خاص / شهاب
يرى المختص في الشأن "الإسرائيلي" الدكتور مأمون أبو عامر أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يحاول إعادة توجيه مسار خطة غزة نحو تنفيذ المطالب الإسرائيلية، بحيث يصبح نزع سلاح حركة حماس وتسليمه وتدميره نقطة البداية الفعلية لأي انتقال إلى المراحل التالية، في وقت لم تُنفذ فيه بعد الاستحقاقات التي يفترض أن تسبق هذه الخطوة.
وقال أبو عامر إن اجتماع المبعوث الأميركي جاريد كوشنر مع قيادة حركة حماس في القاهرة، والاستماع إلى موقفها من خارطة الطريق المكونة من 15 بندًا، خصوصًا في ما يتعلق بموضوع السلاح، أعقبه انتقاله إلى تل أبيب ولقاؤه نتنياهو لأكثر من أربع ساعات من أجل وضع آلية للتنفيذ، إلا أن الموقف الإسرائيلي عاد ليؤكد المطالب السابقة.
وأوضح أن ذلك "يؤكد أن نتنياهو يحاول أن يغير الأمور كلها أو يوجه الأمور باتجاه واحد"، يتمثل في أن تبدأ العملية بجمع السلاح وتسليمه وتدميره، مشيرًا إلى أن رئيس حكومة الاحتلال يريد تقديم ذلك للجمهور الإسرائيلي باعتباره الإنجاز الأساسي للخطة، أي أن حماس سلّمت سلاحها وخرجت من السلطة.
لكن أبو عامر يرى أن هذا الطرح يصطدم بعقبة أساسية، تتمثل في أن عملية نزع السلاح لا يمكن أن تبدأ من نهايتها، إذ "لا يمكن أن يتحقق كل هذه الأمور بدون أن يكون هناك خطوات سابقة بهذا الاتجاه".
وبيّن أن هذه الخطوات تبدأ بتنفيذ "إسرائيل" استحقاقات المرحلة الأولى، والسماح بدخول اللجنة الوطنية إلى قطاع غزة، وانتشار الشرطة الفلسطينية وبدء عملها، وصولًا إلى تهيئة الظروف التي يمكن فيها للجنة أن تقوم بمهمة جمع السلاح.
وقال إن عدم تنفيذ هذه الخطوات يعني عمليًا عدم وجود عملية حقيقية لتسليم السلاح إلى اللجنة الوطنية، وبالتالي استمرار "الدوران في نفس المكان"، موضحًا أن هناك "خطة نظرية للتنفيذ لكن خطة بدء عملية التنفيذ غير موجودة".
وأضاف أن "إسرائيل" تعرقل التنفيذ وتطالب في الوقت نفسه بما وصفه بـ"المستحيل"، ولذلك فإن ملف نزع السلاح، وفق تقديره، سيظل معلقًا ما لم تبدأ الخطوات الميدانية التي يفترض أن تسبقه.
وفي مقابل هذا التعطيل، يرى أبو عامر أن الإدارة الأميركية لا تبدو ذاهبة في المرحلة الحالية إلى مواجهة مفتوحة مع نتنياهو، وإنما تبحث عن صيغة تسوية تسمح للطرفين بالخروج من المأزق القائم.
واوضح إن الإدارة الأميركية "بحاجة إلى إنجازات عملية في هذه المرحلة"، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية، مشيرًا إلى أن استمرار وجود الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة يجعل من الصعب على الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقديم ملف غزة باعتباره إنجازًا في مسار السلام بالشرق الأوسط.
ولفت إلى أن غزة "ليست مسألة هامشية"، بل أصبحت قضية حاضرة بقوة في الإعلام الاجتماعي الأميركي، ومرتبطة بصورة الإدارة الأميركية وموقفها من قتل المدنيين والاتهامات الموجهة إلى "إسرائيل" بارتكاب المجازر، وهو ما ينعكس بدوره على القوى السياسية الأميركية المؤيدة لـ"إسرائيل".
وأشار أبو عامر إلى أن الإدارة الأميركية قد تكون قادرة على تحمل خسارة مجلس النواب، لكنها تخشى خسارة مجلس الشيوخ، لأن ذلك "سيؤدي إلى محاصرة الرئيس بشكل كبير"، ويفتح الباب أمام ضغوط سياسية ومحاسبة في ملفات متعددة.
ومن هنا، يرى أن ترامب بحاجة إلى تحقيق تقدم في غزة، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها في الملف الإيراني، لكنه في الوقت ذاته لا يملك، وفق تقديره، مساحة مفتوحة لاتخاذ إجراءات قاسية ضد نتنياهو، في ظل ما وصفه بتحصنه بحلفاء داخل البيت الأبيض، إلى جانب دعم اللوبي الإنجيلي المسيحي المؤيد لـ"إسرائيل".
ولذلك يرجح أبو عامر أن يكون الاتجاه نحو "تسوية مع الحكومة ومع نتنياهو لإيجاد مخرج يعيش منه الطرفان"، بدل الذهاب إلى مواجهة سياسية مباشرة.
وبينما تبقى الملفات السياسية الكبرى عالقة، يلاحظ أبو عامر تغيرًا في مستوى العمليات الإسرائيلية داخل قطاع غزة، إذ يشير إلى انخفاض ملحوظ في حجم القتل والتدمير مقارنة بالمراحل السابقة، رغم استمرار الملاحقات.
ويرى أن المرحلة المقبلة قد تشهد استهدافات محددة لعناصر من المقاومة الفلسطينية، خصوصًا ممن شاركوا في العمل العسكري، لكن ضمن "أهداف ثابتة وواضحة"، وبالاستناد إلى قوائم محددة يجري تشخيصها باعتبارها أهدافًا مهمة وحيوية للأمن الإسرائيلي وتخدم السياسة الإسرائيلية.
وأوضح أن تحويل هذا الملف إلى مستوى رئيس الأركان قد يفرض قدرًا أكبر من المحدودية على قرارات التصعيد، بحيث لا تكون الملاحقات مفتوحة بالشكل الذي كانت عليه سابقًا، وإنما مرتبطة بأهداف محددة ومثبتة.
وفي الجانب الإنساني، يتوقع أبو عامر إمكانية حدوث تحسن نسبي، خصوصًا مع الحديث عن تشكيل لجان لجمع السلاح والعمل الإنساني وتحسين الأوضاع، إلى جانب فتح المعابر، لكنه يستبعد أن تكون هذه المعابر مفتوحة بصورة كاملة.
ويعتقد أبو عامر أن العقدة الأساسية ستظل مرتبطة بملفي السلاح والانسحاب الإسرائيلي، إذ إن انتقال عملية نزع السلاح إلى مرحلة التنفيذ يعني، في المقابل، الانتقال نحو ترتيبات الانسحاب، وهو ما يجعل الطرف الإسرائيلي أكثر تشددًا في التعامل مع هذه المرحلة.
ويربط أي تقدم في هذا المسار بوصول اللجنة الوطنية إلى قطاع غزة، إلى جانب وصول عدد أكبر من قوات الاستقرار الدولية إلى المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، وهي عملية تحتاج بدورها إلى وقت لترتيب انتشار هذه القوات.
وبناءً على ذلك، يرجح أبو عامر أن تبقى المرحلة المقبلة محكومة بـالتعليق والبطء في الملفات الأساسية، مع إمكانية تحقيق تقدم محدود في الجانب الإنساني وبعض الترتيبات الميدانية، بينما يظل نزع السلاح والانسحاب من "الخط الأصفر" معلقين، ما لم يحدث تقدم فعلي في دخول اللجنة الوطنية وانتشار قوات الاستقرار الدولية.