قائمة الموقع

تقرير انهيار "عمارة السعادة".. غزة تدفع ثمن غياب المأوى ومعدات الإنقاذ بالدماء

2026-09-16T14:11:00+03:00
صورة تعبيرية
شهاب

تقرير – شهاب

استيقظ قطاع غزة، صباح اليوم الأربعاء، على فاجعة إنسانية جديدة في منطقة شارع الصناعة غربي مدينة غزة، بعدما انهارت بناية سكنية متضررة مكونة من عدة طوابق فوق رؤوس ساكنيها، في مشهد مأساوي يضاف إلى سلسلة المآسي التي يعيشها سكان القطاع.

وأسفر الانهيار عن ارتقاء 20 شخصًا، بينهم 8 أطفال، فيما لا يزال نحو 15 شخص مفقودين تحت الأنقاض، وسط محاولات من الدفاع المدني للوصول إليهم وإنقاذ من يمكن إنقاذه، في ظل انعدام المعدات اللازمة بسبب تعنت الاحتلال في إدخالها.

المبنى الذي احتمى فيه السكان كان قد تعرض للقصف سابقًا، إلا أن الظروف الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة دفعتهم إلى اتخاذ أماكن خطرة كهذه مساكن لهم، في ظل تقلص مساحة القطاع وسيطرة جيش الاحتلال على أكثر من 70% من مساحته، إلى جانب تدمير نحو 90% من المباني.

وقال الدفاع المدني في غزة إن "عمارة السعادة" المكونة من ستة طوابق انهارت على سكانها وخيام للنازحين بجوارها، موضحا أن طواقمه تعمل بالتعاون مع بلدية غزة منذ منتصف الليل للوصول إلى العالقين، في ظل نقص حاد في المعدات والآليات الثقيلة.

وذكر الجهاز في مؤتمر صحفي أن نحو 15 شخص مازالوا مجهولي المصير تحت أنقاض البنية السكنية المكونة من 6 طبقات وتضم 24 شقة في مدينة غزة.

المعدات غائبة

وتعقيبا على الفاجعة قالت مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا، ندى نبيل ، إن ما جرى يعكس الظروف المأساوية التي دفعت السكان إلى السكن في أماكن خطرة، مشيرة إلى أن هؤلاء الأشخاص لم يختاروا هذه الأماكن باعتبارها آمنة، وإنما اضطروا إليها في ظل عدم وجود خيارات أخرى للسكن.

وفيما يتعلق بأعداد المفقودين تحت الأنقاض، تشير نبيل إلى أن التقديرات السابقة كانت تتحدث عن وجود ما بين 4 و5 آلاف مفقود تحت الأنقاض في قطاع غزة، موضحة أنه في حال لم يتم انتشال نحو 15 شخص موجودين حاليًا تحت المبنى، فإن العدد سيزيد، لكن من المبكر إعطاء إحصائية محدثة أو نهائية.

وتوضح أن السبب في ذلك يعود إلى عدم إمكانية الجزم بأن الأشخاص الموجودين تحت المبنى قد فقدوا حياتهم، إذ لا يزال هناك أمل في أن تتمكن فرق الدفاع المدني من انتشال المزيد من الضحايا وإنقاذ من يمكن إنقاذه، معربة عن الأمل في أن يكون الأشخاص العالقون ما زالوا على قيد الحياة وأن تتمكن فرق الدفاع المدني من الوصول إليهم.

لكن حجم المبنى والدمار الذي تعرض له، إلى جانب قلة الإمكانيات والمعدات الموجودة لدى فرق الدفاع المدني، يجعل عمليات البحث والإنقاذ شديدة الصعوبة، فيما ترجح نبيل أن يكون هناك عدد لا بأس به من الأشخاص الذين قد يفقدون حياتهم خلال فترة العمل.

وكان الدفاع المدني قد صرح بأنه قد يحتاج إلى ثلاثة أيام على الأقل من أجل إكمال عمليات انتشال باقي الجثامين الموجودة تحت الأنقاض، ولذلك، تؤكد نبيل أن الحديث عن عدد نهائي للمفقودين تحت هذا المبنى أو عن مصيرهم لا يزال مبكرًا.

وتشير نبيل إلى أن انهيار المبنى في ظل عدم وجود المعدات اللازمة لدى فرق الدفاع المدني، وطول المدة التي قد تستغرقها عمليات الانتشال، يزيد من إمكانية ارتفاع أعداد الضحايا، سواء الأشخاص الذين قد يفقدون حياتهم أو أولئك الذين قد لا تتمكن فرق الدفاع المدني من الوصول إليهم.

وتضيف أنه في أي منطقة منكوبة تعرضت لحرب طاحنة أو نزاع كبير، فمن الطبيعي، خصوصًا بعد إعلان وقف إطلاق النار، أن يتم إدخال قوافل المساعدات ومواد الإغاثة ومعدات الإنقاذ لإنقاذ الأرواح والتعامل مع الضحايا الموجودين تحت الأنقاض، لافتة إلى أن الاحتلال يمنع ذلك ، رغم مرور فترة طويلة على وقف إطلاق النار في قطاع غزة، إذ لا تزال المعدات الثقيلة ومعدات الإنقاذ غائبة، ما يبقي فرق الدفاع المدني أمام إمكانيات محدودة في التعامل مع الضحايا والمباني المنهارة.

وشددت على ضرورة ممارسة المجتمع الدولي الضغط على "إسرائيل" لإدخال المعدات المطلوبة إلى قطاع غزة، سواء للتعامل مع الأشخاص الموجودين تحت الأنقاض من ضحايا السنوات الثلاث الماضية، أو ضحايا هذه الحادثة، أو حتى الحوادث التي قد تقع مستقبلًا.

ولا تتوقف المخاوف عند هذه الحادثة، إذ تشير نبيل إلى أن الدفاع المدني تحدث عن وجود نحو 2000 منزل آيل للسقوط، لا يزال مأهولًا بالسكان، في وقت يقترب فيه فصل الشتاء، ما يثير مخاوف من تكرار مثل هذه الحوادث خلال الأشهر المقبلة.

وتؤكد أن غزة لا تحتاج إلى مزيد من الضحايا أو المآسي، وأن بالإمكان تفادي المزيد منها من خلال توفير عدد أكبر من المعدات التي تساعد الدفاع المدني على العمل بسرعة وإنقاذ الأرواح والاستجابة الفورية للأزمات، إلى جانب توفير مآوٍ بديلة للسكان عن المباني والمناطق الخطرة التي يضطرون إلى السكن فيها بسبب عدم وجود خيارات أخرى.

جرس إنذار لمجلس السلام

بدوره، قال أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، د. رائد أبو بدوية، إن انهيار مبنى سكني متضرر من القصف في قطاع غزة وسقوط شهداء بينهم أطفال، فيما لا يزال أشخاص عالقين تحت الأنقاض، يعكس خطورة الظروف التي يُجبر المدنيون في غزة على العيش فيها، ولا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد حادث إنشائي منفصل عن الواقع الإنساني والقانوني القائم في القطاع.

وأوضح أبو بدوية، في تصريح خاص لوكالة شهاب، أن حماية المدنيين من منظور القانون الدولي الإنساني لا تعني فقط الامتناع عن استهدافهم، وإنما تفرض أيضًا التزامات إيجابية تجاه السكان في الأراضي المحتلة، مشيرًا إلى أن المادة 43 من لوائح لاهاي تلزم القوة القائمة بالاحتلال باتخاذ جميع التدابير الممكنة لإعادة النظام العام والسلامة وضمانهما، بينما تنص المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة على واجب ضمان الإمدادات الغذائية والطبية للسكان، وإدخال ما يلزم منها عندما تكون موارد الإقليم غير كافية.

وأضاف أن المادة 59 تلزم بالسماح بعمليات الإغاثة وتسهيلها عندما يكون السكان غير مزودين بما يكفي من الإمدادات الأساسية.

وأشار إلى أن هذه القواعد تكتسب أهمية خاصة في الحالة الراهنة، لأن المشكلة لا تتعلق بالغذاء والدواء فقط، وإنما بالمأوى الآمن أيضًا، موضحًا أن القانون الدولي الإنساني، ولا سيما قواعد حماية السكان في الأراضي المحتلة، يتناول كذلك توفير وسائل المأوى والمواد الضرورية لبقاء السكان، وقد أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن هذه الالتزامات تشمل توفير المأوى والإمدادات الأساسية عندما تكون الموارد المحلية غير كافية.

وبيّن أن استمرار منع أو تقييد إدخال الكرفانات والمعدات والمواد اللازمة لإزالة الركام وتأهيل المساكن، في ظل وجود أعداد كبيرة من المباني المتضررة وعدم توافر أماكن إيواء كافية، يثير مسألة قانونية تتعلق بمدى الوفاء بالتزامات حماية المدنيين وتوفير الظروف الأساسية لبقائهم بأمان.

وأكد أن ذلك لا يعني أن القانون الدولي يفرض السماح بدخول كل مادة دون أي رقابة، فالقانون يعترف بإمكان اتخاذ إجراءات أمنية، لكن هذه الإجراءات يجب أن تتوافق مع الالتزامات الإنسانية ومبادئ التناسب وعدم حرمان السكان من الاحتياجات الأساسية، لافتا إلى أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكدت أن القيود الأمنية على تدفق بعض السلع ممكنة، لكنها لا تلغي الالتزام بتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

وذكر أن استمرار وجود مبانٍ متضررة ومهددة بالانهيار، مع غياب البدائل السكنية الآمنة، يحول مسألة إعادة الإعمار من قضية مستقبلية إلى قضية حماية فورية للحياة، موضحًا أن المسؤولية هنا لا تقتصر على إعادة بناء ما دمر، وإنما تبدأ بمنع تعريض المدنيين لخطر يمكن توقعه ومعالجته.

كما أشار إلى أن وجود ترتيبات دولية يفترض أن تتولى الإشراف على التعافي وإعادة الإعمار يطرح سؤالًا عن مدى قدرتها الفعلية على ضمان تنفيذ هذه الترتيبات على الأرض، مؤكدًا أن وجود آلية دولية لا تكون له قيمة عملية إذا لم تستطع توفير الحماية والمأوى الآمنين أو ضمان وصول المواد والمعدات اللازمة إلى السكان.

وتابع أن ما حدث اليوم هو تحذير جديد من أن تأخير توفير المأوى الآمن وإزالة مخاطر المباني المتضررة قد تكون له كلفة بشرية مباشرة، وفي ظل التحذيرات من وجود مبانٍ أخرى معرضة للانهيار، فإن التحرك لتوفير بدائل آمنة للسكان وإزالة مصادر الخطر يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من الالتزام بحماية المدنيين، وليس مجرد ملف لإعادة الإعمار يمكن تأجيله.

وبين، أن المسؤولية الآن تقع بصورة مباشرة على مجلس السلام والجهات الدولية المنخرطة في ترتيبات المرحلة الانتقالية، مشددًا على أنه لم يعد مقبولًا أن تبقى هذه الترتيبات في إطار البيانات والخطط والوعود، بينما يواجه المدنيون خطر الموت تحت أنقاض مبانٍ متضررة لا يملكون بدائل آمنة للعيش فيها.

وأوضح أن مجلس السلام، الذي أُسندت إليه أدوار تتصل بإعادة الإعمار والتعافي في غزة، مطالب اليوم باستخدام ما لديه من أدوات ونفوذ لضمان إدخال الكرفانات، ومعدات إزالة الركام، والمواد اللازمة لترميم المساكن، وتوفير بدائل آمنة للسكان المهددين.

وأشار إلى أنه إذا كانت هناك عوائق أمام ذلك، فعليه أن يعلنها بوضوح وأن يمارس الضغط اللازم لمعالجتها، بدل أن يتحول وجوده إلى مجرد غطاء إداري لمرحلة لا تزال فيها أبسط متطلبات حماية المدنيين غير متحققة.

وأردف، ما جرى اليوم يجب أن يكون جرس إنذار لمجلس السلام، مؤكدًا أنه لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار أو تعافٍ اقتصادي بينما يعيش المدنيون داخل مبانٍ مهددة بالانهيار، وأن المطلوب تحرك فوري وملموس لحماية الأرواح، لأن التأخر في إدخال المأوى والمعدات اللازمة قد يعني انتظار مأساة جديدة.

اخبار ذات صلة