تقرير - شهاب
«ثم كوفئ على تدمير مآذنها بزيادة العلاقات، وفتح السفارات، وتبادل السفراء... نحن لم نتفاجأ؛ فالعلاقات كانت موجودة قبل الحرب، وظهرت ملامحها بوضوح خلال الحرب، وما جرى اليوم ليس إلا إعلانًا رسميًا عما كان قائمًا من قبل....»
بهذه الكلمات ودّع الشاب محمد ناصر سليمان البيوك صفحته على «فيسبوك»، دون أن يعلم أنها ستكون الأخيرة. كتبها تحت اسمه المستعار «أبو ناصر الغزاوي»، وأرفق بها صورة مسجد انهار نصفه، وقبّته معلّقة فوق الركام، ورجل وحيد يمشي بين الحجارة كأنه يبحث عن شيء لم يعد موجودًا.
بعد ساعة واحدة فقط، لم يعد محمد يكتب. استُشهد، اليوم الخميس، في قصف لقوات الاحتلال استهدف مخيم «نهر البارد» جنوب مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، وفق ما أفادت مصادر محلية.
ساعة واحدة فصلت بين شاب يتأمل صورة مسجد مهدّم ويسأل عن ثمنه، وبين خبر استشهاده. كان يكتب عن المآذن التي سقطت، فسقط بعدها بقليل، في المدينة ذاتها التي تحفظ أزقّتها أسماء من رحلوا قبله.
لم يكن منشوره انفعالًا عابرًا، بل تعليقًا على خبر تصدّر نشرات الليلة السابقة. فقد اتفق المغرب والاحتلال على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى مستوى سفارات كاملة وتبادل السفراء، إلى جانب استئناف الرحلات الجوية المباشرة قبل نهاية العام الجاري، وفق بيان مشترك صدر عقب اجتماع ثلاثي ضم مسؤولين من الولايات المتحدة والمغرب والاحتلال.
وجمع الاجتماع، الذي عُقد في نيويورك، وزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر ونظيره المغربي ناصر بوريطة والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتس. وبحسب البيان، اتفق الطرفان على استكمال اتفاقيتين لحماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي بحلول نهاية 2026، وعلى توسيع الرحلات الجوية المباشرة وتبادل زيارات رفيعة المستوى خلال الأشهر المقبلة، فيما تحدث البيان عن توسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا والأمن والابتكار والتجارة والطاقة والأمن الغذائي.
ولم يحدد البيان جدولًا زمنيًا لافتتاح السفارات، علمًا بأن الاحتلال كان قد أصدر إعلانًا مماثلًا في يونيو. ويأتي القرار بعد نحو خمس سنوات على استئناف العلاقات بين الرباط وتل أبيب أواخر عام 2020 برعاية أمريكية، وهو مسار وصفته تقارير صحفية بأنه شهد تقدمًا بطيئًا وسط رفض شعبي في الشارع المغربي.
بين قاعة الاجتماع في نيويورك، وركام مخيم «نهر البارد» في خان يونس، مسافة لا تقاس بالكيلومترات. هناك وُقّعت تفاهمات عن السفارات والرحلات والاستثمار، وهنا كتب شاب غزّي سطوره الأخيرة، ثم صار اسمه يُضاف إلى قائمة طويلة من الشهداء.
رحل محمد البيوك، وبقي منشوره معلّقًا على صفحته، شاهدًا على يوم أُعلن فيه تبادل السفراء، ودُفن فيه شاب كان يسأل: بأي ثمن؟