☰
✕

قائمة الموقع

تقرير جرافات إزالة الركام تسبق المحققين الدوليين في غزة.. أدلة جرائم "الإبادة" تدفن خارج غزة

2026-08-29T12:27:00+03:00
وكالة شهاب

خاص / شهاب

تتسارع عمليات تفتيت الركام ونقله من من مناطق السيطرة العسكرية إلى خارج قطاع غزة ، فيما لا تزال تحت الأنقاض جثامين مفقودين ومواقع لم تُفحص جنائيًا بصورة جزئية أو كاملة.

وبينما ترتبط إزالة الأنقاض عادةً بفتح الطرق والتمهيد للتعافي وإعادة الإعمار، فإن ما يجري يثير مخاوف بشأن مصير الأدلة الموجودة داخل الركام، وما إذا كانت عمليات الإزالة تسبق التحقيق في مواقع تشكل مسارح لجرائم حرب وإبادة اقترفتها "إسرائيل" داخل مدن قطاع غزة خلال الحرب.

10 ملايين طن

حذر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من عملية واسعة وممنهجة لتفتيت ركام الأحياء والمنشآت المدمرة ونقله من مناطق السيطرة العسكرية إلى خارج قطاع غزة، بمشاركة شركات مدنية "إسرائيلية "، وقبل تمكين لجان التحقيق وفرق الطب الشرعي والأدلة الجنائية من معاينة المواقع وتوثيقها. وقال المرصد إن هذه العمليات تهدد بطمس أدلة مادية على جرائم جسيمة، إلى جانب احتمال إتلاف رفات ضحايا لا يزالون في عداد المفقودين.

قدّر المرصد الأورومتوسطي، استنادًا إلى معطيات ميدانية أولية، أن ما لا يقل عن 10 ملايين طن من الركام أزيل أو فُتت أو نُقل من مواقعه الأصلية داخل المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية، مشيرًا إلى تشغيل نحو 400 آلية للحفر والهدم والتكسير والنقل، ورصد حركة تقارب 100 شاحنة يوميًا تنقل الركام إلى خارج القطاع. وبحسب المعلومات التي جمعها، تصل بعض هذه الشاحنات إلى مواقع داخل "إسرائيل" وأخرى في جنوب الضفة الغربية المحتلة، من دون إعلان عن الكميات المنقولة أو مسارات الشاحنات أو مواقع تفريغ حمولاتها.

من جانبها، وثقت منظمة العفو الدولية خلال الحرب عددًا من الهجمات والوقائع في قطاع غزة بالاعتماد على شهادات شهود وصور ومقاطع مصورة وتحليل صور الأقمار الصناعية وغيرها من الأدلة، وهو ما يبرز أهمية بقاء المواقع المدمرة قابلة للفحص والمقارنة والتوثيق.

فالأدلة المادية المرتبطة بالمكان يمكن أن تساعد، إلى جانب الشهادات والمواد البصرية، في إعادة بناء ما حدث وتحديد طبيعة الهجوم وموقعه وتوقيته. ولا يعني ذلك أن المنظمة نسبت إليها تحديدًا موقفًا من عمليات نقل الركام الحالية، وإنما إن منهجها في توثيق الانتهاكات يوضح أهمية الأدلة الميدانية التي قد تتأثر بتغيير معالم المواقع.

ويحذر عالم الأدلة الجنائية في جامعة فلوريدا الدولية ستيفان شميت من أن التعامل مع مواقع الدفن والركام قبل توثيقها وفق المعايير الجنائية قد يؤدي إلى فقدان أدلة يصعب استعادتها لاحقًا. وقال شميت، الذي شارك في التحقيق في مقابر جماعية بعدة نزاعات، إن المبدأ الأساسي في العمل الجنائي هو عدم الإضرار بالموقع، موضحًا أن استخدام وسائل تدخلية مثل الجرافات يمكن أن يمحو قرائن تساعد على تحديد المسؤولية، كما قد يفقد المحققين أدلة مرتبطة بكيفية إنشاء الموقع وتوقيته.

إتلاف أدلة

من جانبه، قال محمد مهران، أستاذ القانون الدولي العام، في تصريح خاص لـ"شهاب"، إن إزالة ركام الأحياء المدمرة في قطاع غزة ونقله إلى مواقع مجهولة تمثل، إذا جرت قبل فحص المواقع وتوثيقها، خطرًا مباشرًا على الأدلة المرتبطة بالجرائم وعرقلة لمسار العدالة الدولية. وحذر من أن سحق الركام ونقله يمكن أن يؤدي كذلك إلى طمس مصير آلاف المفقودين، إذا كانت رفاتهم لا تزال موجودة تحت الأنقاض، قبل وصول المحققين الدوليين إلى مواقع الدمار.

وأوضح مهران أن المشكلة القانونية لا تتعلق بمجرد إزالة مبنى مدمر، وإنما بما إذا كانت العملية تؤدي إلى إتلاف أدلة مرتبطة بجريمة محتملة أو تغيير مسرح الواقعة على نحو يمنع التحقيق فيه. وفي هذه الحالة، تصبح المحافظة على الموقع والأدلة جزءًا من متطلبات الوصول إلى الحقيقة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجرائم تدخل ضمن اختصاص آليات العدالة الدولية.

وينوه مهران، في مسار المساءلة الدولية، إلى أن هذه المسألة تكتسب أهمية إضافية بسبب استمرار التحقيق في حالة فلسطين أمام المحكمة الجنائية الدولية. فإثبات الجرائم الدولية لا يعتمد على شهادات الضحايا وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى أدلة مادية يمكن ربطها بمكان وزمان وواقعة محددة. وكلما تغيرت معالم الموقع أو اختلطت مكوناته أو فُقدت الأدلة المرتبطة به، تصبح مهمة المحققين في إعادة بناء الواقعة أكثر صعوبة.

ويشير "الأورومتوسطي" إلى المادة 70 من نظام روما الأساسي، التي تتناول الأفعال المخلة بإقامة العدل أمام المحكمة، ومنها تدمير الأدلة أو العبث بها أو التأثير في جمعها عندما تكون الأفعال متصلة بإجراءات المحكمة. وطالب المرصد مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بفحص عمليات إزالة الركام ونقله، باعتبار أن تدمير الأدلة أو تغيير مواقعها قد يؤثر في جمع المواد المرتبطة بالتحقيق في حالة فلسطين.

ويقدّر الدفاع المدني عدد الأشخاص الذين ما زالوا تحت الأنقاض بنحو 8500 شخص، في ظل نقص حاد في الآليات والمعدات اللازمة لعمليات البحث والانتشال. وتظهر شهادات ومواقف الجهاز أن عمليات إزالة الركام لا تعني فقط التعامل مع مبانٍ مدمرة، وإنما قد تتقاطع مع عمليات البحث عن جثامين ورفات أشخاص لا يزال مصيرهم مجهولًا.

ويواجه الدفاع المدني الفلسطيني في عمليات البحث مشكلة إضافية تتمثل في طبيعة الركام نفسه؛ فالوصول إلى الضحايا يحتاج إلى رفع الأنقاض بطريقة تسمح بتحديد مكان العثور على الرفات والمتعلقات المرتبطة بها، بدل سحقها أو خلطها ونقلها بعيدًا عن موقعها. ولذلك فإن إزالة الركام من المواقع التي يُعتقد بوجود مفقودين فيها تحتاج إلى ترتيب يسبق فيه البحث والانتشال عملية الإزالة الشاملة.

من جهتها، تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن معرفة مصير المفقودين حق لعائلاتهم، وأن على الأطراف العمل على توفير المعلومات المتعلقة بمصير الأشخاص الذين فقدوا خلال النزاعات المسلحة والمساعدة في جمع شمل العائلات. وتتعامل اللجنة مع ملف المفقودين والرفات باعتباره قضية إنسانية وقانونية مرتبطة بكرامة الضحايا وحق عائلاتهم في معرفة مصير أقاربهم.

لا معلومات معلنة

وتشير اللجنة الدولية إلى أن التعامل مع رفات الموتى يجب أن يحافظ على كرامتهم وعلى إمكانية التعرف إليهم، وهو ما يجعل طريقة إزالة الركام من المواقع التي يُحتمل وجود جثامين فيها مسألة تتجاوز الجانب الهندسي أو اللوجستي. ففقدان مكان الرفات أو خلطه بمواد أخرى قد يجعل مهمة التعرف إلى الضحايا أكثر تعقيدًا، ويحرم العائلات من معلومات قد تكون حاسمة لمعرفة مصير أحبائها.

في حين يقول "الأورومتوسطي" إن الركام في غزة لا يضم مخلفات بناء فقط، وإنما قد يحتوي على شظايا ومقذوفات وفوارغ ذخيرة وآثار بيولوجية ومتعلقات شخصية، فضلًا عن رفات بشرية. ويرى أن سحق الأنقاض وخلطها ونقلها يفصل الأدلة عن سياقها المكاني، ويصعّب تحديد مكان العثور عليها وربطها بواقعة أو ضحية محددة.

ويحذر من أن عمليات الإزالة تجري، وفق المعلومات التي جمعها، قبل تمكين فرق الطب الشرعي والأدلة الجنائية وخبراء الذخائر غير المنفجرة من فحص المواقع. ويرى أن التعامل مع المواقع بهذه الطريقة قد يؤدي إلى فقدان عناصر لا يمكن استعادتها لاحقًا، لأن الصور الجوية أو شهادات الناجين لا تستطيع دائمًا تعويض الدليل الذي كان مرتبطًا بمكانه الأصلي.

ومن الناحية الجنائية، فإن أهمية الموقع لا تتوقف عند العثور على قطعة من الذخيرة أو رفات شخص، بل تشمل العلاقة بين هذه العناصر جميعًا. فموقع الجثمان بالنسبة إلى المبنى، واتجاه الانفجار، ومكان الشظايا، وآثار المقذوفات، وتوزيع المتعلقات الشخصية، كلها تفاصيل قد تساعد في تحديد ما حدث. وعندما تُسحق الأنقاض وتُنقل دون تسجيل دقيق، تنقطع هذه العلاقة ويصبح من الصعب إعادة بناء المشهد كما كان وقت وقوع الجريمة.

وبحسب المرصد الأورومتوسطي، فإن عمليات إزالة الركام تأتي بينما ما تزال مناطق واسعة من قطاع غزة بحاجة إلى فحص وتوثيق، في وقت لا توجد فيه رقابة مستقلة على عمليات الفرز والوزن والنقل، ولا معلومات معلنة بشكل كافٍ حول الكميات التي خرجت من القطاع ووجهاتها النهائية. ويعتبر المرصد أن غياب هذه البيانات يجعل تتبع المواد المنقولة واستعادة أي أدلة أو رفات قد تكون بينها أكثر صعوبة.

فتح التحقيق 

ومع استمرار أعمال الهدم وتفتيت الركام ونقله من مناطق السيطرة "الإسرائيلية"، تتقلص تدريجيًا إمكانية الوصول إلى المواقع التي شهدت عمليات قتل وقصف ودفن للضحايا تحت الأنقاض. وفي ظل غياب توثيق مستقل ومسبق لكثير من هذه المواقع، فإن كل عملية إزالة جديدة تعني تغييرًا في معالم المكان ونقل محتوياته بعيدًا عن موضعه الأصلي، بما في ذلك ما قد يكون من جثامين وأجزاء من أدلة مادية.

وبينما تتواصل هذه العمليات، يطالب خبراء ومنظمات حقوقية بإيقاف إزالة الركام من المواقع التي لم تُفحص بعد، وإتاحة الوصول إليها لفرق التحقيق والطب الشرعي، بما يضمن توثيقها وانتشال الجثامين وحفظ الأدلة قبل استكمال أعمال الإزالة.

اخبار ذات صلة