لم تكن تصريحات جاريد كوشنير من كييف مساء أمس عابرة، ولا زلة لسان تحدث بها بارتجال بعيداً عن ملفه، الرجل يقف على أرض أوكرانية، في مهمة رسمية إلى جانب ستيف ويتكوف موضوعها الحرب الروسية الأوكرانية، لا غزة، ومع ذلك اختار أن يفتح ملف القطاع بلغة لا تخلو من تهديد مبطّن، وبمعطيات يقول إنها فاجأت واشنطن نفسها، هذا التوقيت وحده يستحق التوقف عنده طويلاً.
يقول كوشنير حرفياً إن حجم التسليح في غزة "يفوق ما يمكن تصوره"، وإن الإدارة الأمريكية "بدأت للتو" تستوعب حجمه الحقيقي، لغة كهذه حين تصدر عن مسؤول أمريكي رفيع، لا يمكن قراءتها إلا في سياق أن واشنطن تبرر وتمهّد الطريق أمام خطوة إسرائيلية عسكرية قادمة في غزة، بحجة وجود تسليح غير متوقع في القطاع، عبر تصوير غزة كخطر عسكري "غير مفهوم الحجم" حتى الآن.
غير أن الجملة الأخطر في تصريحات كوشنير ليست الحديث عن السلاح، بل قوله إن واشنطن وتل أبيب "تتفقان على الهدف النهائي"، وإن الخيارات أمام إسرائيل "مجنونة"، وهذا يجعلها "غير عقلانية بعض الشيء"، هذه ليست ملاحظة تحليلية، بل غطاء سياسي مسبق.
فحين يصف مسؤول أمريكي بهذا الوزن رد فعل إسرائيل المحتمل بـ"الجنون"، ثم يبرره بضخامة التهديد المزعوم، فهو عملياً يمنح الاحتلال صك عذر قبل أن يرتكب الفعل لا بعده، هكذا تُصاغ الشرعية الدولية لعمليات لم تقع بعد.
وتأتي هذه التصريحات في ظل احتدام المنافسة الانتخابية في إسرائيل، وبحث نتنياهو عن أي عمل ينقذ حياته السياسية، وهو ما ينذر بأن نتنياهو يُجهّز لعمل عسكري في غزة، سعياً منه إلى تسويقه كنصر يرفع أسهمه في الانتخابات القادمة.
وبين تقرير عسكري يُساق ذريعةً، وتصريح دبلوماسي يُصاغ غطاءً، وحسابات انتخابية تتقدّم على أي حساب آخر، تستمر الابادة الجماعية ضد غزة
وهنا تكمن المسؤلية الاخلاقية للامة العربية والاسلامية ولكل احرار العالم فحين تتحول غزة إلى بند تفاوضي يُدار بلغة "الجنون المباح" لا يعود صمتُ الشعوب والأمة ترفاً يمكن السكوت عنه، بل تواطؤاً غير مباشر مع منطق يُبيح الدم بذريعة السلاح.
فالشعوب العربية والإسلامية، وكل أحرار العالم، مُطالَبون اليوم، لا غداً، بأن يتحول موقفهم الداعم لفلسطين من تعاطف عابر إلى ضغط سياسي وشعبي فاعل، يكسر حسابات الانتخابات الإسرائيلية وتوازنات المصالح الأمريكية على السواء، فما لم تتحول القضية الفلسطينية إلى قضية رأي عام عالمي حاضر وضاغط، ستبقى غزة وحدها في مواجهة "الجنون" المرخَّص، بينما يتفرج العالم من بعيد على مشهد يُعاد إنتاجه في كل مرة بذرائع جديدة.
لكن غزة التي تعرضت لكل صنوف "الجنون" المرخَّص من قبل، ما زالت واقفة على أنقاضها، ومهما بلغت لغة التهديد وتعددت الذرائع بمصطلحات "نزع السلاح" و"الهدف النهائي"، تبقى القضية في جوهرها قضية شعب يقاوم على أرضه، وحقاً لا تُسقطه المؤتمرات ولا تُنسيه المساومات، وستظل غزة، كما كانت دائماً، عنوان الصمود الذي يكتب التاريخ رغماً عن كل من يحاول تفصيله على مقاس مصالحه.