تدخل ألمانيا، اليوم الاثنين، مواجهة قانونية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، في محاولة لإسقاط دعوى رفعتها نيكاراغوا تتهم فيها برلين بالإخلال بالتزاماتها الدولية تجاه الفلسطينيين، عبر مواصلة تزويد "إسرائيل" بالسلاح والمعدات العسكرية، وتعليق تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، في وقت كانت فيه غزة تتعرض لحرب واسعة النطاق.
وتأتي جلسات المحكمة في وقت تسعى فيه برلين إلى منع القضية من الوصول إلى جوهر الاتهامات، بعدما قدمت في تشرين الأول/أكتوبر 2025 اعتراضات أولية على اختصاص المحكمة وعلى مقبولية عدد من مطالب نيكاراغوا. وبموجب هذه الاعتراضات، تطلب ألمانيا إنهاء القضية قبل أن تبدأ المحكمة النظر في مسؤوليتها المحتملة عن انتهاك القانون الدولي.
وتتهم نيكاراغوا ألمانيا بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية واتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، معتبرة أن استمرار الدعم العسكري لـ"إسرائيل" في ظل ما يتعرض له الفلسطينيون في قطاع غزة يضع برلين أمام مسؤولياتها القانونية في منع الإبادة وعدم تقديم المساعدة التي يمكن أن تسهم في وقوع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
ولا تقتصر القضية على شحنات السلاح، إذ أدرجت نيكاراغوا أيضًا قرار ألمانيا تعليق تمويل الأونروا ضمن ملفها، باعتباره إجراءً ساهم في الضغط على منظومة المساعدات المقدمة للفلسطينيين في غزة، في الوقت الذي كانت فيه الاحتياجات الإنسانية تتفاقم بصورة كارثية.
وتحاول ألمانيا دفع المحكمة إلى عدم المضي في القضية، مستندة إلى اعتراضات تتعلق باختصاصها وبمقبولية بعض المطالب، كما سبق أن دفعت بأن "إسرائيل" تمثل طرفًا لا غنى عنه في أي قضية تتناول مسؤوليتها عن أفعال وقعت في غزة، وأن محاكمة مسؤولية دولة ثالثة لا يمكن أن تقوم على حسم مسؤولية "إسرائيل" من دون حضورها في الدعوى.
وترد نيكاراغوا على ذلك بأن القضية لا تستهدف محاكمة "إسرائيل" أمام المحكمة، وإنما تبحث في مسؤولية ألمانيا عن التزاماتها هي بموجب القانون الدولي، ولا سيما واجب منع الإبادة واحترام القانون الدولي الإنساني وعدم تقديم العون الذي يمكن أن يستخدم في ارتكاب انتهاكات جسيمة.
وكانت المحكمة قد رفضت في نيسان/أبريل 2024 طلب نيكاراغوا اتخاذ تدابير مؤقتة تلزم ألمانيا بوقف مساعداتها العسكرية لـ"إسرائيل"، لكنها لم تُنهِ القضية ولم تقبل طلب برلين إسقاطها، وبالتالي بقي أصل الدعوى قائمًا. ويُعد هذا التفصيل مهمًا، لأن قرار المحكمة في ذلك الوقت لم يكن حكمًا ببراءة ألمانيا من الاتهامات، وإنما قرارًا يتعلق بالتدابير العاجلة المطلوبة خلال سير القضية.
وتستمر جلسات الاعتراضات الأولية أربعة أيام، تبدأ بمرافعة ألمانيا اليوم، تليها مرافعة نيكاراغوا غدًا، ثم جولة ثانية للطرفين يومي الأربعاء والخميس. وبعد انتهاء المرافعات، ستقرر المحكمة ما إذا كانت ستقبل الاعتراضات الألمانية وتنهي القضية، أو ترفضها وتسمح بانتقال الملف إلى مرحلة النظر في جوهر الاتهامات.
وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنسبة للفلسطينيين، لأنها تضع مسؤولية الدول الداعمة للاحتلال أمام القضاء الدولي، بدل حصر المسؤولية في الطرف الذي ينفذ العمليات العسكرية على الأرض. وفي حال تجاوزت الدعوى مرحلة الاعتراضات، ستجد المحكمة نفسها أمام بحث قانوني أكثر اتساعًا حول حدود مسؤولية الدول التي تواصل تسليح "إسرائيل" أو تقديم أشكال أخرى من الدعم لها بينما تستمر الانتهاكات بحق الفلسطينيين.
وتأتي هذه المواجهة القانونية بصورة منفصلة عن الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد "إسرائيل" أمام المحكمة ذاتها، والتي تتهم فيها الاحتلال بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة. أما دعوى نيكاراغوا، فتضع ألمانيا نفسها في مركز المساءلة، باعتبارها دولة يُتهم دعمها العسكري والسياسي بالمساهمة في استمرار الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني.
وبذلك لا تدور جلسات لاهاي الحالية حول ما إذا كانت الحرب على غزة قد أوقعت ضحايا فلسطينيين فحسب، بل حول الحدود التي يقف عندها التزام الدول التي تزوّد الاحتلال بالسلاح، والمسؤولية القانونية التي يمكن أن تترتب على استمرار هذا الدعم في ظل الانتهاكات الموثقة بحق الفلسطينيين.