☰
✕

قائمة الموقع

"إسرائيل" تطحن الرفات وتدفن حقيقة الإبادة.. ركام غزة يتحول إلى مقبرة لآلاف المفقودين

2026-09-06T12:17:00+03:00
وكالة شهاب

 حذّر المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً من التداعيات الخطيرة لعمليات هدم ونقل ركام المباني المدمرة في قطاع غزة، مؤكداً أن التعامل العشوائي مع الأنقاض، ولا سيما في المناطق التي يُعتقد بوجود مفقودين تحتها، يهدد بإتلاف رفات الضحايا وطمس أدلة جنائية وطب شرعي قد تكون حاسمة في الكشف عن مصير آلاف الأشخاص.

وقال المركز إن عمليات نقل الركام التي تجريها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وما يرافقها من أعمال تجريف وتفتيت داخل مناطق عسكرية مغلقة، لا تمثل مجرد إزالة لأنقاض المباني المدمرة، وإنما تنطوي على مخاطر مباشرة تتعلق بمصير المفقودين الذين لا تزال عائلاتهم تنتظر معرفة ما حل بهم منذ بدء العدوان على قطاع غزة.

وأوضح أن مئات الأطنان من الركام يجري التعامل معها يومياً وفق إجراءات لا تضمن، بحسب ما وثقه المركز، فصل ما قد تحتويه الأنقاض من بقايا بشرية أو مقتنيات شخصية أو أدلة جنائية، محذراً من أن خلط الأشلاء والرفات بالنفايات والمواد المهدمة ونقلها إلى أماكن أخرى قد يجعل عمليات البحث والتعرف على الضحايا أكثر تعقيداً في المستقبل.

هوية الضحايا

وأشار المركز إلى أن آلاف الفلسطينيين ما زالوا في عداد المفقودين، في وقت وثّق فيه حالات اختفاء ومفقودين في مناطق مختلفة من قطاع غزة، ويواصل العمل على بناء قاعدة بيانات لحالات الفقد ومساعدة العائلات في الوصول إلى معلومات عن مصير ذويها.

ولفت إلى أن التعامل مع الركام دون آليات متخصصة للبحث والإنقاذ والطب الشرعي قد يؤدي إلى فقدان عناصر ضرورية لتحديد هوية الضحايا، من بينها الرفات والعظام والأسنان والملابس والمقتنيات الشخصية وموقع العثور عليها، وهي عناصر يمكن أن تساعد لاحقاً في إجراء الفحوصات الجينية وربط الرفات بأفراد العائلات.

وأكد أن المواقع التي تعرضت للقصف والتدمير لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد أكوام من الإسمنت والحديد، إذ قد تكون في الوقت نفسه أماكن لوجود ضحايا تحت الأنقاض، ومقابر مؤقتة، ومواقع تحتوي على أدلة يمكن أن تساعد في إعادة بناء ما جرى وتحديد المسؤوليات.

وحذر المركز من أن إزالة المعالم الجغرافية للمناطق المدمرة، وتسوية المباني والأحياء بالأرض، ونقل الركام بعيداً عن مواقع سقوطه، يمكن أن يؤدي إلى محو أجزاء من مسارح الجرائم، ويصعّب لاحقاً تحديد أماكن الضحايا أو تتبع مسارات الاختفاء القسري، خصوصاً في الحالات التي تشير فيها شهادات أو بلاغات إلى فقدان أشخاص في مناطق محددة.

وتزداد خطورة الأمر، وفق المركز، في ظل استمرار وجود حالات لم يُحسم فيها ما إذا كان أصحابها قد قتلوا تحت الأنقاض أم تعرضوا للاحتجاز أو النقل القسري، وهو ما يجعل الحفاظ على مواقع فقدانهم وأي أدلة مرتبطة بها أمراً ضرورياً لكشف الحقيقة.

وكان المركز قد وثق أنماطاً متعددة للاختفاء القسري في قطاع غزة، وأصدر في آب/أغسطس الماضي دراسة تحليلية استندت إلى عينة من 317 حالة، بهدف رصد أنماط الاختفاء وأماكن وقوعها والظروف المحيطة بها، مؤكداً أن العينة لا تمثل جميع حالات المفقودين في القطاع.

وشدد المركز على أن أخطر ما قد ينتج عن تفتيت الركام بصورة عشوائية هو فقدان إمكانية التعرف على الضحايا مستقبلاً، موضحاً أن عملية تحديد هوية المفقودين لا تعتمد على العثور على جثمان كامل بالضرورة، وإنما يمكن أن تستند إلى أجزاء من الرفات أو عينات بيولوجية صغيرة، شريطة العثور عليها وحفظها بطريقة تسمح بإجراء الفحوصات اللازمة.

وبالتالي، فإن سحق الرفات أو خلطه بآلاف الأطنان من النفايات ونقله بعيداً عن مكان العثور عليه قد يؤدي إلى ضياع سلسلة الأدلة التي يحتاج إليها خبراء الطب الشرعي للتعرف على أصحابها.

وقال المركز إن كل عملية إزالة للركام قبل فحص الموقع وتوثيقه قد تعني فقدان فرصة جديدة أمام عائلة تبحث عن ابن أو أب أو أم أو طفل منذ أشهر، مؤكداً أن قضية المفقودين ليست ملفاً إحصائياً، وإنما حق أصيل للعائلات في معرفة مصير ذويها.

ويشير المركز في رسالته إلى أن سجله للمفقودين يقوم على مبدأ أساسي مفاده أن المفقودين ليسوا مجرد أرقام، بل أشخاص لكل منهم اسم وعائلة وقصة، وأن توثيق حالاتهم يمثل خطوة أساسية باتجاه كشف المصير وتحقيق العدالة.

إخفاء مصير أصحابها.

واعتبر المركز أن إتلاف رفات الضحايا أو التعامل معها بطريقة مهينة يمثل انتهاكاً خطيراً للقواعد التي تحكم حماية الموتى أثناء النزاعات المسلحة، مشدداً على ضرورة احترام جثامين القتلى والحفاظ عليها وعدم العبث بها أو إخفاء مصير أصحابها.

وأكد أن حماية الرفات لا تنفصل عن حق العائلات في معرفة مصير أقاربها، ولا عن حق المجتمع في معرفة حقيقة ما حدث في مواقع القصف والقتل والاختفاء.

كما حذر من أن استمرار تجريف المناطق المدمرة دون توثيق مسبق قد يهدد بتدمير أدلة مرتبطة بملف الاختفاء القسري، بما في ذلك تحديد أماكن الاعتقال أو الاحتجاز أو نقل الأشخاص، في الحالات التي تشير إليها إفادات وشهادات فلسطينية.

وسبق للمركز أن حذر من وجود عوائق أمام عمليات البحث عن المفقودين، من بينها القيود على إدخال المعدات والآليات الثقيلة اللازمة للتعامل مع الركام والأنقاض، وهو ما أدى إلى تعقيد عمليات البحث والكشف عن مصير أعداد كبيرة من المفقودين.

وطالب المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً المجتمع الدولي بالتدخل العاجل للضغط من أجل الوقف الفوري لأي عمليات هدم أو نقل للركام في المواقع التي يحتمل وجود مفقودين أو رفات ضحايا فيها، إلى حين إخضاع هذه المواقع للفحص والتوثيق من جهات مختصة.

ودعا إلى السماح الفوري بدخول فرق الإنقاذ وخبراء الطب الشرعي والجهات الإنسانية المختصة إلى المناطق المدمرة، والعمل وفق آليات مهنية تضمن البحث عن الرفات وانتشالها وحفظها وتوثيق أماكن العثور عليها، بما يسمح لاحقاً بإجراء عمليات التعرف على أصحابها.

وشدد على ضرورة أن تقوم أي خطة مستقبلية لإزالة ركام قطاع غزة على مبدأ حفظ الأدلة قبل إزالة الأنقاض، بحيث لا تتحول عملية إزالة الدمار إلى عملية إضافية لفقدان الرفات ومحو آثار الجرائم.

شفافة وموثقة

وأكد المركز أن التعامل مع ركام غزة يجب أن يخضع لإجراءات شفافة وموثقة، تتضمن تحديد مواقع المباني المدمرة، وتصويرها وتوثيقها قبل إزالتها، وفحص الأنقاض بحثاً عن الرفات والمقتنيات الشخصية والأدلة، مع إنشاء سجلات دقيقة لمواقع العثور على أي بقايا بشرية.

كما حذر من أن مشاركة شركات مدنية في عمليات هدم أو نقل الركام دون ضمانات قانونية وإنسانية قد تضعها أمام مسؤوليات قانونية، إذا ثبت أنها ساهمت في إتلاف أدلة أو رفات أو طمس معالم مرتبطة بجرائم حرب أو انتهاكات جسيمة.

وختم المركز بالتأكيد على أن الركام في غزة ليس مجرد مخلفات حرب، بل قد يخفي خلف كل طبقة منه جثمان مفقود، أو دليلاً على جريمة، أو إجابة تنتظرها عائلة منذ سنوات؛ ولذلك فإن إزالته دون بحث وتوثيق وحفظ للرفات قد تجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة، وتترك آلاف العائلات عالقة بين الأمل في العثور على أحبائها والخوف من أن يكون ركام منازلهم قد ابتلع آخر أثر لهم.

اخبار ذات صلة