية وانتخابية.
هويته العربية
وبعد فوزه، لم تتوقف محاولات استهدافه عند حدود برنامجه السياسي، إذ انتقلت المواجهة إلى هويته الشخصية، واستخدم خصومه اسمه العربي ودينه في حملات سياسية وإلكترونية هدفت إلى تقديمه باعتباره مختلفًا عن الصورة التي يراد تكريسها للمواطن الأمريكي، وهو ما أعاد إلى الواجهة الجدل حول استخدام الهوية العربية والإسلامية كسلاح انتخابي في الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق جاء منشور ترامب الذي لم يكتف فيه بانتقاد عبد السيد سياسيًا، وإنما وضع صورته العائلية إلى جانب صورة المرشح مع زوجته، ثم كتب عبارة "أميركتان مختلفتان جدًا"، في خطوة رأى فيها منتقدون محاولة متعمدة لتحويل المنافسة السياسية إلى مواجهة على أساس الهوية، خصوصًا أن ترامب اختار إبراز اسم عبد السيد الكامل وهويته العربية في منشور الهجوم عليه.
ورد عبد السيد على ترامب بطريقة قلبت مسار الهجوم، إذ رفض الانجرار إلى المقارنة الشخصية التي حاول الرئيس الأمريكي فرضها، وأشار خلال ظهوره الإعلامي إلى علاقته بزوجته وأسرته، قبل أن يعيد النقاش إلى الخلاف السياسي الحقيقي، مؤكدًا أن المعركة لا تتعلق بصورة عائلية وإنما بنوع أمريكا التي يريد الأمريكيون أن يعيشوا فيها، وبالسياسات التي تخدم الناس بدلًا من توظيف الخوف والانقسام في المعارك الانتخابية.
ومن المنظور الفلسطيني، لا يمكن فصل هذا الاشتباك عن التحول الذي طرأ على موقع القضية الفلسطينية داخل السياسة الأمريكية، فالرجل الذي استهدفه ترامب اليوم ليس مجرد مرشح ديمقراطي ينافس الجمهوريين على مقعد في مجلس الشيوخ، وإنما أحد الأصوات الأمريكية التي جعلت من الحرب الإسرائيلية على غزة قضية داخلية مرتبطة بالسياسة الخارجية الأمريكية وبأموال دافعي الضرائب، ورفضت استمرار تقديم الدعم العسكري والسياسي للاحتلال في ظل ما يتعرض له الفلسطينيون من قتل وتجويع وتهجير.
وتكتسب المواجهة أهمية أكبر لأن عبد السيد تمكن من الوصول إلى هذه المرحلة رغم الحملة المالية والسياسية التي خاضتها جماعات مؤيدة لـ"إسرائيل" ضده، وهو ما أعاد طرح سؤال النفوذ الذي تمارسه هذه الجماعات على الانتخابات الأمريكية، ومدى قدرة الناخبين العرب والمسلمين والتقدميين على فرض قضاياهم داخل المؤسسات السياسية بدل إبقائها خارج الحسابات الانتخابية.
وبذلك تحولت عبارة ترامب "أميركتان مختلفتان جدًا" إلى عنوان لمواجهة تتجاوز العائلتين اللتين ظهرتا في الصورة، فهناك بالفعل خلاف عميق حول صورة أمريكا ودورها في العالم، وحول حدود دعمها للاحتلال الإسرائيلي، وحول ما إذا كان بإمكان صوت عربي مسلم أن يصل إلى واحدة من أهم المؤسسات السياسية الأمريكية من دون أن يتخلى عن موقفه من فلسطين.
ويستعد عبد السيد الآن لخوض الانتخابات العامة في نوفمبر/تشرين الثاني أمام المرشح الجمهوري مايك روجرز، في معركة ستكون واحدة من أكثر السباقات السياسية أهمية بالنسبة للجالية العربية والمسلمة والتيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، كما ستكون اختبارًا لمدى قدرة المرشح على تحويل الفوز الذي حققه في الانتخابات التمهيدية إلى انتصار نهائي، في مواجهة خصوم سياسيين يملكون إمكانات مالية وتنظيمية كبيرة.
أما ترامب، الذي أراد من الصورة أن يرسم حدًا فاصلًا بينه وبين المرشح المسلم، فقد كشف دون أن يقصد عن طبيعة المعركة التي تنتظر عبد السيد؛ معركة لا تتعلق فقط بمقعد في مجلس الشيوخ، وإنما بموقع الأمريكيين العرب والمسلمين في الحياة السياسية، وبقدرتهم على انتقاد السياسة الأمريكية تجاه "إسرائيل" من داخل المؤسسات، وبمدى استعداد الناخب الأمريكي للاستماع إلى صوت يقول إن ما يحدث في غزة ليس شأنًا خارجيًا بعيدًا، وإنما قضية ترتبط مباشرة بالقرار الأمريكي والأموال والأسلحة التي تصل إلى الاحتلال.
ترفض الرواية الإسرائيلية
وفي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي حربه على قطاع غزة، ويستمر الدعم الأمريكي لـ"إسرائيل"، تبدو المعركة التي يخوضها عبد السيد بالنسبة إلى الفلسطينيين أبعد من حدود ولاية ميشيغان؛ فهي تكشف أن فلسطين باتت حاضرة داخل واحدة من أكثر الساحات السياسية تأثيرًا في العالم، وأن الأصوات التي ترفض الرواية الإسرائيلية وتطالب بمحاسبة الاحتلال لم تعد محصورة في الشارع أو الجامعات أو الاحتجاجات، بل بدأت تصل إلى صناديق الاقتراع وإلى قلب المؤسسات السياسية الأمريكية.
ولهذا، فإن "الأميركتين" اللتين تحدث عنهما ترامب موجودتان بالفعل، لكن ليس بالمعنى الذي أراد أن يقدمه في صورته؛ إحداهما تتمسك بالانحياز للاحتلال وتتعامل مع فلسطين باعتبارها عبئًا سياسيًا، وأخرى تتسع داخل المجتمع الأمريكي وتطالب بأن تكون حياة الفلسطينيين وحقوقهم جزءًا من الحساب السياسي الأمريكي، وأن يكون العربي والمسلم مواطنًا كامل الحضور في صناعة القرار، لا هدفًا لحملات التشويه والاستهداف بسبب اسمه أو موقفه أو تضامنه مع شعب يتعرض للحرب والإبادة.