قائمة الموقع

تقرير من "لافندر" إلى "نازا".. كيف تحوّل المدنيون وأطفال غزة إلى أرقام في بنك أهداف الاحتلال؟

2026-09-14T10:37:00+03:00
وكالة شهاب

خاص / شهاب

أثارت تحقيقات صحفية وشهادات من داخل جيش الاحتلال "الإسرائيلي" صدمة واسعة، بعدما كشفت عن منظومة استهداف تعتمد على جمع كميات هائلة من البيانات عن الفلسطينيين في قطاع غزة، ثم تحليلها لتحديد الأشخاص والمنازل والمواقع المرشحة للقصف، في وقت تُحتسب فيه مسبقًا أعداد المدنيين الفلسطينيين الذين يمكن أن تودي بهم كل غارة.

وبحسب الشهادات التي نقلتها تحقيقات صحفية، لم تقتصر هذه المنظومة على تحديد من تريد قوات الاحتلال استهدافه، بل امتدت إلى تقدير حجم الخسائر البشرية التي يمكن أن تنتج عن الضربة، بما في ذلك وجود عائلات وأطفال داخل المنازل المستهدفة. وتعيد هذه الشهادات فتح ملف الطريقة التي جرى بها التعامل مع حياة الفلسطينيين في غزة، حين تحولت أسماء وبيانات ومنازل وعائلات إلى أرقام داخل منظومة عسكرية تحدد من يُستهدف وأين، وعدد المدنيين الذين يمكن أن يدفعوا حياتهم ثمنًا للضربة.

فتح الملف مجدداً

وأعاد وثائقي "نازا" فتح هذا الملف من خلال شهادات 24 جنديًا وضابطًا "إسرائيليًا" في الاستخبارات والجيش، تحدثوا عن عملهم خلال الحرب على غزة. وبحسب تحقيق نشرته صحيفة "الغارديان" في 10 سبتمبر/أيلول الجاري، فإن اسم "نازا" هو اختصار عسكري "إسرائيلي" يُستخدم للإشارة إلى المدنيين المتوقع مقتلهم في هجوم على هدف عسكري. ويشير التحقيق إلى أن المصطلح لا يتعلق بخسائر تقع بالمصادفة، وإنما بعدد المدنيين الذين يُتوقع سقوطهم في الغارة قبل تنفيذها.

ووفقًا لشهادات المشاركين التي نقلتها "الغارديان"، فإن هذه الحسابات لم تكن مرتبطة فقط بضرب أهداف في مناطق خالية، بل شملت منازل يعرف القائمون على الاستهداف أن عائلات تقيم فيها.

وقال أحد المصادر، بحسب الصحيفة، إن الهدف كان في أحيان معينة موجودًا داخل منزل مع أسرته، وإن القصف كان يُنفذ ليلًا رغم معرفة وجود أفراد العائلة.

ونقلت الصحيفة عن أحد المشاركين قوله إن الموافقة وصلت في إحدى الحالات إلى إمكانية قتل 500 مدني مقابل استهداف شخص واحد، وهي رواية وردت على لسان مصدر مجهول، ولا تقدمها الصحيفة باعتبارها أمرًا عسكريًا منشورًا، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالًا بالغ الخطورة حول المعايير التي تحكم تقدير الخسائر البشرية في قطاع غزة، وحول ما إذا كان سقوط المدنيين يُعامل باعتباره نتيجة جانبية للحرب أم رقمًا يدخل في الحساب قبل إطلاق الصاروخ.

وتشير وكالة "رويترز"، في تقرير نشرته في 10 سبتمبر/أيلول، إلى أن شهادات "نازا" تتحدث عن إدخال الخسائر المدنية المتوقعة ضمن قرارات الاستهداف، كما نقلت عن المشاركين أن أنظمة تعتمد على معالجة بيانات الهواتف استُخدمت للمساعدة في تحديد مواقع الأشخاص المستهدفين. وقال أحد المصادر إن عبارة مثل "أبي في البيت" التي تظهر في هاتف طفل يمكن أن تصبح معلومة تساعد في تحديد وجود الأب أو الشخص المطلوب في المنزل.

وهنا يظهر اسم "لافندر"، الذي سبق أن كشفت عنه تحقيقات صحفية في أبريل/نيسان 2024. فقد نشرت مجلة "+972" و"لوكال كول" تحقيقًا استند إلى شهادات ستة ضباط في الاستخبارات "الإسرائيلية"، قالوا إن جيش الاحتلال استخدم نظامًا يحمل اسم "لافندر" لمعالجة كميات كبيرة من البيانات ووضع أسماء فلسطينيين على قوائم الأشخاص المشتبه بانتمائهم إلى حركة حماس أو الجهاد الإسلامي. وقال التحقيق إن النظام وضع في إحدى المراحل نحو 37 ألف فلسطيني ضمن قائمة الأشخاص الذين يمكن استهدافهم.

آلاف الأسماء بسرعة كبيرة.

وبحسب الشهادات التي أوردتها "+972"، كان معظم الأشخاص الذين حددهم "لافندر" من العناصر منخفضة الرتبة، وقال أحد الضباط إن النظام كان قادرًا على إنتاج آلاف الأسماء بسرعة كبيرة. وأضاف التحقيق أن بعض المشغلين كانوا يقضون نحو 20 ثانية فقط في مراجعة الهدف قبل السماح بتنفيذ الضربة، فيما قالت المصادر إن النظام كان يخطئ في نسبة من الحالات.

وتحدث التحقيق نفسه عن استخدام نظام آخر أطلق عليه اسم "أين أبي؟"، وكانت وظيفته، وفق المصادر التي تحدثت إليها "+972" و"لوكال كول"، تحديد وجود الشخص المطلوب داخل منزله، بحيث يمكن تنفيذ الضربة في المكان الذي يوجد فيه. وذكرت التحقيقات أن استهداف الأشخاص داخل منازلهم كان يعني في كثير من الحالات وجود أفراد أسرهم معهم، وهو ما رفع عدد المدنيين الذين قد يسقطون في الضربة.

أما "لافندر"، فلم يكن هو النظام الوحيد الذي ورد اسمه في التحقيقات. فقد تحدثت المصادر عن منظومة أخرى عُرفت باسم "إنجيل"، كانت مهمتها المساعدة في تحديد المباني والمنشآت التي يمكن استهدافها، فيما تولى "لافندر" تحديد الأشخاص المشتبه بهم. وبحسب تحقيق "الغارديان" المنشور في أبريل/نيسان 2024، ساعدت هذه الأنظمة في تسريع إنتاج الأهداف خلال الحرب.

وفي تحقيق "+972"، قال ضباط استخبارات إن جيش الاحتلال سمح خلال المراحل الأولى من الحرب باستخدام قوائم "لافندر" على نطاق واسع، مع قدر محدود من المراجعة البشرية في بعض الحالات. ونقلت المجلة عن أحد المصادر أن العاملين كانوا يتعاملون أحيانًا مع نتائج النظام كما لو أنها قرار بشري جاهز، بينما قال جيش الاحتلال في المقابل إن هذه الرواية غير صحيحة وإن النظام مجرد قاعدة بيانات لمقارنة المعلومات الاستخبارية وليس قائمة اغتيالات جاهزة.

وكان جيش الاحتلال "الإسرائيلي" قد رد على تحقيق "لافندر" في أبريل/نيسان 2024، وقال إن الجيش لا يستخدم نظامًا يحدد بصورة مستقلة من هو "إرهابي"، وإن أدوات إدارة المعلومات تستخدم لمساعدة محللي الاستخبارات على جمع المعلومات وتحليلها، مؤكدًا أن المحللين مطالبون بإجراء فحوص مستقلة قبل اعتماد أي هدف. كما نفى الجيش وجود سياسة تسمح بقتل أعداد محددة من المدنيين بصورة تلقائية مع كل هدف.

غير أن هذا الرد لم يُنهِ الأسئلة التي أثارتها الشهادات، خصوصًا أن التحقيقات اللاحقة لم تتحدث عن نظام واحد يتخذ قرار القتل بصورة مستقلة، وإنما عن سلسلة من الأنظمة والإجراءات التي تساعد في إنتاج الأهداف وتحديد أماكنها وتقدير الخسائر المدنية قبل تنفيذ الضربة.

أكثر خطورة 

وتعيد شهادات "نازا" طرح المسألة من زاوية أكثر خطورة، إذ لا تتحدث فقط عن كيفية تحديد الشخص المطلوب، وإنما عن عدد المدنيين الذين يُتوقع قتلهم معه. وبحسب "الغارديان"، فإن مصطلح "نازا" نفسه يشير إلى المدنيين المتوقع سقوطهم في الهجوم، بينما قالت مصادر تحدثت إلى الصحيفة إن تقدير هذا العدد كان جزءًا من عملية اتخاذ القرار بشأن تنفيذ الضربة.

وفي هذا السياق، تصبح العائلة الموجودة داخل المنزل جزءًا من الحساب العسكري. فقد قال أحد المشاركين في "نازا"، بحسب "الغارديان"، إن العاملين في الاستخبارات كانوا يستمعون إلى الهواتف ويعرفون أحيانًا أن المنزل المستهدف يضم أطفالًا، ومع ذلك تستمر عملية الاستهداف. وقال مصدر آخر إن دوره كان تقنيًا وإنه كان يرى نفسه مجرد جزء صغير من سلسلة أكبر.

وتنقل "رويترز" عن الشهادات نفسها أن منظومة جمع المعلومات اعتمدت على آلاف الهواتف المحمولة التي جرى اختراقها أو تتبع بياناتها، وأن المعلومات المستخرجة منها استخدمت للمساعدة في تحديد مواقع الأشخاص والمنازل. وبحسب أحد المشاركين، كان ظهور عبارة مثل "أبي في البيت" على هاتف طفل كافيًا في بعض الحالات للمساعدة في معرفة أن الشخص المستهدف موجود في المنزل.

ولا تتوقف الشهادات عند عمليات القصف من الجو؛ إذ تحدث المشاركون، وفق "رويترز"، عن قتل فلسطينيين في مناطق وصفها الجيش بأنها مناطق ممنوعة أو مناطق عسكرية مغلقة، بما في ذلك محيط مراكز توزيع المساعدات. وقال أحد المصادر إن السكان لم يكونوا يعرفون بالضرورة حدود هذه المناطق، مضيفًا أن المدنيين كانوا يتعلمون حدودها "بالدم".

وهذه الشهادات الجديدة تأتي بعد سنوات من التقارير التي تناولت طريقة إدارة الاستهداف "الإسرائيلي" في غزة. فقد قالت مجلة "+972" في تحقيقها عام 2024 إن أحد الضباط تحدث عن ضغط مستمر لإنتاج مزيد من الأهداف، وإن عدد الأسماء التي ينتجها "لافندر" كان يرتفع أو ينخفض بحسب مستوى الاشتباه المطلوب لاعتماد الشخص هدفًا.

وفي الوقت نفسه، يتمسك جيش الاحتلال برواية مختلفة تمامًا. ففي رده على "نازا"، قال الجيش إن الفيلم يعتمد على شهادات مجهولة لا يمكن التحقق من هوية أصحابها أو من وظائفهم أو من مشاركتهم في الوقائع التي تحدثوا عنها، واعتبر أن بعض الادعاءات الواردة في الفيلم تتناول قرارات استراتيجية تتجاوز مستوى معرفة الجنود الذين نسبت إليهم تلك الشهادات.

لكن الاستناد إلى عدم كشف هويات الشهود لا يجيب وحده عن مضمون الشهادات، خصوصًا أن التحقيقات التي كشفت ملف "لافندر" و"نازا" لم تعتمد على مصدر واحد، بل جاءت عبر شهادات متعددة من داخل أجهزة الاستخبارات والجيش، وتقاطعت معها معلومات وتحقيقات صحفية على مدى أكثر من عامين. كما أن نفي الجيش لا يفسر بصورة كاملة ما تقوله هذه الشهادات عن وجود تقديرات مسبقة للخسائر المدنية، ولا يبدد السؤال حول الكيفية التي كانت تُستخدم بها مخرجات أنظمة تحديد الأهداف داخل سلسلة القرار العسكري.

إنتاج الأهداف

كما أكد جيش الاحتلال، في رده السابق على تحقيق "لافندر"، أن تحديد الأهداف يتم وفق قواعد التناسب والاحتياطات المتعلقة بالمدنيين، وأن تقييم الضرر المتوقع يجري قبل كل ضربة، وأن الجيش لا ينفذ الهجمات عندما يرى أن الضرر المتوقع على المدنيين مفرط مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة.

غير أن هذه النقطة تحديدًا تضع الرواية الرسمية أمام مفارقة واضحة؛ فإذا كان تقدير عدد المدنيين المتوقع سقوطهم جزءًا من الإجراءات التي تسبق الضربة، فإن السؤال لا يعود فقط حول ما إذا كان الجيش "يتعمد" قتل المدنيين، وإنما حول ما الذي يعنيه إدخال وجود الأطفال والعائلات وعدد الضحايا المتوقعين في الحساب قبل تنفيذ القصف، ومن يقرر أن هذا العدد من الأرواح الفلسطينية يمكن أن يكون مقبولًا لتحقيق هدف عسكري.

وبينما يقول جيش الاحتلال إن هذه الأنظمة أدوات يستخدمها محللو الاستخبارات ولا تتخذ القرار بدلًا عنهم، يقول جنود وضباط تحدثوا إلى "+972" و"الغارديان" وشارك بعضهم في "نازا" إن هذه الأدوات أدت إلى توسيع نطاق إنتاج الأهداف وتسريع عملية الاستهداف، وإن عدد المدنيين المتوقع قتلهم كان حاضرًا في بعض القرارات قبل تنفيذ الضربة.

وبين "لافندر" و"نازا" تتضح مراحل متتابعة كما ترويها هذه التحقيقات: جمع المعلومات عن الفلسطينيين، تحديد أشخاص يُشتبه بانتمائهم إلى فصائل المقاومة، تحديد أماكن وجودهم، ثم تقدير عدد المدنيين الموجودين حولهم أو داخل منازلهم، وبعد ذلك اتخاذ قرار بشأن الضربة. وفي هذه السلسلة، يظهر الطفل أحيانًا في البيانات باعتباره صاحب هاتف أو فردًا من عائلة الشخص المستهدف، ثم يظهر لاحقًا في حساب الخسائر المدنية المتوقعة.

ولهذا فإن القضية التي تطرحها "نازا" لا تتعلق فقط باستخدام وسائل تقنية حديثة في الحرب، بل بما تقوله الشهادات عن إدخال حياة المدنيين الفلسطينيين في قرار القصف نفسه. فالطفل الذي يُقتل في الغارة لا يكون مجرد نتيجة مجهولة مسبقًا، وفق هذه الشهادات، وإنما قد يكون وجوده داخل المنزل جزءًا من المعلومات المتاحة لمن يتخذ قرار الضربة.

وتقول وكالة "رويترز" إن "إسرائيل" تؤكد أنها تبذل جهودًا كبيرة لتجنب قتل المدنيين، في المقابل، يرى أصحاب الشهادات الواردة في "نازا" أن ما جرى في غزة يعكس سياسة استهداف واسعة النطاق، لا مجرد أخطاء فردية ارتكبها جنود على الأرض.

وفي ضوء ما تكشفه هذه التحقيقات المتتالية، يصعب التعامل مع قتل المدنيين الفلسطينيين في غزة باعتباره سلسلة من الأخطاء الفردية أو الأضرار الجانبية غير المتوقعة. فالشهادات التي خرجت من داخل منظومة الاحتلال تتحدث عن جمع بيانات الفلسطينيين، وتحديد الأشخاص والمنازل، ومعرفة وجود العائلات والأطفال، ثم تقدير عدد المدنيين الذين قد يُقتلون قبل تنفيذ الضربة.

أدلة الإبادة

وبين "لافندر" و"أين أبي؟" و"إنجيل" و"نازا"، تتشكل أمام الرأي العام صورة أكثر اتساعًا عن منظومة استهداف لم تضع حياة الفلسطينيين خارج حساباتها، بل جعلت دماءهم جزءًا من الحساب العسكري نفسه. وإذا صحت الشهادات التي أوردتها هذه التحقيقات، فإن المسألة تتجاوز الحديث عن خلل تقني أو خطأ في تحديد هدف، لتصل إلى قرارات عسكرية كان القائمون عليها يعرفون مسبقًا أن أطفالًا وعائلات فلسطينية قد يكونون داخل المنازل المستهدفة.

ومن هنا تكتسب هذه التحقيقات أهميتها في ملف الاتهامات الموجهة إلى "إسرائيل" بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في قطاع غزة ، كما أن تكرار هذه الشهادات عبر تحقيقات مختلفة، وظهورها على مدى أكثر من عامين، يجعل الاكتفاء بنفي جيش الاحتلال أو القول إن الأنظمة المستخدمة "أدوات" لا تتخذ القرار بنفسها غير كافٍ لإغلاق الملف. فالسؤال الذي تفرضه الوقائع ليس من ضغط الزر الأخير، وإنما من وضع المعايير، ومن حدد الهدف، ومن عرف أن أطفالًا وعائلات موجودون في المكان، ومن قدّر عدد الفلسطينيين الذين يمكن قتلهم، ثم سمح بتنفيذ الضربة رغم ذلك؟

تضع تحقيقات "لافندر" و"نازا" نقاطًا جديدة على حروف ملف الاتهام الموجه إلى الاحتلال "الإسرائيلي"، وتكشف جانبًا من البنية التي جرى من خلالها تحويل الفلسطيني من إنسان له اسم وعائلة وبيت إلى رقم في قاعدة بيانات، ثم إلى هدف، ثم إلى رقم آخر في حصيلة الضحايا.

 

اخبار ذات صلة