خاص / شهاب
لم يعد اقتحام وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال، "إيتمار بن غفير"، لأقسام الأسرى الفلسطينيين مجرد جولات تفقدية داخل السجون، إذ باتت الكاميرا حاضرة بصورة متكررة في المشهد، توثق الاقتحامات والتهديدات والإهانات، قبل أن تتحول التسجيلات إلى مادة ينشرها الوزير المتطرف عبر حساباته ومنصاته.
وخلال السنوات الأخيرة، اتسع هذا النمط من التعامل مع الأسرى، حتى أصبحوا جزءًا من المحتوى السياسي والدعائي الذي يقدمه "بن غفير" لجمهوره، في وقت تقترب فيه انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وسط منافسة داخل معسكر اليمين على الأصوات والمقاعد.
مشهد يصنعه "بن غفير"
آخر المشاهد جاء من سجن الدامون، حيث ظهر "بن غفير" داخل قسم الأسيرات الفلسطينيات، محاطًا بحراسته، في مقطع مصور نشره بنفسه، بينما كانت الأسيرات يتحدثن عن ظروف الاحتجاز القاسية وحرمانهن من الاحتياجات الأساسية والعلاج والاستحمام.
وقالت إحدى الأسيرات إنهن لم يستحممن منذ ثلاثة أيام، وإن الأمراض منتشرة ولا يحصلن على العلاج، فيما اشتكت من عدم نظافة الملابس وغياب الاحتياجات الشخصية للنساء. لكن "بن غفير" لم يتعامل مع الشكاوى باعتبارها انتهاكات تستوجب المعالجة، بل تفاخر بالظروف التي تعيشها الأسيرات، معلنًا أنه المسؤول عنها وأنه سعيد بهذه الظروف.
ولم يكن حضور الكاميرا في الدامون حالة معزولة، فقد سبقتها مشاهد أخرى ظهر فيها "بن غفير" داخل السجون أو إلى جانب الأسرى، وتحولت الزيارة نفسها إلى مادة مصورة للنشر والترويج السياسي.
في أغسطس/آب 2025، اقتحم "بن غفير" قسم العزل في سجن ريمون، ووصل إلى زنزانة الأسير القيادي مروان البرغوثي، وظهر في مقطع مصور وهو يوجه إليه تهديدات مباشرة، قبل أن ينشر التسجيل على حسابه في منصة "إكس". وظهر البرغوثي في الفيديو منهكًا ونحيلًا، فيما خاطبه الوزير مهددًا ومتحدثًا عن القضاء على من يهدد "إسرائيل".
ولم تتوقف المشاهد عند تهديد البرغوثي، ففي فبراير/شباط 2026 اقتحم "بن غفير" برفقة مدير مصلحة السجون أقسام الأسرى الفلسطينيين في سجن عوفر، بالتزامن مع قمع داخل الأقسام وإطلاق قنابل الغاز والصوت وتوجيه الأسلحة نحو الأسرى وإخراج عدد منهم إلى الساحة، وفق تقارير فلسطينية وثقت الواقعة والمواد المصورة المرافقة لها.
وبذلك لم تعد الكاميرا مجرد وسيلة لتوثيق ما يجري خلف أبواب السجون المغلقة، وإنما تحولت إلى جزء من المشهد الذي يصنعه "بن غفير" حول الأسرى؛ يدخل إلى الأقسام، يواجه الأسرى، يهددهم أو يتباهى بتشديد ظروف احتجازهم، ثم يحمل المشهد إلى الخارج في صورة أو مقطع مصور.
ويظهر هذا الاستخدام للصور والفيديوهات في سياق أوسع من سياسة "بن غفير" تجاه الأسرى، والتي اتخذت منذ دخوله الحكومة منحى يقوم على التضييق والتجويع والحرمان والعقاب الجماعي، وتحويل ظروف الاعتقال إلى وسيلة لإذلال الأسرى الفلسطينيين والانتقام منهم.
سياسة ثابتة
من جانبه قال رئيس مركز فلسطين لدراسات الأسرى رياض الأشقر لـ"شهاب"، إن جولات "بن غفير" الاستفزازية داخل السجون تأتي في سياق استعراض قوته على الأسرى والأسيرات وتعزيز مواقفه الانتخابية، محذرًا من أن يصعّد الوزير من اعتداءاته كلما اقترب موعد انتخابات الكنيست، في محاولة لاستمالة الناخبين "الإسرائيليين" على حساب معاناة الأسرى.
وأضاف الأشقر أن اقتحام سجن الدامون والاعتداء على الأسيرات يمثلان امتدادًا لنهج بدأه "بن غفير" منذ توليه مسؤولية السجون، عبر إجراءات تضييق شملت قطع الماء الساخن وإغلاق المخابز والكنتين، قبل أن تتسع بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى إجراءات تنكيل وتعذيب وحرمان من الزيارات والحقوق الأساسية.
وأشار إلى أن "بن غفير" بنى حملته الانتخابية عام 2022 على وعود بتشديد ظروف الأسرى وسحب حقوقهم، ثم انتقل من الوعود إلى إجراءات داخل السجون، وصولًا إلى الدفع باتجاه قانون إعدام الأسرى، معتبرًا أن ما بدأ بوصفه إجراءات استثنائية خلال الحرب يجري العمل على تحويله إلى سياسة ثابتة وتشريعات دائمة.
وبحسب مؤسسات الأسرى فمنذ عام 2023، ارتبط اسم "بن غفير" بإجراءات عقابية واسعة داخل سجون الاحتلال، شملت تقليص المياه الساخنة والتضييق على الطعام والاستحمام والزيارات، وهي إجراءات فجرت مواجهات واحتجاجات من الأسرى الفلسطينيين. وفي فبراير/شباط 2023، وثقت وكالة الأنباء الفلسطينية قطع المياه الساخنة عن أسرى سجن نفحة، في إطار العقوبات المرتبطة بسياسات الوزير.
في مايو/أيار الماضي، ظهرت صور احتفال بعيد ميلاده الخمسين، وبينها كعكة تحمل رمز حبل المشنقة، في إشارة إلى قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي يتبناه. وأقيم الاحتفال بحضور مسؤولين من الشرطة ومصلحة السجون ونشطاء من اليمين المتطرف، فيما حملت الكعكة عبارة تشير إلى أن "الأحلام تتحقق".
الصورة هنا لا تحتاج إلى شرح طويل؛ فالمشنقة التي يطالب بها "بن غفير" لإعدام الأسرى تحولت إلى رمز احتفالي، فيما بقي الأسرى الفلسطينيون في قلب الخطاب الذي يستخدمه الوزير لتقديم نفسه أمام قاعدته اليمينية بوصفه صاحب سياسة العقاب الأشد.
ثم جاءت فكرة "سجن التماسيح"، التي طرحها "بن غفير" وأراد تنفيذها في سجن كتسيعوت بالنقب، لتضيف صورة أخرى إلى قاموسه السياسي في التعامل مع الأسرى.
فالمشروع يقوم على حفر خنادق مائية حول أجنحة السجن تمهيدًا لوضع تماسيح فيها، بذريعة منع محاولات الهروب وترهيب الأسرى. وكشفت تقارير أن الفكرة طُرحت خلال اجتماع عقده "بن غفير" مع مفوض مصلحة السجون في ديسمبر/كانون الأول الماضي، قبل أن تنتقل إلى مرحلة الدراسة ثم التنفيذ التجريبي.
عنوانًا لـ"الحزم"
ورغم أن المحكمة المركزية في القدس أصدرت لاحقًا أمرًا احترازيًا جمّد تنفيذ الخطة، فإن الفكرة نفسها تكشف طبيعة الصورة التي يسعى "بن غفير" إلى تكريسها حول السجون: التماسيح، المشنقة، الزنازين، الحرمان، والتهديد، كلها تتحول إلى رموز لسياسة يريد تقديمها باعتبارها عنوانًا لـ"الحزم" أمام جمهوره اليميني.
ولم تعد هذه الصور مقتصرة على الواقع المصور داخل السجون، إذ وصل توظيف الأسرى إلى إنتاج مقاطع دعائية مصنوعة بالذكاء الاصطناعي. ففي 30 أغسطس/آب، وبعد نشر مشاهد الأسيرات في الدامون، نشر "بن غفير" مقطعًا مصطنعًا يحتفي بسياسة تجويع الأسرى، في انتقال من تصوير التنكيل الفعلي إلى إعادة إنتاجه في مادة دعائية رقمية.
وهكذا تتراكم الصور حول الأسرى: وزير داخل الزنزانة، وزير يهدد أسيرًا، أسيرات أمام الكاميرا، حبل مشنقة فوق كعكة عيد ميلاد، تماسيح حول السجن، ومقاطع رقمية تحتفي بالتجويع.
ولا تبدو هذه الصور منفصلة عن المسار السياسي لـ"بن غفير"، الذي بنى جزءًا أساسيًا من خطابه على التشدد تجاه الفلسطينيين والأسرى، وجعل من العقاب والإذلال مادة ثابتة في ظهوره السياسي والإعلامي.
ومن جانبه يرى نادي الأسير الفلسطيني أن اقتحام "بن غفير" لأقسام الأسيرات وتصويرهن يكشف عن تحويل معاناتهن إلى استعراض سياسي، بينما حذرت وزارة شؤون الأسرى والمحررين في غزة من أن تصوير الأسيرات وتهديدهن يمثل محاولة لإرهابهن وكسر إرادتهن.
وتكتسب هذه الممارسات أهمية أكبر مع اقتراب الانتخابات، إذ تدخل الساحة السياسية في "إسرائيل" مرحلة تنافس حاد داخل معسكر اليمين، فيما حذر رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو من خسارة اليمين ودعا "بن غفير" وبتسلئيل سموتريتش إلى خوض الانتخابات بقائمة موحدة.
مع اقتراب انتخابات الكنيست، يواصل "بن غفير" تقديم ملف الأسرى ضمن خطابه الانتخابي، مستفيدًا من مواقفه المتشددة في محاولة لتعزيز حضوره بين جمهور اليمين المتطرف، في وقت تتسابق فيه أحزاب هذا المعسكر على تقديم المزيد من الخطاب التحريضي ضد الفلسطينيين.
دماء الفلسطنين ثمناً
وخلال السنوات الماضية، لم يكتفِ "بن غفير" بفرض مزيد من الإجراءات القمعية داخل السجون، بل حرص على إظهارها أمام جمهوره، لتصبح معاناة الأسرى جزءًا من الصورة التي يسعى إلى ترسيخها عن نفسه كوزير يتبنى أقصى درجات التشدد بحق الفلسطينيين.
وتكرار التصوير والنشر من داخل السجون، إلى جانب الصور والمقاطع التي يقدم فيها العقوبات بحق الأسرى باعتبارها سياسة يتفاخر بها، جعل من الكاميرا رفيقًا ثابتًا لظهور "بن غفير" في السجون، ومن الأسرى خلفية لمحتوى يخدم حضوره السياسي.
ولا تتوقف دلالة هذه المشاهد عند ما يظهر داخل السجن، فكل مقطع يخرج إلى الجمهور يحمل معه رسالة سياسية واضحة عن الوزير الذي يقف خلفه، في الوقت الذي تخوض فيه الأحزاب الإسرائيلية سباقًا على أصوات الناخبين.
في المجتمع "الإسرائيلي"، لا تبدو دماء الفلسطينيين مجرد نتيجة لسياسات الاحتلال، بل مادة حاضرة في الخطاب السياسي والمنافسة الانتخابية، من ساحات القتل إلى زنازين الأسر. فكلما ازداد القتل والتنكيل، وجد السياسيون مساحة أوسع للمزايدة، وتحولت معاناة الفلسطينيين إلى رصيد انتخابي.
ومن هنا يأتي "بن غفير" بوصفه النموذج الأكثر فجاجة في استثمار دماء الفلسطينيين، إذ لا يكتفي بالتنكيل بالأسرى، بل يحرص على تصويره وعرضه أمام جمهوره، فيما تتسابق أحزاب الاحتلال على خطاب أكثر تطرفًا وإرضاءً لشارع يرى في قتل الفلسطينيين والتنكيل بهم عنوانًا للقوة.
فدماء الفلسطينيين، أحياءً وأسرى وشهداء، رجالًا ونساءً وأطفالًا وشيوخًا، لا تغيب عن صناديق الاقتراع في "إسرائيل"، بل تتحول إلى وقود لحملات سياسية تتغذى على الدم، وكلما ارتفع ثمنها الفلسطيني ارتفع رصيد من يتاجر بها انتخابيًا.