بعد أكثر من عامين على اعتقالها، وجدت صباح هنية، شقيقة الشهيد إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، نفسها أمام محكمة الصلح في بئر السبع، في أول جلسة فعلية لمحاكمتها على خلفية رسائل عائلية أرسلتها عبر تطبيق واتساب عقب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتتحول عبارات متبادلة داخل محيط عائلي إلى ملف قضائي تتهمها فيه النيابة بـ"التحريض وإظهار التعاطف مع منظمة إرهابية".
صباح هنية، البالغة من العمر 57 عامًا، متزوجة وتعيش في بلدة تل السبع في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، حيث استقرت عائلتها في وطنها التاريخي بعد النكبة. ومن هذا المكان، بدأت قصتها مع الاعتقال في الأول من أبريل/نيسان 2024، عندما اقتحمت قوات من الشرطة وجهاز الأمن الداخلي منزلها، قبل اقتيادها إلى أحد مراكز الاعتقال.
ومنذ ذلك الحين، بقي ملفها القضائي معلقًا وسط تأجيلات متكررة، إلى أن ظهرت للمرة الأولى أمام المحكمة في بئر السبع في جلسة عقدت الخميس، بعد نحو عامين من توقيفها وتوجيه الاتهامات إليها.
وتستند القضية، وفق ما أوردته القناة الـ12، إلى رسائل عائلية قالت الشرطة إنها ضبطتها على هاتفها، وأرسلتها صباح هنية في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر. وتتمسك النيابة بأن بعض ما ورد في تلك الرسائل يشكل دعمًا لحركة حماس وتحريضًا على العنف، فيما ينفي فريق الدفاع هذا التوصيف ويقدم رواية مختلفة لطبيعة الرسائل وصاحبتها.
ومن بين الرسائل التي تستند إليها النيابة عبارة "الحرب بدأت"، أرسلت في السابع من أكتوبر، إلى جانب رسالة أخرى تضمنت دعاءً بقتل الأعداء وتدميرهم، أُرسلت بعد أيام من بدء الحرب. وبناء على هذه العبارات، بُني جزء أساسي من الاتهام الذي تواجهه شقيقة هنية.
لكن الدفاع يحاول تفكيك الرواية الإسرائيلية من أساسها، مشيرًا إلى أن صباح هنية أمية لا تجيد القراءة والكتابة، وأنها تعتمد على قلم إلكتروني لمساعدتها في قراءة النصوص، وتستخدمه كذلك في قراءة القرآن الكريم، الأمر الذي يثير تساؤلات حول ظروف كتابة الرسائل وطريقة استخدامها للهاتف وما إذا كانت العبارات المنسوبة إليها تعكس فعلًا ما تقوله النيابة.
وخلال الجلسة، سألها الادعاء عن تصرفاتها صباح السابع من أكتوبر، فردت بالقول إن حالة من الفوضى عمت المكان، وإنها اختبأت في القبو وسألت عما جرى وما الذي حدث.
ولا تنفصل محاكمة صباح هنية عن السياق الأوسع الذي عاشته عائلة هنية خلال السنوات الأخيرة، إذ تعرض أفراد من عائلتها للاستهداف في غارات إسرائيلية على قطاع غزة، قبل أن يصل الاستهداف إلى رئيس حركة حماس اإسماعيل هنية نفسه خارج فلسطين، حين اغتيل في العاصمة الإيرانية طهران في يوليو/تموز 2024.
وقبل اغتيال شقيقها بأسابيع، كانت صباح قد فقدت عددًا من أفراد عائلتها في قطاع غزة، بعدما استهدفت غارة إسرائيلية منزلًا لعائلة هنية في مخيم الشاطئ في يونيو/حزيران 2024، ما أدى إلى استشهاد عشرة من أفراد الأسرة، بينهم شقيقتها زهر هنية.
وبذلك، لا تبدو قضية صباح هنية مجرد ملف قضائي منفصل، بل تأتي في ظل ملاحقة أوسع لأفراد عائلات وشخصيات فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948، خصوصًا منذ السابع من أكتوبر، حيث اتسعت دائرة الملاحقات المرتبطة بالمنشورات والتعليقات والمواقف التي تعتبرها السلطات الإسرائيلية مؤيدة للمقاومة أو محرّضة عليها.
وتكشف القضية في جانب آخر طبيعة العلاقة المعقدة التي يعيشها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 1948 مع منظومة القوانين والإجراءات الإسرائيلية، إذ يجد كثير منهم أنفسهم أمام اتهامات جنائية على خلفية تعبيرات أو منشورات أو مواقف مرتبطة بالحرب، في وقت شددت فيه السلطات إجراءاتها تحت عنوان مكافحة "التحريض" و"الإرهاب".
وبالنسبة إلى صباح هنية، فإن المسار القضائي الذي بدأ بعد عامين من الاعتقال يضع رسائل عائلية في صدارة ملف اتهام جنائي، فيما يبقى الحكم النهائي للقضاء، وتبقى رواية الدفاع متمسكة بأن ما قدمته النيابة لا يرقى إلى إثبات التهم الموجهة إليها.
وتتجه الأنظار الآن إلى مسار المحاكمة المقبلة، التي ستحدد ما إذا كانت الرسائل التي تبادلتها امرأة فلسطينية مع أفراد عائلتها عقب اندلاع الحرب ستتحول إلى أساس لإدانتها، أم أن المحكمة ستأخذ في الاعتبار ظروفها الشخصية وطبيعة الرسائل والدفوع التي قدمها فريق الدفاع.