قائمة الموقع

أطباء أمريكيون يكشفون الوجه الأكثر وحشية لحرب "إسرائيل": كيف تحوّل العلاج إلى معركة ضد الموت

2026-08-22T09:00:00+03:00

لم تكن المستشفيات في قطاع غزة خلال حرب الإبادة "الإسرائيلية" مجرد أماكن لعلاج الجرحى، بل تحولت إلى خطوط مواجهة يومية مع الموت، حيث يصل الأطفال غارقين بالدماء، وتتكدس الإصابات في غرف الطوارئ، ويضطر الأطباء إلى اتخاذ قرارات قاسية بشأن من يمكن إنقاذه أولًا، بينما تتناقص الأدوية والمستلزمات الطبية ويلاحق القصف المرضى والطواقم الطبية حتى داخل أماكن يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا.

توثيق الكارثة 

هذه التفاصيل ينقلها ثلاثة أطباء أمريكيين تطوعوا للعمل داخل غزة، هم طبيب الطوارئ الفلسطيني الأمريكي ثائر أحمد، وجراح العظام مارك بيرلموتر، وجراح الإصابات فيروز سيدوا، في فيلم وثائقي جديد بعنوان "الطبيب الأمريكي"، يوثق جانبًا من الكارثة التي عاشتها المنظومة الصحية الفلسطينية خلال الحرب.

وفي مقابلة مع موقع "ذا إنترسبت"، تناولها الفيلم وصنّاعه، يروي الأطباء ما شاهدوه داخل المستشفيات، وكيف وجدوا أنفسهم أمام نظام صحي أنهكته حرب الإبادة والحصار الإسرائيلي، بينما كان المرضى الفلسطينيون يدفعون ثمن انهيار كل حلقة من حلقات العلاج، بدءًا من نقص الدواء وصولًا إلى إغلاق طرق الإجلاء الطبي.

ويظهر الفيلم منذ مشاهده الأولى أطفالًا مصابين بجروح بالغة، يصلون إلى المستشفى في حالة صدمة وقد غطت الدماء أجسادهم، قبل أن يبدأ الأطباء محاولة إنقاذهم وسط اكتظاظ شديد ونقص في الإمكانات.

وفي مشهد آخر، يظهر الأطباء وهم يحزمون مستلزمات طبية أساسية استعدادًا لدخول غزة، فيما يخفي بيرلموتر مضادات حيوية داخل حقيبته، في صورة تكشف حجم النقص الذي كان ينتظرهم داخل القطاع؛ فحتى الدواء الذي يفترض أن يكون متاحًا في أي مستشفى كان على الطبيب أن يفكر في كيفية إدخاله معه.

ويقول أحمد إن العاملين الصحيين في غزة يواصلون يوميًا العمل في ظل نقص المواد اللازمة لعلاج المرضى، وضيق المساحات، وغياب أبسط الضمانات الأمنية التي تسمح لهم بممارسة مهنتهم بصورة طبيعية.

لكن ما يلفت إليه الطبيب الفلسطيني الأمريكي هو أن الكارثة الصحية لا تتعلق فقط بالجرحى الذين تصل أجسادهم إلى المستشفيات بعد الغارات، وإنما تشمل آلاف المرضى الذين يحتاجون إلى علاج وعمليات جراحية لا يستطيع الأطباء توفيرها.

ويشير إلى مرضى القلب والسكري الذين يحتاجون إلى عمليات أو إجراءات طبية أساسية، لكن المستلزمات المطلوبة غير متاحة داخل غزة، رغم وجودها في دول مجاورة مثل مصر والأردن، حيث تمنع القيود الإسرائيلية وصولها إلى المرضى الفلسطينيين.

وبحسب أحمد، فإن واحدة من أوضح صور انهيار المنظومة الصحية تتمثل في قوائم المرضى الذين ينتظرون الإجلاء الطبي خارج القطاع، والتي تتراوح تقديراتها بين 15 و18 ألف شخص.

ومن بين هؤلاء أطفال مصابون بالسرطان، وهي حالات يمكن علاجها في الظروف الطبيعية، لكنهم يواجهون خطر الموت لأنهم لا يستطيعون مغادرة غزة والوصول إلى مستشفيات متخصصة في القدس المحتلة.

ويوضح أحمد أن ممرًا طبيًا كان يتيح للمرضى الفلسطينيين الوصول إلى مستشفيات مثل المقاصد وأوغوستا فكتوريا قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكن هذا الممر أُغلق، ليجد أطفال مرضى أنفسهم محرومين من علاج يمكن أن ينقذ حياتهم.

وهنا تكشف شهادة الطبيب أحد أكثر وجوه الحرب قسوة: فالمريض لا يموت بالضرورة لأنه أصيب في قصف، وإنما قد يموت لأن الاحتلال يمنعه من الوصول إلى العلاج، أو يمنع وصول الدواء إليه، أو يغلق الطريق الذي كان يمكن أن ينقله إلى المستشفى.

ولا تقف تداعيات انهيار القطاع الصحي عند أبواب المستشفيات، إذ يصف أحمد واقعًا إنسانيًا انهارت فيه الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصرف صحي ومأوى، في وقت يعيش فيه النازحون الفلسطينيون داخل مخيمات مكتظة ومدن من الخيام.

وفي هذه البيئة، تنتشر الأمراض المعدية ويتفاقم سوء التغذية بين الأطفال، ويتحدث أحمد عن تفشي أمراض مثل جدري الماء في مخيمات النازحين، إلى جانب أمراض أخرى تجد بيئة خصبة للانتشار مع غياب المياه النظيفة والصرف الصحي والخدمات الطبية الكافية.

ويؤكد الطبيب أن هذه الأوضاع لم تنتهِ مع الإعلان عن وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، إذ استمر القصف الإسرائيلي وسقط أكثر من 1200 فلسطيني منذ بدء سريان الاتفاق، وفق ما أورده "ذا إنترسبت" نقلًا عن خبراء الأمم المتحدة.

ويقول أحمد إنه لا يرى في الظروف الراهنة ما يضمن تحسن الوضع، محذرًا من أن استمرار الخلافات السياسية حول مستقبل غزة ورفض رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق قد يدفع الأوضاع نحو مزيد من التدهور.

وفي ظل ذلك، تبقى المستشفيات الفلسطينية تحمل آثار الحرب حتى في الفترات التي يُعلن فيها عن وقف إطلاق النار؛ مرضى ينتظرون عمليات لا تتوافر مستلزماتها، وأطفال ينتظرون الإجلاء، وطواقم طبية تعمل في منشآت تفتقر إلى المواد الأساسية، بينما يظل خطر استئناف القصف قائمًا.

ساحة الحرب

يؤكد الفيلم أن استهداف المنظومة الصحية لم يكن تفصيلًا هامشيًا في حرب غزة، إذ وجد الأطباء أنفسهم يعملون داخل مستشفيات تعرضت للهجمات، فيما تعرض العاملون الصحيون للاستهداف والقتل والاعتقال، وفق ما يوثقه الفيلم وما يستحضره الأطباء من تجربتهم داخل القطاع.

ويقول أحمد إن المطلب الذي حمله الأطباء إلى العالم كان بسيطًا: عدم استهداف المستشفيات. لكن تجربة الأطباء تكشف أن المستشفى نفسه أصبح جزءًا من ساحة الحرب، وأن الطواقم الطبية اضطرت إلى محاولة إنقاذ المرضى في الوقت الذي كانت فيه تحاول حماية نفسها من القصف.

ويستعيد الفيلم تجربة بيرلموتر، الطبيب اليهودي الأمريكي، الذي يقول إنه لم يكن يعرف الكثير عن غزة قبل دخوله إليها، وإنه كان يحمل تصورًا مسبقًا عن سكانها، لكنه واجه داخل المستشفيات واقعًا مختلفًا تمامًا عندما رأى الأطفال والجرحى والدمار بعينيه.

وتكشف هذه الشهادة أهمية خاصة في الفيلم، لأن بيرلموتر لم يدخل غزة بصفته فلسطينيًا أو ناشطًا سياسيًا، وإنما كطبيب جاء لأداء عمله، ثم وجد نفسه أمام مشاهد أجبرته على إعادة النظر في الصورة التي حملها سابقًا عن الفلسطينيين.

أما أحمد، فيرى أن موقف بيرلموتر يمثل أهمية في الولايات المتحدة، لأن صوته، بحكم هويته وموقعه، قد يصل إلى جمهور أمريكي أوسع، ويستطيع أن يقول أشياء قد يكون من الأصعب على الطبيب الفلسطيني قولها في البيئة السياسية والإعلامية الأمريكية.

ويقول إن الفلسطينيين اعتادوا على مواجهة روايات إعلامية وثقافية تنتقص من إنسانيتهم، وإن أحد جوانب معركتهم خلال الحرب كان يتمثل في استعادة حقهم في رواية ما يحدث لهم بأنفسهم.

بعد عودتهم من غزة، لم تنتهِ مهمة الأطباء الثلاثة، إذ بدأوا بمحاولة نقل ما شاهدوه داخل المستشفيات إلى وسائل الإعلام والكونغرس والرأي العام الأمريكي.

لكن المخرجة بوه سي تينغ تقول إن الأطباء واجهوا بعد عودتهم ضغوطًا وانتقادات، وإن شهاداتهم اصطدمت في أحيان كثيرة بطريقة إعلامية تتعامل بحذر شديد مع ما يقولونه، رغم أنهم كانوا يتحدثون عن مشاهد عاشوها بأنفسهم.

ولهذا، لم يكتفِ الفيلم بعرض ما شاهده الأطباء في غزة، وإنما وثق أيضًا ظهورهم في وسائل الإعلام الأمريكية، والطريقة التي طُرحت بها الأسئلة حول الحرب والمساعدات واستهداف المدنيين.

وتشير تينغ إلى أمثلة رأت فيها أن بعض المقابلات الإعلامية تعاملت مع شهادات الأطباء بشأن استهداف المدنيين بوصفها ادعاءات تحتاج إلى التحقق، بينما جرى تجاهل الحصار الإسرائيلي عند مناقشة أسباب نقص المساعدات داخل غزة.

شهادات للعالم 

وترى أن عرض هذه المقابلات داخل الفيلم كان ضروريًا لإظهار المعركة التي يخوضها الأطباء بعد خروجهم من غزة؛ فليس المطلوب منهم فقط إنقاذ المرضى، وإنما أيضًا محاولة إيصال ما رأوه إلى جمهور لا يستطيع رؤية المشهد بنفسه.

وتقول تينغ إن منع الصحفيين الدوليين من دخول غزة جعل الصحفيين والمصورين الفلسطينيين الموجودين داخل القطاع، إلى جانب الأطباء والعاملين الصحيين، شهودًا أساسيين على الحرب.

وكان فريق فلسطيني داخل غزة قد ساهم في تصوير أجزاء من الفيلم، من بينها مشاهد صُورت داخل مجمع ناصر الطبي، بعدما تعذر على المخرجة نفسها دخول القطاع.

وتقول تينغ إن العمل على الفيلم لم يكن ممكنًا بجهد فردي، بل اعتمد على فرق من دول عدة، وعلى صحفيين ومصورين فلسطينيين واصلوا العمل داخل غزة في الوقت الذي كانوا فيه يعيشون الحرب ذاتها.

ولم يكتفِ الأطباء بعرض شهاداتهم في وسائل الإعلام، بل حاولوا نقلها إلى أعضاء الكونغرس الأمريكي، في محاولة لدفع السياسيين إلى التحرك.

ويستعيد أحمد لقاءات أجراها مع أعضاء في مجلس الشيوخ في بدايات الحرب، عندما كان مستشفى الشفاء محاصرًا، وكان عشرات الأطفال حديثي الولادة في وحدة العناية المركزة يواجهون خطر الموت.

ويقول إنه طالب حينها بوقف إطلاق النار، لكن أحد أعضاء مجلس الشيوخ أبلغه بأن المصطلح "عسكري" وأن الأولوية في ذلك الوقت يجب أن تكون لتأمين المساعدات الإنسانية.

ويرى أحمد أن الخطاب الأمريكي تغير لاحقًا مع ظهور صور المجاعة والدمار على نطاق أوسع، لكنه يعتقد أن التغير في الخطاب لم يتحول بعد إلى تغيير مماثل في السياسة.

ويشير إلى تنامي أصوات أمريكية تنتقد استمرار الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط، وتطالب بتوجيه الموارد إلى الرعاية الصحية والتعليم والخدمات التي يحتاج إليها الأمريكيون أنفسهم.

لكن أحمد يحذر في الوقت نفسه من أن التغيير السياسي لا يزال يواجه مقاومة كبيرة، رغم التحولات التي يقول إنه شاهدها خلال العامين ونصف العام الماضيين.

في النهاية، لا يقدم الأطباء الثلاثة أنفسهم بوصفهم محللين سياسيين للحرب، وإنما كشهود دخلوا المستشفيات الفلسطينية وعملوا فيها، ولمسوا بأيديهم نتائج القصف والحصار والانهيار الصحي.

إبادة صحية 

فما شاهدوه كان طفلًا يصل إلى غرفة الطوارئ غارقًا بالدماء، ومريض سرطان ينتظر الإجلاء، ومريض قلب لا يستطيع الحصول على مستلزمات عملية، وطبيبًا يخفي مضادًا حيويًا داخل حقيبته، وطواقم طبية تعمل في مستشفيات لا تملك ما يكفي من الأدوية أو الأمن أو المساحة.

وتكشف شهاداتهم أن الجحيم الذي عاشته مستشفيات غزة لم يكن لحظة عابرة مرتبطة بالغارات، بل منظومة كاملة من الضغوط التي طالت المستشفى والطبيب والمريض والدواء والطريق إلى العلاج.

وفي غزة، حيث كان الطبيب يفترض أن يواجه المرض وحده، وجد نفسه خلال حرب الإبادة الإسرائيلية أمام القصف والحصار ونقص الإمدادات وانهيار الخدمات الأساسية، بينما كان المرضى الفلسطينيون يدفعون ثمن ذلك بأجسادهم وحياتهم.

ولهذا تأتي شهادة الأطباء الأمريكيين الثلاثة لتضع العالم أمام صورة أكثر وضوحًا لما جرى داخل مستشفيات القطاع: مستشفيات حاصرتها الحرب، وأطباء قاتلوا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومرضى حُرموا من علاج كان متاحًا لهم، وأطفال تُركوا أمام أمراض قابلة للعلاج لأن الاحتلال أغلق الطريق إلى الدواء والمستشفى.

وبينما تستمر النقاشات السياسية حول وقف إطلاق النار ومستقبل قطاع غزة، تبقى الشهادة التي حملها الأطباء من داخل المستشفيات أكثر مباشرة من أي بيان سياسي: هناك منظومة صحية فلسطينية دُفعت إلى حافة الانهيار، وهناك مرضى ما زالوا ينتظرون العلاج، وهناك أطباء واصلوا العمل تحت الخطر، فيما تحولت المستشفيات التي يفترض أن تحمي الحياة إلى أحد أكثر الأماكن قسوة في حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.

اخبار ذات صلة