تعمل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إعداد استراتيجية واسعة لمرحلة ما بعد الحرب مع إيران، تتجاوز وقف القتال إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في الشرق الأوسط، مع إبقاء "إسرائيل" في قلب الترتيبات الجديدة، بحسب ما نقلته "أكسيوس" عن مسؤولين أميركيين ومصادر مطلعة.
ووفق المصادر، فإن الخطة لا تزال في مراحلها الأولية، لكنها تقوم على ثلاثة مسارات متوازية: تشكيل تحالف إقليمي لاحتواء إيران، استكمال الترتيبات المرتبطة بقطاع غزة والملفات الأمنية في المنطقة، وتوسيع نطاق اتفاقيات التطبيع بين "إسرائيل" ودول عربية وإسلامية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتجه فيه الإدارة الأميركية إلى استثمار مرحلة ما بعد الحرب لإعادة صياغة علاقات القوى في المنطقة، بالتزامن مع استحقاقات سياسية مهمة، أبرزها الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في نوفمبر/تشرين الثاني.
مشروع يتجاوز غزة
وتكشف المعطيات التي أوردتها "أكسيوس" أن إدارة ترمب لا تتعامل مع الحرب وتداعياتها باعتبارها ملفات منفصلة، بل تسعى إلى وضعها ضمن مشروع إقليمي أوسع.
وبحسب المصادر، قال ترمب خلال محادثات خاصة إنه يعمل على "شيء أكبر بكثير" في الشرق الأوسط بعد الحرب مع إيران، في إشارة إلى تصور يتجاوز الترتيبات العسكرية المباشرة نحو إعادة تشكيل شبكة التحالفات والعلاقات الأمنية والاقتصادية في المنطقة.
ويرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور حسام فاروق أن مقاربة ترمب تختلف عن المقاربات الأميركية التقليدية، إذ ينظر الرئيس الأميركي إلى المنطقة من زاوية المصالح الاقتصادية والاستثمارية والتجارية إلى جانب الحسابات الأمنية، أكثر من انطلاقه من معالجة جذور القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.
وقال فاروق إن ترمب يريد إنهاء الحرب في غزة، لكن هذا التوجه لا يرتبط بالاعتبارات الإنسانية وحدها، وإنما يرتبط كذلك برغبته في إزالة أحد أبرز مصادر الاضطراب أمام مشروعه لإعادة دمج "إسرائيل" في المنطقة اقتصاديًا وسياسيًا.
وفيما يتعلق بقطاع غزة، تشير الرؤية المطروحة إلى ترتيبات لما بعد الحرب تقوم على إدارة محلية أو إقليمية، مع التركيز على نزع السلاح وإعادة تنظيم الوضع الأمني، دون أن تكون الدولة الفلسطينية كاملة السيادة هي مركز التصور الأميركي.
وبحسب فاروق، فإن ترمب يميل إلى ما يمكن وصفه بـ"الإدارة الوظيفية" للقطاع، بحيث تتولى جهات محلية أو إقليمية إدارة شؤون السكان، مع ترتيبات أمنية تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية، وتضمن في الوقت ذاته عدم تحول غزة إلى عبء مالي وأمني على الولايات المتحدة.
ويعني ذلك، وفق هذا التصور، أن إعادة الإعمار وتحسين الظروف المعيشية قد يجري التعامل معهما باعتبارهما أدوات للاستقرار، وليس بالضرورة باعتبارهما جزءًا من مسار سياسي يقود إلى تمكين الفلسطينيين من ممارسة سيادتهم الكاملة على أرضهم.
وهنا تبرز إحدى أكثر النقاط حساسية في الرؤية الأميركية؛ إذ يجري الحديث عن مستقبل غزة من منظور الإدارة والأمن والاقتصاد، بينما تتراجع مسألة إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية إلى مرتبة ثانوية.
إعادة دمج "إسرائيل"
ويشكل توسيع اتفاقيات أبراهام محورًا أساسيًا في المشروع الذي تعمل عليه إدارة ترمب، إذ تراهن واشنطن على دفع مزيد من الدول نحو إقامة علاقات رسمية مع "إسرائيل"، بالتوازي مع توسيع التعاون الاقتصادي والأمني.
ويرى فاروق أن ترمب يتعامل مع التطبيع باعتباره وسيلة لإعادة دمج "إسرائيل" في المنطقة، وربطها بشبكة واسعة من المصالح التجارية والاستثمارية والأمنية.
وبذلك، لا يعود التطبيع في الرؤية الأميركية مجرد اتفاقات ثنائية، وإنما يتحول إلى جزء من منظومة إقليمية أوسع، يكون الاقتصاد والتجارة والاستثمار أحد أهم محركاتها.
غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات فلسطينية جوهرية، خصوصًا في ظل محاولة تجاوز القضية الفلسطينية عبر تقديم الاندماج الإقليمي والتعاون الاقتصادي باعتبارهما مدخلًا للاستقرار، بدل معالجة الاحتلال والاستيطان والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
ووفق "أكسيوس"، يتضمن المسار الثاني من الاستراتيجية الأميركية محاولة إنهاء التداعيات الإقليمية التي خلفتها هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، من خلال معالجة عدة ملفات في وقت واحد.
وتشمل الخطة تأمين المرحلة التالية من خطة ترمب الخاصة بقطاع غزة، والعمل على اتفاق أمني بين "إسرائيل" وسوريا، إلى جانب تنفيذ الاتفاق الإسرائيلي اللبناني.
وتكشف هذه المقاربة عن رغبة واشنطن في التعامل مع غزة وسوريا ولبنان وإيران ضمن معادلة إقليمية واحدة، بما يتيح لها إعادة ترتيب الملفات الأمنية في المنطقة وفق شبكة تحالفات جديدة.
إيران.. الهدف الأمني الأكبر
أما المحور الأول، فيتمثل في تشكيل تحالف إقليمي من حلفاء الولايات المتحدة بهدف احتواء إيران، على أن تؤدي واشنطن دور الضامن لهذا التحالف.
ويأتي ذلك في إطار ما وصفه فاروق بإعادة تفعيل سياسة "الضغط الأقصى" على طهران، عبر تضييق مصادر التمويل والنفوذ والقدرات العسكرية المرتبطة بها في المنطقة.
وتنظر إدارة ترمب، بحسب هذا التصور، إلى حماس وحزب الله ضمن شبكة إقليمية مرتبطة بإيران، ما يجعل إضعاف النفوذ الإيراني جزءًا من إعادة ترتيب الوضع الأمني في غزة ولبنان والمنطقة عمومًا.
ورغم التحالف الوثيق بين واشنطن و"إسرائيل"، يرى فاروق أن ترمب قد يكون أكثر صرامة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مما قد يبدو، إذا تعارضت سياسات حكومته مع المصالح الأميركية الأوسع.
وأوضح أن ترمب يريد "إسرائيل" قوية وقادرة على حماية مصالحها، لكنه في الوقت ذاته يريد شرق أوسط أكثر استقرارًا وانفتاحًا أمام الاستثمارات والتجارة.
ومن هذه الزاوية، قد تتحول الحرب المستمرة إلى عائق أمام مشروع ترمب، خصوصًا إذا أدت إلى تعطيل مسارات التطبيع والاستثمار وإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية.
وتبدو القضية الفلسطينية، وفق التصور الذي تكشفه هذه الخطة، حاضرة باعتبارها أحد الملفات التي يجب احتواؤها حتى يمكن المضي في مشروع إعادة ترتيب المنطقة، وليس باعتبارها القضية المركزية التي ينبغي أن يبدأ منها الحل.
ويحذر هذا التصور من تحويل احتياجات الفلسطينيين الإنسانية والاقتصادية إلى بديل عن حقوقهم السياسية والوطنية، بحيث تصبح إعادة الإعمار وتحسين مستوى المعيشة مقابل التخلي عن المطالب المتعلقة بالسيادة وتقرير المصير.
وبهذا المعنى، فإن الخطر بالنسبة إلى الفلسطينيين لا يكمن فقط في تفاصيل ترتيبات ما بعد الحرب، وإنما في احتمال تحويل مرحلة ما بعد الحرب إلى مسار يعيد تعريف القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا اقتصاديًا وأمنيًا، بدل كونها قضية شعب واقع تحت الاحتلال ويطالب بحقوقه الوطنية.
"مثلث ترمب"
وتخلص الرؤية التي يعرضها فاروق إلى أن تصور ترمب للمرحلة المقبلة يقوم على ثلاثة أضلاع رئيسية: "إسرائيل" مندمجة بصورة أوسع في المنطقة، فلسطينيون يحصلون على ترتيبات اقتصادية وإدارية في غزة، وإيران واقعة تحت ضغط إقليمي وأميركي واسع.
وبالتوازي، تسعى واشنطن إلى نقل جزء أكبر من مسؤولية الأمن الإقليمي إلى تحالفات تضم حلفاءها في المنطقة، مع احتفاظ الولايات المتحدة بدور الضامن والموجه لهذه المنظومة.
لكن بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بمدى نجاح ترمب في إعادة تشكيل تحالفات الشرق الأوسط، وإنما بما إذا كانت هذه الترتيبات ستنهي الاحتلال وتضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية، أم ستعيد إنتاج واقع جديد تُدار فيه القضية الفلسطينية أمنيًا واقتصاديًا، بينما يبقى جوهر الصراع من دون حل.