لم تعد تداعيات الحملة الأميركية لعزل إيران محصورة داخل الاقتصاد الإيراني، بعدما بدأت آثارها تمتد إلى أسواق الطاقة والتضخم والسياسة النقدية في اقتصادات بعيدة عن منطقة الصراع، مع ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والإنتاج، وتزايد المخاوف من اضطرار البنوك المركزية إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة.
وتزامن ذلك مع دخول الضغوط الأميركية على طهران مرحلة جديدة عبر عملية "المنبوذ الاقتصادي"، التي توسع نطاق القيود على التعاملات المرتبطة بإيران، وسط مخاوف من أن تؤدي العقوبات واضطراب حركة التجارة والشحن إلى مزيد من الضغوط على إمدادات الطاقة والأسعار عالميًا.
صدمة الطاقة
وحذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، من أن صدمة الطاقة لم تنتهِ، مؤكدة أن عودة أسعار النفط إلى الارتفاع قد تعيد إشعال التضخم وتدفع البنوك المركزية إلى إبقاء سياستها النقدية مقيدة لفترة أطول، بما يرفع تكلفة خدمة الديون ويضغط على النمو.
وقالت غورغييفا إن الاقتصاد العالمي تعامل مع صدمة الطاقة بصورة أفضل من التوقعات الأولية، لكنه لا يزال يواجه مخاطر مرتبطة بارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع المالية وصعود عوائد السندات، داعية الحكومات إلى إعداد خطط أكثر استدامة للديون والعجز.
وتظهر الضغوط بوضوح في منطقة اليورو، حيث حذرت عضوة المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي إيزابيل شنابل من أن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع مجددًا إذا استمرت تداعيات الحرب وارتفعت تكاليف الطاقة.
وقالت شنابل إن مستوى الفائدة الحالي قد لا يكون كافيًا لإعادة التضخم إلى مستهدف البنك البالغ 2%، في وقت نقلت فيه "رويترز" عن مصادر أن صانعي السياسة النقدية يميلون إلى رفع الفائدة في سبتمبر/أيلول لاحتواء التداعيات التضخمية.
ولا تتوقف آثار ارتفاع الطاقة عند أسعار الوقود، إذ تنتقل الزيادة إلى النقل والشحن والتأمين والتخزين، ثم إلى أسعار الغذاء والسلع والخدمات، ما يضع الشركات أمام خيار تحمل التكلفة أو رفع الأسعار أو تقليص النشاط والاستثمار.
التلويح بعقوبات ثانوية
وامتدت موجة الأسعار إلى أستراليا، حيث ارتفع التضخم السنوي إلى 3.5% في يوليو/تموز، مدفوعًا خصوصًا بارتفاع أسعار الوقود بنسبة 7.5%. وأعادت البيانات إلى الأسواق احتمال رفع بنك الاحتياط الأسترالي الفائدة، فيما عدل مصرف "إيه إن زد" توقعاته مرجحًا زيادة الفائدة ربع نقطة مئوية في نوفمبر/تشرين الثاني.
وتواصل واشنطن في المقابل توسيع العقوبات على إيران والشركات والدول التي تتعامل معها، عبر التلويح بعقوبات ثانوية قد تحرم الجهات المتعاملة مع طهران من الوصول إلى النظام المالي الأميركي.
ورغم أن الأسواق لم تتفاعل بقوة مع الإجراءات الأخيرة، فإن محللي السلع الأولية في مصرف "آي إن جي" أشاروا إلى أن قدرة إيران على التأثير في حركة الشحن تبقي مخاطر الإمدادات قائمة، خصوصًا مع حساسية أسواق الطاقة لأي اضطراب في المنطقة.
وكان صندوق النقد الدولي قد خفض في يوليو/تموز توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال 2026 إلى 3%، محذرًا من مخاطر الحرب والتفتت التجاري وعدم اليقين الاقتصادي.
وهكذا تتحول سياسة عزل إيران من ضغط اقتصادي يستهدف طهران إلى عامل مؤثر في الاقتصاد العالمي، إذ يمكن لارتفاع أسعار الطاقة أن يعيد التضخم إلى الواجهة، ويؤجل خفض الفائدة، ويرفع تكلفة الاقتراض، ويضغط في الوقت ذاته على النمو، لتدفع اقتصادات بعيدة عن ساحة الصراع جزءًا من فاتورة التصعيد الاقتصادي والعسكري.