قائمة الموقع

تقرير "مشروع المحو".. كيف تتحول الضفة الغربية إلى مناطق فلسطينية محاصرة داخل شبكة استيطانية؟

2026-09-15T10:17:00+03:00
وكالة شهاب

خاص / شهاب

من الاستيطان ومصادرة الأرض إلى هدم المنازل وتقييد الحركة.. منظومة متشابكة تعيد رسم جغرافيا الضفة وتدفع الفلسطينيين إلى مناطق أكثر ضيقًا

لم يعد تفكيك الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية يمر عبر قرار واحد أو عملية تهجير معلنة، بل يتقدم من خلال سلسلة متزامنة من الإجراءات التي تمس الأرض والسكن والحركة والعمل والحياة الاجتماعية، في وقت تتسع فيه المستوطنات والبؤر والمزارع الاستيطانية على حساب المجال الفلسطيني.

ثلاثة عقود من التوثيق

ويأتي تقرير منظمة "بتسيلم" الحقوقية، الصادر  تحت عنوان "مشروع المحو"، ليضع هذه التطورات ضمن إطار واحد، مستندًا إلى أكثر من ألفي إفادة لفلسطينيين وثقتها المنظمة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى جانب أكثر من ثلاثة عقود من توثيق الانتهاكات. ويرى التقرير أن ما يجري لا يمكن التعامل معه كسلسلة وقائع منفصلة، وإنما كمنظومة مترابطة تستهدف تفكيك الظروف التي تتيح للفلسطينيين مواصلة وجودهم في أرضهم، بالتوازي مع توسيع السيطرة والوجود الاستيطاني.

ويقسم التقرير هذه المنظومة إلى خمسة مسارات متداخلة تشمل العنف وبث الرعب، وتقييد الحركة، والخنق الاقتصادي، وتفكيك الحياة الاجتماعية والسياسية، إلى جانب التهجير والاستيلاء على الأراضي وإعادة تنظيم الحيز الجغرافي. وبحسب "بتسيلم"، فإن قوة هذه الأدوات لا تكمن في كل إجراء بمفرده، وإنما في تزامنها بما يجعل الحياة الفلسطينية أكثر صعوبة، ويمنح التوسع الاستيطاني مساحة أكبر.

ويشير التقرير إلى أن هذا المسار شهد تسارعًا منذ تولي حكومة الاحتلال "الإسرائيلية" الحالية مهامها في نهاية عام 2022، ثم اتخذ وتيرة أشد بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع انتقال مزيد من الصلاحيات والموارد والنفوذ إلى جهات سياسية تدفع باتجاه الاستيطان والضم، وربط ذلك بما تسميه المنظمة "خطة الحسم" التي طرحها وزير المالية "الإسرائيلي" بتسلئيل سموتريتش.

لا يقتصر  التحول على تصاعد الهجمات الميدانية أو اتساع رقعة المستوطنات، إذ يرى الباحث الفلسطيني وليد حباس أن التطور الأهم خلال السنوات الأخيرة يتمثل في مأسسة السيطرة على الأرض وإعادة بناء أدوات إدارتها. وفي دراسة نشرها مركز الدراسات الفلسطينية "مدار" في 27 شباط/فبراير 2026 بعنوان "مأسسة الضم بعد 2023: "مديرية الاستيطان" وأدوات تفكيك الوجود الفلسطيني في المنطقة المصنفة "ج""، يتتبع حباس انتقال ملف الاستيطان والضم في المنطقة المصنفة "ج" إلى مستوى أكثر ارتباطًا بالمؤسسات المدنية والسياسية، ولا سيما بعد إنشاء "مديرية الاستيطان" في شباط/فبراير 2023، وما رافق ذلك من تعزيز دورها في التخطيط والإنفاذ وهدم المنشآت الفلسطينية.

بيئة ردع

ويضع حباس المنطقة المصنفة "ج" في قلب هذا التحول، باعتبارها المجال الأوسع الذي تتقاطع فيه السيطرة على الأرض مع التخطيط والبناء والاستيطان. ووفق قراءته، فإن التعامل مع الوجود الفلسطيني هناك لم يعد محصورًا في إجراءات عسكرية مؤقتة، بل يتجه نحو منظومة أكثر ثباتًا تستخدم أدوات التخطيط والتنظيم ومراقبة البناء وتخصيص الموارد لإعادة تشكيل المجال لمصلحة المشروع الاستيطاني.

وتظهر أهمية هذه الأدوات في كونها تعمل على الأرض بصورة أقل صخبًا من عمليات الإخلاء المباشر، لكنها تؤثر في قدرة الفلسطينيين على بناء مساكن جديدة أو توسيع القرى القائمة أو تطوير البنية التحتية والزراعة. وبذلك يصبح منع التوسع الطبيعي للتجمعات الفلسطينية جزءًا من معركة السيطرة على الأرض، بالتزامن مع فتح المجال أمام توسع المستوطنات والبؤر والمزارع الاستيطانية.

وفي هذا السياق، لا تبدو عمليات الهدم مجرد إزالة لمبانٍ قائمة، إذ يربط حباس بينها وبين خلق بيئة ردع تدفع الفلسطيني إلى تجنب البناء والاستثمار في أرضه، خشية خسارة المنزل أو المنشأة أو رأس المال. ويؤدي تكرار هذه الإجراءات إلى إضعاف قدرة التجمعات الفلسطينية على النمو والاستقرار، خصوصًا في المناطق التي تتعرض في الوقت ذاته لضغوط المستوطنين وقيود الحركة.

وتتجاوز إعادة تشكيل الضفة مسألة الأرض المباشرة إلى إعادة هندسة طرق الحركة والاتصال بين التجمعات الفلسطينية. ويشير الصحفي والباحث في الشأن "الإسرائيلي" أنس أبو عرقوب إلى أن مشاريع الطرق الاستيطانية لا تُفهم باعتبارها مشروعات بنية تحتية منفصلة، وإنما كجزء من شبكة تعيد ترتيب العلاقة بين المستوطنات والمدن والقرى الفلسطينية. وفي تناوله لمشروع شارع "45" الاستيطاني، ربط أبو عرقوب الطريق بمحاولة تغيير الجغرافيا المحيطة برام الله وعزلها عن محيطها الفلسطيني.

ويرتبط ذلك، وفق قراءة أبو عرقوب، بتوسع ما يمكن وصفه بالأحزمة الاستيطانية، حيث تتصل المستوطنات والطرق والبؤر في شبكة واحدة تحيط بالتجمعات الفلسطينية وتضيّق مجال حركتها. وبهذه الطريقة، لا تكون السيطرة على الأرض ناتجة فقط عن مصادرة قطعة هنا أو إقامة بؤرة هناك، وإنما عن تحويل المساحات الفلسطينية إلى مناطق منفصلة نسبيًا، يفصل بينها انتشار استيطاني وطرق وحواجز ومناطق خاضعة لسيطرة الاحتلال.

وتكتسب هذه السياسة بعدًا أكثر وضوحًا في ظل تصاعد عنف المستوطنين. فوفق بيانات "بتسيلم"، جرى تهجير عشرات التجمعات الفلسطينية بفعل العنف والضغط المتراكم، كما شهد شمال الضفة الغربية في عام 2025 تهجيرًا قسريًا لنحو 32 ألف فلسطيني من مخيمات اللاجئين، مع استمرار منع عودتهم حتى عام 2026.

ولا تقتصر الضغوط على الهجمات المباشرة؛ إذ وثقت مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية خلال العام الحالي عمليات هدم ومصادرة أراضٍ وقيودًا على البناء والحركة، فيما تحولت اعتداءات المستوطنين إلى عامل إضافي يدفع سكان التجمعات الرعوية والزراعية إلى مغادرة مناطقهم. ويشير تقرير "بتسيلم" الصادر أمس إلى تنامي التعاون بين المؤسسات الرسمية والجيش والمستوطنين والميليشيات المسلحة التابعة لهم في تنفيذ هذه السياسات، وفق توثيق المنظمة.

وفي دراسة فلسطينية أخرى، يربط حباس بين هذه الأدوات وبين مسار أوسع من الضم التدريجي؛ إذ لا يشترط تغيير الخريطة إعلانًا سياسيًا واحدًا، وإنما يمكن أن يتراكم عبر تغيير قواعد التخطيط، وتسجيل الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وشق الطرق، وتشديد القيود على البناء الفلسطيني، ونقل مزيد من أدوات إدارة الأرض إلى الجهات المرتبطة بالمشروع الاستيطاني.

الأحزمة الاستيطانية

وتكشف هذه المسارات مجتمعة عن تغير في وظيفة الاستيطان نفسه؛ فالمستوطنات لا تؤدي دورًا ديموغرافيًا فقط، وإنما تتحول إلى نقاط ارتكاز لشبكة أوسع من السيطرة على الأرض والطرق والموارد. ويشير أبو عرقوب في تحليلاته خلال عام 2026 إلى أن الأحزمة الاستيطانية تعمل على ربط المستوطنات ببعضها، وفي المقابل تقطع أو تضعف الاتصال الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية.

ويأتي ذلك في وقت وثقت فيه منظمة العفو الدولية، في تقرير نشرته في حزيران/يونيو 2026، هدم آلاف المنشآت الفلسطينية في المنطقة "ج" خلال السنوات الأخيرة، معتبرة أن القيود المفروضة على التخطيط والبناء إلى جانب عنف المستوطنين وسياسات التوسع الاستيطاني تدفع باتجاه تهجير فلسطينيين من مناطقهم. كما أشارت المنظمة إلى أن السلطات الإسرائيلية لم تعتمد في عامي 2023 و2024 خطط إسكان فلسطينية في المنطقة "ج" إلا في نطاق محدود للغاية.

وبحسب تقرير "بتسيلم" الأخير، فإن هذا المسار أسفر منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 عن مقتل 1107 فلسطينيين في الضفة الغربية، بينهم 245 طفلًا، وتهجير 75 تجمعًا فلسطينيًا، فيما امتدت سيطرة البؤر والمزارع الاستيطانية إلى نحو 1.07 مليون دونم، إلى جانب التهجير القسري لنحو 33 ألف فلسطيني من مخيمات شمال الضفة الغربية، وفق الأرقام التي أوردها التقرير. وتربط المنظمة هذه التطورات بمنظومة متكاملة من العنف والتهجير والاستيلاء على الأرض وتقييد الحركة وإضعاف مقومات الحياة الفلسطينية.

وتتداخل هذه الأرقام مع واقع يومي أكثر اتساعًا، إذ لا يفقد الفلسطيني أرضه فقط عندما تصادر رسميًا، وإنما أيضًا عندما يصبح الوصول إليها محفوفًا بالمخاطر، أو يمنع من البناء عليها، أو تقطع الطرق المؤدية إليها، أو تتعرض ممتلكاته ومصادر رزقه لاعتداءات متكررة. وفي المقابل، تستمر عملية توسيع المجال الذي يمكن للمستوطنات أن تتمدد داخله.

ومن هنا، فإن ما يوثقه تقرير "مشروع المحو" الصادر أمس لا يقف عند حدود العنف أو التهجير، بل يتقاطع مع مسار مؤسساتي وجغرافي أوسع رصده باحثون فلسطينيون خلال عام 2026، تتداخل فيه أدوات التخطيط والاستيطان ومصادرة الأرض والطرق وعنف المستوطنين لتغيير شكل الضفة الغربية نفسها.

وفي الوقت الذي تتقلص فيه المساحات المتاحة أمام التوسع الفلسطيني، تتقدم شبكة استيطانية أكثر اتصالًا، تتوزع فيها المستوطنات والبؤر والطرق والمزارع على امتداد مناطق واسعة، بينما تُدفع التجمعات الفلسطينية تدريجيًا نحو جيوب منفصلة ومحاصرة بقيود الحركة والبناء والوصول إلى الأرض.

و لا يجري التعامل مع الضفة باعتبارها مساحة واحدة يعيش فيها الفلسطينيون والمستوطنون، وإنما يجري إعادة ترتيبها على الأرض إلى فضاءات متفاوتة في الحقوق والسيطرة وإمكانات الحركة والبناء؛ وهي عملية تجعل تغيير الخريطة سابقًا، في كثير من جوانبه، لأي إعلان سياسي رسمي عن الضم

اخبار ذات صلة