قائمة الموقع

تقرير المياه مقطوعة بين شلّ الآبار وتوقف الشاحنات.. أزمة الوقود تعمّق عطش النازحين في غزة

2026-08-19T11:18:00+03:00
وكالة شهاب

خاص / شهاب

تتفاقم أزمة المياه في مخيمات النزوح بقطاع غزة مع استمرار أزمة الوقود، التي تسببت في توقف عدد من مركبات نقل المياه عن العمل، وعدم قدرتها على الوصول بشكل منتظم إلى أماكن وجود النازحين. مما يضطر العائلات إلى انتظار وصول المياه، أو حمل أوعيتها والسير لمسافات طويلة لتوفير المياه اللازمة للشرب والغسيل والاستحمام وباقي احتياجاتهم اليومية.

في مخيم للنازحين وسط خانيونس، تعيش سعاد كوارع، 62 عامًا، مع عائلتها الممتدة المكونة من نحو 23 شخصًا، وتنتظر يوميًا وصول مركبات نقل المياه إلى المخيم.

شهران بلا ماء

تقول كوارع لـ"شهاب": إن المركبات التي كانت تصل إلى المنطقة بشكل شبه منتظم لم تعد تأتي يوميًا، بعدما توقفت مركبات عدة عن العمل بسبب نقص السولار والزيوت وقطع الغيار.

وتقول: "قبل أشهر كانت مركبات نقل المياه تأتي إلى المنطقة بشكل مستمر، وكانت الكميات التي تصل تساعدنا على تدبير احتياجاتنا، لكن اليوم كثير من المركبات توقفت عن العمل بسبب نقص السولار والزيوت وقطع الغيار".

وعندما لا تصل المياه، تخرج كوارع برفقة اثنين من أبنائها، وتحمل أوعيتها وتسير نحو 600 متر للوصول إلى مكان تتوفر فيه المياه.

وتقول: "نخرج أنا واثنان من أبنائي ونمشي مهما كانت الظروف حتى نصل إلى المياه، ونعود محملين بما نستطيع حمله، لأننا لا نستطيع البقاء من دون ماء".

لكن الكمية التي تتمكن من جلبها لا تكفي عائلتها طويلًا، فهي مخصصة للشرب والطهي والغسيل والاستحمام، إلى جانب احتياجات أخرى لا يمكن الاستغناء عنها.

وتوضح: "المياه التي نحصل عليها تنتهي بسرعة، فنحن 23 شخصًا، ولدينا أطفال وكبار سن، والماء نحتاجه لكل شيء، للشرب والغسيل والاستحمام، وليس من السهل أن نوفر كل هذه الاحتياجات بهذه الكميات القليلة".

ولا ترى كوارع أن المشكلة تقتصر على صعوبة الحصول على المياه، إذ تبدأ الأزمة من توقف مركبات نقلها ومحطات التحلية عن العمل، في ظل نقص الوقود ومستلزمات التشغيل.

وتقول: "مشكلة المياه من أكثر المشاكل التي تزيد معاناة النازحين في كل أنحاء قطاع غزة، وعدد من أصحاب مركبات نقل المياه ومحطات التحلية أخبرونا أن سبب توقفهم يعود إلى نقص مقومات العمل، التي يمنع الاحتلال الإسرائيلي إدخالها إلى القطاع".

وتبقى كوارع وعائلتها أمام خيارين يوميًا؛ انتظار مركبات المياه على أمل وصولها إلى المخيم، أو الخروج مجددًا بحثًا عنها، فيما تحتاج عائلة من 23 شخصًا إلى كميات أكبر مما تستطيع توفيره في كل مرة.

ولا تقتصر أزمة نقل المياه على العائلات التي تنتظر وصولها، بل تطال أيضًا أصحاب المركبات التي كانت تؤمن نقل المياه إلى مخيمات النزوح.

في دير البلح وسط قطاع غزة، توقفت شاحنتا المياه اللتان يعمل عليهما محمود منصور، 36 عامًا، منذ نحو شهرين، بعدما تعطلت إحداهما بسبب حاجتها إلى زيت للمحرك، فيما أصيبت الأخرى بعطل في أجزاء من محركها، ولم يتمكن من توفير قطع الغيار اللازمة لإصلاحها.

يقول منصور إنه كان يعمل برفقة شقيقه في نقل المياه من محطات التحلية والآبار إلى مخيمات النزوح وأماكن تجمع المواطنين، وكانت الشاحنتان تنقلان يوميًا نحو 10 آلاف لتر من المياه إلى مئات العائلات في المنطقة الوسطى.

توقفت الشاحنات

ويقول: "كنا نعمل يوميًا في نقل المياه إلى مخيمات النازحين والمواطنين، وكانت الشاحنتان تتحركان بين محطات التحلية والآبار وأماكن تجمع العائلات، لكن منذ شهرين توقفتا عن العمل".

ويضيف أن إحدى الشاحنتين تحتاج إلى زيت محرك غير متوفر، فيما تحتاج الأخرى إلى قطع غيار لإصلاح العطل الذي أصاب محركها.

ويقول: "إحدى الشاحنات تحتاج إلى زيت للمحرك، والثانية فيها عطل في المحرك، وحاولنا إصلاحها، لكننا لم نجد قطع الغيار اللازمة. الموجود في السوق قليل، وما نحتاجه تحديدًا غير متوفر".

ويشير منصور إلى أن الشاحنتين كانتا تنقلان المياه إلى مئات العائلات، في وقت تعتمد فيه مخيمات النزوح على الصهاريج لتوفير المياه.

ويقول: "الشاحنتان كانتا شريان حياة رئيسيًا لآلاف النازحين في المنطقة الوسطى، وكنا ننقل يوميًا نحو 10 آلاف لتر من المياه، لكن توقفهما حرم عائلات كثيرة من الكميات التي كانت تصلها".

ويقول: "لدينا عقود مع مؤسسات حتى نهاية العام، وكان المفترض أن نواصل العمل، لكن توقف الشاحنات منعنا من تنفيذها. نحن جاهزون للعودة إلى العمل فور توفر الزيت وقطع الغيار وإصلاح الشاحنات".

ويؤكد منصور أن توقف مركبات نقل المياه ينعكس مباشرة على العائلات التي تنتظر وصولها، خصوصًا في مخيمات النزوح، التي تعتمد بصورة كبيرة على المياه المنقولة بالصهاريج.

لكن أزمة المياه لا تبدأ عند مرحلة نقلها فقط، إذ تضررت مصادر المياه نفسها خلال الحرب، فيما أدى نقص الوقود والزيوت إلى تعطيل جزء من عمليات ضخ المياه من الآبار وتشغيل محطات التحلية.

ويحذر رئيس بلدية خانيونس ونائب رئيس اتحاد بلديات قطاع غزة، علاء الدين البطة، من تفاقم أزمة المياه مع استمرار نقص الزيوت والوقود اللازمين لتشغيل مولدات الآبار ومحطات الضخ.

آليات متهالكة

ويقول البطة إن الزيوت أُدخلت إلى 40 مولدًا فقط من أصل نحو 700 مولد في قطاع غزة، فيما لا تزال بقية المولدات تواجه نقصًا في مستلزمات التشغيل، ما أثر مباشرة في قدرة الآبار ومحطات الضخ على العمل.

ويوضح أن البلديات تضطر إلى تشغيل ما يتوفر لديها من مولدات رغم تهالكها وكثرة أعطالها، لأن توقف أي مولد يعني توقف ضخ المياه عن السكان، مشيرًا إلى أن بعض المناطق لا تصلها المياه إلا مرة واحدة في الأسبوع نتيجة شح الوقود.

ويقول: "البلدية مجبرة على شراء الزيت والسولار بأي سعر حتى لا تتوقف الخدمات، لأن توقف المولد يعني انقطاع ضخ المياه عن المواطنين، الذين تصلهم المياه بصعوبة بالغة ومرة واحدة في الأسبوع نتيجة شح الوقود".

ويضيف البطة أن استمرار نقص مستلزمات التشغيل يهدد بتراجع أكبر في خدمات المياه، خصوصًا أن الآبار ومحطات الضخ تعتمد بصورة أساسية على المولدات في ظل محدودية مصادر الطاقة.

وتزداد المشكلة في مخيمات النزوح التي تعتمد على المياه المنقولة من الآبار ومحطات التحلية، إذ إن أي توقف في عمليات الضخ ينعكس مباشرة على كميات المياه التي تصل إلى هذه المناطق، في وقت تعاني فيه مركبات النقل نفسها من نقص الوقود والزيوت وقطع الغيار.

وهكذا تتداخل حلقات الأزمة؛ تبدأ من تضرر مصادر المياه، وتمتد إلى صعوبة تشغيل الآبار ومحطات الضخ، ثم تصل إلى مركبات نقل المياه، قبل أن تنتهي آثارها عند العائلات النازحة التي تنتظر وصول المياه إلى خيامها.

ويقول مدير عام سلطة المياه في قطاع غزة، منذر سالم، لـ"شهاب"، إن المواطنين يواجهون صعوبة كبيرة في الحصول على احتياجاتهم اليومية من المياه، في ظل الأضرار التي لحقت بالآبار ومحطات التحلية، إلى جانب نقص الوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المركبات والمولدات.

أزمة متراكمة

ويضيف: "المواطنون يواجهون معاناة شديدة في الحصول على احتياجاتهم اليومية من المياه، نتيجة أزمات متراكمة بدأت بتدمير الآبار ومحطات التحلية، قبل أن تنضم إليها أزمات الوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المركبات والمولدات".

ويشير سالم إلى أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة دمرت أكثر من 210 آبار من أصل 320 بئرًا كانت موجودة في القطاع، فيما دُمر نحو 80% من محطات التحلية التي كانت تزود السكان بمياه الشرب.

ويقول إن هذه الأضرار انعكست بشكل مباشر على كمية المياه المتاحة للسكان، إذ تراجعت حصة الفرد من نحو 85 لترًا يوميًا قبل الحرب إلى نحو 22 لترًا في أفضل الأحوال حاليًا، وفق أحدث التقارير والأبحاث الدولية.

كما تراجع إنتاج المياه في القطاع من نحو 300 ألف متر مكعب يوميًا قبل الحرب إلى قرابة 120 ألف متر مكعب حاليًا، بحسب سالم.

وتظهر هذه الأرقام حجم التراجع الذي أصاب منظومة المياه في قطاع غزة، حيث لا يقتصر العجز على تضرر الآبار ومحطات التحلية، بل يمتد إلى المولدات التي تحتاج إلى الوقود والزيوت لتشغيلها، ثم إلى مركبات نقل المياه التي تحتاج بدورها إلى الوقود وقطع الغيار للوصول إلى مخيمات النزوح.

وفي ظل هذه السلسلة المتصلة من الأعطال والنقص، لا تتحول أزمة المياه بالنسبة إلى النازحين إلى مجرد نقص في الكمية المتاحة، بل إلى رحلة يومية للبحث عنها، تبدأ بانتظار الصهريج وقد تنتهي بالسير مئات الأمتار لحمل ما يكفي العائلة لساعات أو أيام قليلة.

اخبار ذات صلة