قائمة الموقع

تقرير كيف يتحوّل منع الزيوت والإطارات إلى أداة تعطيل للحياة في غزة

2026-08-23T14:16:00+03:00
شهاب

تقرير - شهاب

في قطاع غزة، لم تعد أزمة النقل مسألة ازدحام أو ارتفاع أجرة. صارت مسألة حياة أو موت: سيارة إسعاف تقف على جانب الطريق لأن محرّكها احترق ولا بديل لزيته، وشاحنة مساعدات محمّلة بالطحين تُشطب من جدول التسليم لأن إطارها انفجر ولا إطار بديل، وصهريج مياه يتوقف عن الدوران بين خيام النازحين لأن قطعة صغيرة في مضخّته لم تدخل عبر المعابر منذ أكثر من عامين.

وثّقت منظمة «أطباء بلا حدود» في بيانها الصادر في 12 أغسطس 2026 أن سعر لتر زيت المحرّك في غزة تجاوز بنهاية يوليو 1300 دولار أمريكي، بعد أن تضاعف السعر عشرين مرة خلال ستة أشهر فقط.

وقال فيليب ريبيرو، رئيس بعثة المنظمة في فلسطين، في تصريح مرافق للبيان: «ما نشهده في غزة ليس سلسلة من حالات النقص المنفصلة، بل سياسة استنزاف مُصمَّمة بعناية»، مضيفاً: «هذه ليست بيروقراطية، بل جهد متعمّد لجعل الوجود نفسه مستحيلاً».

 

الأرقام التي تروي الانهيار

قبل أكتوبر 2023، كان في قطاع غزة نحو 1200 شاحنة تتولى نقل السلع والمساعدات والوقود بين المعابر والأسواق ومراكز التوزيع. اليوم، لم يتبقّ منها في الخدمة الفعلية سوى نحو 300 شاحنة فقط، أي ما يعادل 25% من الأسطول الأصلي، بحسب ما وثّقه المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في تقريره الصادر في 9 أغسطس 2026.

الفارق بين ما تبقّى وما يعمل هو جوهر القصة. يقول ناهض شحيبر، رئيس جمعية أصحاب النقل الخاص في غزة، «لم يتبقّ سوى نحو 400 شاحنة بعد القصف والتدمير الإسرائيليَّين، منها نحو 100 شاحنة خارج الخدمة بسبب القيود المفروضة على إدخال قطع الغيار والإطارات والزيوت والبطاريات». أي أن ربع ما نجا من القصف تعطّل لاحقاً — لا بفعل صاروخ، بل بفعل قطعة غيار ممنوعة.

ويضيف المرصد الأورومتوسطي أرقاماً أخرى للصورة: أكثر من 150 شاحنة دُمّرت أو تضرّرت مباشرة، ونحو 150 مكتباً ومستودعاً لشركات النقل سُوّيت بالأرض، فيما قُتل أكثر من 20 سائقاً — أربعة منهم بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 — واعتُقل 15 سائقاً، وصودرت 23 شاحنة تجارية.

أما على مستوى المركبات المدنية، فقد قدّر أنيس عرفات، الناطق باسم وزارة النقل والمواصلات في غزة ، خسائر القطاع بنحو 2.8 مليار دولار، مع تضرّر 60–70% من المركبات المدنية، وتدمير أكثر من 70% من شبكة الطرق — وهو عامل مضاعف يستهلك ما تبقّى من المركبات بوتيرة أسرع.

 

كيف تُصنَّف قطعة غيار كـ«سلاح»

لا يقوم المنع على حظر معلن، بل على آلية تصنيف. تُدرج سلطات الاحتلال «قطع غيار الشاحنات» ضمن قائمة المواد مزدوجة الاستخدام (dual-use)، وهي القائمة ذاتها التي تشمل المولدات والبطاريات والألواح الشمسية ووحدات تنقية المياه والمعدّات المتخصصة.

ووفق تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فإن طلبات المنظمات الإنسانية لإدخال «المركبات ومعدّات الطاقة والآليات المتخصصة وقطع غيار الشاحنات» تُرفض بشكل منهجي بموجب هذا التصنيف، فيما أفادت 73% من المنظمات غير الحكومية العاملة في غزة بأن شحنات حيوية تخصّها محتجزة أو مرفوضة.

النتيجة العملية يصفها التاجر أيمن تنيرة، بجملة واحدة: «قطع الغيار وزيوت السيارات لم تدخل بشكل رسمي منذ بدء الحرب»، مشيراً إلى أن السوق ظلّ يبيع من مخزونه القديم على مدى ثلاث سنوات، وأن «هناك محاولات لتوفير بعض قطع الغيار محلياً لكنها لا تؤدي نفس الوظيفة» — أي تدوير قطع مستعملة من مركبات مدمّرة، بكفاءة متدنية وعمر تشغيلي قصير.

وحين يغيب العرض الرسمي، يتضخّم السوق الموازي. ارتفع سعر البطارية من 300–500 شيكل قبل الحرب إلى 4000–6000 شيكل، وبلغ سعر الإطار الواحد نحو 10000 شيكل، بحسب وائل الهليس، نائب رئيس جمعية مستوردي المركبات، الذي حذّر من أن «الارتفاع الحاد في أسعار قطع الغيار يهدد بشلل شبه كامل في قطاع النقل».

 

منظومة الإنقاذ تُقاس بما يتحرّك لا بما هو مسجَّل

في ملف الإسعاف تتحول الأرقام إلى وفيات مباشرة. فوفق معطيات نُشرت في 22 أغسطس 2026، خرجت من أسطول وزارة الصحة 39 سيارة إسعاف عن الخدمة كلياً، فيما تحتاج 17 أخرى إلى إصلاح عاجل، أي تعطّل نحو 70% من الأسطول.

وفي جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، لم يعد عاملاً سوى 41 سيارة من أصل 99، بعد خروج 58 سيارة عن الخدمة، منها 31 نتيجة استهداف مباشر و27 نتيجة أعطال ميكانيكية لا تتوفر لها قطع غيار.

أما الخدمات الطبية العسكرية فلا تملك سوى 8 سيارات عاملة من أصل 30، بينما لا يتجاوز ما هو صالح للعمل لدى الدفاع المدني 10 سيارات إسعاف من أصل 17.

ويلخّص محمد أبو سمك، رئيس قسم التخطيط في وحدة الإسعاف والطوارئ بوزارة الصحة، المعادلة بقوله إن القدرة الحقيقية لمنظومة الإسعاف في غزة لم تعد تُقاس بعدد المركبات المسجّلة في السجلات الرسمية، بل بعدد ما يستطيع منها التحرك فعلاً.

هذه المنظومة المنهكة مطالَبة بتنفيذ نحو 5000 مهمة أسبوعياً لنقل الجرحى والمرضى، إضافة إلى نحو 140 مهمة لنقل الأدوية. وكانت منظمة الصحة العالمية قد وثّقت 937 اعتداءً على المنظومة الصحية بين أكتوبر 2023 ويناير 2026، أسفرت عن تضرّر أو استهداف 216 سيارة إسعاف.

 

المياه والصرف الصحي والنفايات على حافة الانهيار

في سياق متصل، حذّر د. علاء الدين البطة، رئيس بلدية خان يونس والمتحدث باسم اتحاد بلديات القطاع، من كارثة صحية وبيئية وشيكة، كاشفاً رقماً صادماً: «الزيوت أُدخلت إلى 40 مولداً فقط من أصل 700». وأشار إلى أن المولدات تعمل بطاقة لا تتجاوز 20% من قدرتها، وأن القطاع لم يستلم المستلزمات اللازمة منذ خمسة أشهر متتالية، وأن أسعار الزيوت ارتفعت بنحو 1000%، فيما توقفت أعمال إزالة الركام لعدم توفر السولار منذ مارس.

النتيجة، وفق تحذيره، عطش جماعي يهدد نحو مليوني إنسان، إضافة إلى خطر طفح مياه الصرف الصحي في الشوارع ومراكز إيواء النازحين.

وعلى المستوى التشغيلي، أعلنت بلدية غزة في 9 أغسطس 2026 تراجع خدمات جمع النفايات الصلبة إلى نحو نصف قدرتها الطبيعية بسبب النقص الحاد في الوقود اللازم لتشغيل الآليات، محذّرة من تفاقم المخاطر الصحية والبيئية مع تراكم النفايات وانسداد شبكات التصريف.

أما وكالة «الأونروا»، فأوردت في تقرير الوضع رقم 232 أن 95% من أسطول المياه والإصحاح البيئي التابع لها متدهور ومعطّل، وأن نقص زيوت التشحيم وقطع الغيار «أخرج شاحنات القمامة وصهاريج المياه ومعدّات أساسية أخرى من الخدمة»، وأجبر مولدات في سبعة مراكز إيواء طارئ على التوقف.

 

الشاحنة الغائبة تعني وجبة غائبة

الحلقة الأخطر أن تعطّل المركبات لا يوقف الخدمات فحسب، بل يبتلع المساعدات قبل أن تصل. ورغم ارتفاع كميات المساعدات الداخلة في يوليو بنسبة 33% مقارنة بيونيو، لتبلغ نحو 35 ألف طن (60% منها غذاء)، فإن غياب زيوت المحركات يهدد بتحويل هذا التحسّن إلى رقم على الورق.

يقول ناهض شحيبر إن تغيير زيت شاحنة واحدة صار يكلّف نحو 100 ألف شيكل (قرابة 33 ألف دولار)، بعد أن كان 450 شيكلاً (نحو 150 دولاراً) قبل الحرب، مضيفاً: «هذه تكلفة لا تستطيع شركات النقل ببساطة تحمّلها». وبحسب موظف في برنامج الأغذية العالمي بمكتب دير البلح، فإن «عشرات الحمولات تُشطب شهرياً من جدول التسليم المخطط»، بحيث يتحول برنامج مقرّر لـ800 حمولة إلى نحو 600 حمولة فعلية فقط.

وفي 21 أغسطس 2026، أقرّ فرحان حق، نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة، بارتفاع المساعدات في يوليو، لكنه شدّد على أن «الأمر يتطلب مزيداً من الموافقات» على إدخال زيوت المحركات وقطع الغيار.

الخلفية الغذائية تجعل كل حمولة مشطوبة رقماً في معادلة الجوع: 67% من السكان (نحو 1.4 مليون شخص) يواجهون مستوى «أزمة» أو أسوأ خلال الفترة يوليو–ديسمبر 2026، من بينهم نحو 212 ألف شخص في المرحلة الرابعة (طوارئ)، فيما 83% من الأسر بلا مصدر دخل، و90% كانوا سيواجهون انعداماً حاداً للأمن الغذائي لولا المساعدات الإنسانية. وحذّر جاستن برادي، مسؤول التنسيق الأممي، من أن القطاع «يواجه طوارئ غذائية قد تتصاعد إلى المرحلة الخامسة إذا تراجع تدفق المساعدات».

 

فقدان الوظيفة وفقدان الحركة

خلف كل رقم سائق فقد مهنته وأسرة فقدت قدرتها على التنقل. أحمد طافش، سائق شاحنة من مدينة غزة يعمل في المهنة منذ عشرين عاماً، يختصر ذلك بقوله: «فقدت عملي بسبب الحرب، وتعطّل الشاحنات، والقيود الإسرائيلية».

وفي قطاع النقل الخاص، تتكرر الرواية ذاتها. يقول السائق محمود أبو شمالة: «أحياناً نبحث أياماً عن قطعة صغيرة، وإذا وجدناها يكون سعرها أضعاف قيمتها»، فيما يقول أحمد المصري، صاحب مركبة خاصة: «اليوم لا أستطيع شراء بطارية أو إطار، لذلك أصبحت المركبة متوقفة».

النتيجة التراكمية: ارتفاع أجرة التنقل إلى مستويات تفوق قدرة سكان يعتمد أغلبهم على المساعدات، ولجوء متزايد إلى العربات التي تجرّها الحيوانات والدراجات ثلاثية العجلات والسير على الأقدام — وهي بدائل لا تصلح لنقل مريض في حالة حرجة، ولا لامرأة في المخاض، ولا لمسنّ أو شخص من ذوي الإعاقة.

 

من قطعة غيار إلى غرفة عمليات متوقفة

الترابط بين الملفات ليس نظرياً، في 5 أغسطس 2026، تعطّل مولّد في مستشفى ميداني تابع لمنظمة «أطباء بلا حدود» بسبب عدم توفر قطع غيار، فتوقفت غرفة العمليات وخدمات التعقيم والأشعة السينية. وفي ملف المياه، انخفض إنتاج محطة تحلية تابعة للمنظمة من 600 ألف لتر إلى 350 ألف لتر يومياً، ما حرم أكثر من 40 ألف شخص من إمدادهم اليومي. وقالت المنظمة إن مخزونها من زيوت المحركات يكفي لنحو شهر واحد فقط.

وتلخّص علا بردويل، نائبة منسق مشاريع المنظمة، الحصيلة الإنسانية: «عندما تتعطل المولدات، تصبح المستشفيات في خطر. الأطفال حديثو الولادة في الحضّانات، ومن يعتمدون على مولدات الأكسجين، أو من يحتاجون إلى جراحة منقذة للحياة — كلهم سيدفعون الثمن».

 

البعد القانوني

يصف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ما يجري بأنه «سياسة شاملة تعطّل سلسلة التوريد بأكملها، بدءاً من دخول البضائع والمساعدات عبر المعابر وحتى وصولها إلى السكان»، ويقول رئيسه رامي عبده إن الأمر يرقى إلى «سياسة متكاملة تهدف إلى تفكيك سلسلة الإمداد».

ويستند المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في مقاربته إلى اتفاقية جنيف الرابعة (1949)، ولا سيما المواد 33 و55 و56 المتعلقة بواجب تأمين الإمدادات الطبية والصحة العامة وحظر العقوبات الجماعية، إضافة إلى نظام روما الأساسي والتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية.

وتتقاطع تصريحات الجهات الأممية والحقوقية والبلديات عند حزمة من المطالب العملية العاجلة. يأتي في مقدمتها رفع تصنيف «مزدوج الاستخدام» عن زيوت المحركات وقطع الغيار والإطارات والبطاريات المخصصة للمركبات المدنية والخدمية، ثم إدخال دفعات عاجلة من الزيوت وقطع الغيار لتشغيل سيارات الإسعاف وآليات الدفاع المدني وصهاريج المياه وشاحنات النفايات. ويُضاف إلى ذلك تمكين شركات النقل الخاصة من استيراد مستلزمات التشغيل، بوصفها جزءاً أصيلاً من سلسلة إيصال المساعدات لا نشاطاً تجارياً منفصلاً عنها، وإنشاء آلية أممية شفافة لرصد طلبات الإدخال المرفوضة ونشرها دورياً بما يتيح المساءلة. وتبقى حماية سائقي النقل وطواقم الإسعاف من الاستهداف والاعتقال، والإفراج عن المركبات المصادرة، شرطاً لا غنى عنه لاستمرار ما تبقّى من المنظومة.

قطاع النقل في غزة لا يحتضر لأن مركباته دُمّرت فحسب، بل لأن ما نجا منها مُنع من أن يبقى حياً. الفارق بين 400 شاحنة على الورق و300 شاحنة على الأرض هو مئة شاحنة أوقفها إطار أو بطارية أو لتر زيت. وحين تتوقف الشاحنة، لا يتوقف معها صندوق طحين فحسب، بل صهريج مياه، وسيارة إسعاف، وشاحنة نفايات، ومولّد مستشفى.

وكما قال فيليب ريبيرو: «هذه ليست بيروقراطية». إنها معادلة تُدار بالتفصيل، ونتيجتها أن مليونَي إنسان في غزة يفقدون، قطعةً قطعة، قدرتهم على الحركة — وعلى البقاء.

اخبار ذات صلة