☰
✕

قائمة الموقع

تقرير اغتيال الشرطة في غزة بين هندسة الفوضى وحدود القانون

2026-09-02T13:12:00+03:00
images.jpg
شهاب

تقرير - شهاب

في الثالث عشر من آب/أغسطس، اغتالت مسيّرة "إسرائيلية" العقيد جمال أبو كميل داخل مركبته جنوب غربي مدينة غزة، وتولى العميد أيمن جندية مهامه بالإنابة. وبعد ستة أيام فقط، عند الساعة 14:25 من ظهر الأربعاء، استهدفت مسيّرة "إسرائيلية" أخرى بصاروخ غرفة تستخدمها شرطة البلديات مقرًا مؤقتًا وسط المدينة، ما أدى إلى استشهاد جندية وسبعة من ضباط الشرطة وعناصرها، بينهم مديرة الشرطة النسائية العقيد فاتنة السحار، إلى جانب الطفلة النازحة دانا الجماصي (13 عامًا)، التي كانت تلعب في الحديقة المجاورة.

خلافة منصب أعقبت اغتيالًا، ثم انتهت باغتيال آخر خلال ستة أيام فقط. وتختصر هذه الواقعة جانبًا من نمط متواصل امتد لعشرة أشهر منذ سريان وقف إطلاق النار، إذ استشهد 61 من رجال الشرطة أثناء قيامهم بمهام مدنية، شملت تنظيم حركة السير، وتأمين قوافل الطحين، وفضّ الخلافات حول المياه في مخيمات النزوح.

هؤلاء لم يرتقوا في اشتباكات مسلحة، بل اغتيلوا أثناء أداء واحدة من آخر الوظائف المدنية التي لا تزال قائمة في القطاع. ومن هنا يطرح هذا التقرير سؤالين أساسيين: ما الذي يريده الاحتلال من استهداف رجال الشرطة؟ وأين يقع هذا الاستهداف في القانون الدولي، الذي يفترض أن الشرطي مدني يتمتع بالحماية، وأن الحفاظ على النظام العام هو أصلًا من مسؤوليات قوة الاحتلال؟

 

هندسة الفراغ الأمني

تبدأ الإجابة من الأرقام، التي تكشف جانبًا أساسيًا من الصورة. فقد أعلنت وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة، في تموز/يوليو، عقب اغتيال العميد عبد الناصر المقادمة، مدير شرطة شمال غزة، استشهاد 53 من قادة الشرطة وضباطها وعناصرها في استهدافات مباشرة لمقار الشرطة ودورياتها ومركباتها منذ سريان الاتفاق. وارتفع العدد لاحقًا إلى 61 بعد مجزرة التاسع عشر من آب/أغسطس.

ويتوافق ذلك مع جزء من التوثيق الأممي؛ إذ سجّل مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ست هجمات بين مطلع عام 2026 ونهاية نيسان/أبريل، أدت إلى استشهاد 26 من أفراد الشرطة. ثم أشار المكتب، في بيان صدر في الثالث من حزيران/يونيو، إلى تعرض عناصر الشرطة لاعتداءات في 12 مناسبة على الأقل خلال العام، وقعت جميعها أثناء تنفيذ مهام إنفاذ قانون اعتيادية، مثل تنظيم حركة المرور وتسيير الدوريات في الشوارع والأسواق المكتظة.

وفي السياق ذاته، بلغ عدد الشهداء في قطاع غزة نحو 1,313 شخصًا منذ سريان اتفاق تشرين الأول/أكتوبر 2025، بحسب وزارة الصحة في غزة حتى الحادي والثلاثين من آب/أغسطس. وفي اليوم نفسه، استشهد خمسة فلسطينيين في غارتين على مدينة غزة، استهدفت إحداهما تجمعًا قرب حديقة بلدية مكتظة بالنازحين.

ويرى خبراء فلسطينيون أن استهداف الشرطة جزء من سياسة تقوم على إضعاف النظام العام وإنتاج حالة مستمرة من الفوضى، فيقول أحمد طناني، مدير مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي في غزة، إن إسرائيل تسعى من خلال استهداف المنظومة الشرطية إلى تحويل آثار الحرب إلى واقع مستدام، عبر تكريس الفوضى والانفلات وانتشار السلاح والاعتداء على الممتلكات العامة.

ويشير طناني إلى أن المفارقة الأساسية تتمثل في أن الأجهزة الأمنية نجحت منذ وقف إطلاق النار في الحد من سرقة المساعدات، وتقليص انتشار السلاح، والحد من الاعتداءات على المواطنين وممتلكاتهم.

ويرى أن هذا الدور جعلها عائقًا أمام أهداف الاحتلال، وهو ما يفسر تعمد استهداف الضباط والعناصر، خصوصًا المنتشرين قرب «الخط الأصفر». وبعبارة مباشرة، فإن الشرطي لم يُستهدف لأنه فشل في أداء مهمته، بل لأنه نجح في القيام بها.

وبحسب طناني، فإن الهدف الأبعد من إضعاف الشرطة لا يرتبط بالأمن وحده، بل يتصل بهدف ديموغرافي أوسع. فإضعاف قدرة الشرطة على فرض النظام، وفق هذه القراءة، قد يدفع سكان القطاع إلى الاعتقاد بأن استعادة الحياة الطبيعية أصبحت مستحيلة، ويدفع بعضهم إلى البحث عن خيارات أخرى، من بينها الهجرة.

وتتبنى حركة حماس قراءة مشابهة، إذ تعتبر أن الاستهداف المنهجي لأجهزة الأمن المدنية يهدف إلى إحداث فلتان أمني ونشر الفوضى، بما يخدم مخططات التهجير القسري.

من جانبه يقول جهاد القططي، عضو الهيئة العليا للفصائل الوطنية والإسلامية، إن استهداف الشرطة يهدف إلى تفكيك المجتمع وفتح المجال أمام الميليشيات المسلحة للسيطرة. وتدعم بعض الوقائع هذه القراءة؛ إذ أقر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في حزيران/يونيو 2025، بأن حكومته فعّلت عشائر في غزة مناوئة لحماس بناءً على مشورة أجهزة الأمن.

وبحسب تحقيق نشرته «هآرتس» في السابع والعشرين من آب/أغسطس 2026، ظهرت في القطاع خمس مجموعات مسلحة بارزة، من بينها «القوات الشعبية» و«قوة الضرب لمكافحة الإرهاب»، ويبلغ عدد أفراد بعضها مئات، وفق مصادر ميدانية.

كما يحمل توقيت بعض الضربات دلالات سياسيةـ فقد جاءت ضربة التاسع عشر من آب/أغسطس بعد يومين من انتهاء زيارة المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر للمنطقة، من دون إحراز تقدم في مسار وقف إطلاق النار. واتهمت حماس حكومة الاحتلال بتعمد تقويض تلك المساعي، وحمّلت «مجلس السلام» مسؤولية التصعيد، بسبب عدم اضطلاعه بدوره في إلزام إسرائيل بما تم الاتفاق عليه.

 

موقف القانون الدولي

الإطار القانوني الأساسي الذي يحكم هذه الوقائع هو مبدأ التمييز، المنصوص عليه في المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، والذي أصبح قاعدة عرفية ملزمة لأطراف النزاعات المسلحة، بما في ذلك الدول غير المنضمة إلى البروتوكول. وبموجب هذا المبدأ، تُعامل أجهزة الشرطة المدنية بوصفها هيئات مدنية وليست جزءًا من القوات المسلحة، ما لم تُدمج فيها رسميًا.

وينص البروتوكول، في المادة 43(3)، على أن دمج قوات الشرطة في القوات المسلحة يستوجب إخطار أطراف النزاع الأخرى. ولم يرد في الوقائع التي يتناولها هذا التقرير ما يشير إلى حدوث مثل هذا الإخطار.

 كما أكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن أفراد الشرطة يُصنّفون مدنيين ما لم يشاركوا بصورة مباشرة في أعمال عدائية، وأن تعمد استهدافهم يمثل خرقًا لمبدأ التمييز ويمكن أن يرقى إلى جريمة حرب.

والاستثناء الوحيد من هذه الحماية هو المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية. وهذا الاستثناء يخضع، وفق الدليل التفسيري للجنة الدولية للصليب الأحمر الصادر عام 2009، لثلاثة شروط مترابطة: وجود ضرر عسكري محدد، وسببية مباشرة بين الفعل والضرر، ووجود صلة قتالية بالفعل.

كما أن فقدان الحماية يكون مؤقتًا، إذ يرتبط بالمدة التي يشارك فيها الشخص مباشرة في العمل العدائي، ولا يعني فقدانه صفته المدنية بصورة دائمة بسبب رتبته أو عمله السابق. وعند وجود شك في صفة الشخص، تنص المادة 50(1) على معاملته بوصفه مدنيًا.

وبناء على هذه المعايير، تواجه الرواية الإسرائيلية إشكالين أساسيين. الأول يتعلق بعبء الإثبات، إذ يجب تقييم طبيعة كل هدف على حدة، وعلى المهاجم إثبات أن الهدف كان عسكريًا وقت استهدافه. ففي ضربة مركز شرطة جباليا في تموز/يوليو، لم يوضح جيش الاحتلال طبيعة الأنشطة العسكرية التي قال إنها كانت تجري داخل الموقع، ولم يقدم دليلًا على أن هجمات كانت تُخطط منه.

ودفع غياب الأدلة مكتب حقوق الإنسان الأممي إلى إبداء مخاوف من أن قوات الاحتلال قد لا تميز بصورة كافية بين أفراد الشرطة ومقاتلي الجماعات المسلحة. أما الإشكال الثاني فيتعلق بطبيعة المهمة التي كان يؤديها الشرطي وقت استهدافه؛ فمن كان يوجه حركة السير، أو يؤمّن سوقًا، أو يحرس مخزنًا للطحين، لا يفقد حمايته المدنية لمجرد انتمائه السابق أو الاشتباه في صلته بجهة مسلحة، لأن القانون ينظر إلى السلوك الفعلي في لحظة الاستهداف.

لكن المفارقة الأبرز تظهر في مسؤولية قوة الاحتلال نفسها. فالمادة 43 من لائحة لاهاي لعام 1907 تلزم دولة الاحتلال باتخاذ ما في وسعها لاستعادة النظام العام والسلامة العامة وضمانهما. وقد ذكّرت مي الشيخ، المتحدثة باسم مكتب حقوق الإنسان الأممي في الأرض الفلسطينية المحتلة، بهذا الالتزام في بيان الثالث من حزيران/يونيو، مؤكدة أن إسرائيل، بوصفها قوة احتلال، ملزمة بضمان النظام العام والحياة العامة للفلسطينيين الخاضعين للاحتلال.

ووصفت مي الشيخ استهداف المؤسسات العامة وموظفيها بأنه أدى إلى مزيد من الانهيار في النظام المدني والعام. وهنا تنقلب المعادلة: الطرف الذي يفرض عليه القانون واجب ضمان الأمن والنظام العام هو نفسه الطرف الذي يستهدف أفرادًا يؤدون هذه الوظائف. وبذلك لا تبدو المسألة مجرد خلل في تطبيق القاعدة القانونية، بل تناقضًا مباشرًا مع الغاية التي تقوم عليها هذه القاعدة.

وفي الاتجاه نفسه، أكدت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان أن جهاز الشرطة جهاز مدني نظامي، وأن استهداف عناصره وتدمير معظم مقاره ومركباته أضعف سيادة القانون ووسّع نطاق الانفلات الأمني. ودعت الهيئة إلى وقف هذه الاستهدافات فورًا، وإجراء تحقيق مستقل، ومحاسبة المسؤولين عنها.

كما اعتبر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن ما يجري يمثل سياسة تصعيدية تستهدف تقويض ما تبقى من منظومة الأمن الداخلي، وخلق فراغ أمني يزيد من الفوضى ويترك المدنيين من دون حماية كافية.

وعلى المستوى الجنائي، يمكن أن تندرج هذه الأفعال، بحسب ظروف كل واقعة والأدلة المتوافرة بشأنها، ضمن عدد من الجرائم المنصوص عليها في نظام روما الأساسي. فالمادة 8(2)(ب)(1) تجرّم تعمد توجيه الهجمات ضد السكان المدنيين أو الأفراد المدنيين بوصفه جريمة حرب، بينما تجرّم المادة 8(2)(ب)(4) شن هجمات غير متناسبة عندما تكون الأضرار المتوقعة على المدنيين مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في الحالات التي وقعت فيها الضربات في حدائق عامة أو أسواق مكتظة بالسكان، وأسفرت عن مقتل أطفال، كما في حالة الطفلة دانا الجماصي. وفي حال ثبت أن الاستهدافات جاءت ضمن هجوم واسع أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين، فقد يفتح ذلك أيضًا باب النظر في جرائم ضد الإنسانية بموجب المادة 7 من نظام روما الأساسي.

اخبار ذات صلة