يلقي رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الخميس 24 سبتمبر/أيلول، كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في زيارة قصيرة تأتي بينما تواجه "إسرائيل" انتقادات دولية متزايدة بسبب حربها على قطاع غزة، فيما يخوض نتنياهو حملة انتخابية داخلية قبل الانتخابات التشريعية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول.
وتشير المعطيات المحيطة بالزيارة إلى أن خطاب نتنياهو لن يقتصر على الدفاع عن السياسات الإسرائيلية في غزة، بل سيجمع بين مهاجمة منتقدي "إسرائيل"، والدفاع عن الجيش، ومواجهة الانتقادات الدولية، وشن هجوم على رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، في ظل خلاف علني بين الطرفين بشأن الحرب على غزة ومذكرة التوقيف الصادرة بحق نتنياهو من المحكمة الجنائية الدولية.
وتأتي كلمة نتنياهو في وقت أقر فيه مسؤولون إسرائيليون ومراقبون بأن الزيارة تحمل بعدًا انتخابيًا واضحًا، إذ نقلت رويترز عن السفير الإسرائيلي السابق مايكل أورين توقعه أن يكون الخطاب أقرب إلى "خطاب انتخابي"، مشيرًا إلى أن نتنياهو يخاطب الجمهور الإسرائيلي بقدر ما يخاطب الجمعية العامة.
فلسطين في المواجهة
يحضر العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية في صدارة أعمال الجمعية العامة، في وقت يلقي فيه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كلمته عبر الفيديو، بعدما رفضت الولايات المتحدة منحه تأشيرة دخول إلى أراضيها للمشاركة شخصيًا في أعمال الجمعية العامة.
وكانت الجمعية العامة قد تبنت في 17 سبتمبر/أيلول قرارًا يسمح للرئيس الفلسطيني بالمشاركة عن بُعد، بأغلبية 152 صوتًا، في خطوة قالت الأمم المتحدة إنها جاءت على خلفية رفض الولايات المتحدة منح تأشيرات لمسؤولين فلسطينيين.
ويُتوقع أن تغادر البعثة الفلسطينية القاعة أثناء كلمة نتنياهو، كما حدث خلال خطابه العام الماضي، في مشهد يعكس حجم التوتر السياسي الذي يرافق حضور رئيس حكومة الاحتلال إلى مقر المنظمة الدولية.
وتحضر القضية الفلسطينية كذلك من خلال الانتقادات التي وجهها عدد من قادة العالم خلال اجتماعات الجمعية العامة إلى الحرب الإسرائيلية على غزة، في وقت تحاول فيه الحكومة الإسرائيلية الدفاع عن عملياتها العسكرية في القطاع أمام الضغوط الدولية المتصاعدة.
نتنياهو يتحدث عن "جنوده"
من المتوقع أن يخصص نتنياهو جانبًا من خطابه للدفاع عن الجيش الإسرائيلي، مستندًا إلى حادثة إصابة جندي احتياط إسرائيلي بجروح بالغة في عملية دهس وقعت الأربعاء في الضفة الغربية المحتلة، وهو ابن السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر.
وكان نتنياهو قد قال في رسالة مصورة قبيل توجهه إلى نيويورك إنه سيحضر إلى الأمم المتحدة من أجل "قول الحقيقة" بشأن ما وصفهم بـ"جنودنا الأبطال".
ويأتي ذلك ضمن محاولة متوقعة من نتنياهو لإعادة تقديم الرواية الإسرائيلية للحرب، في مواجهة الانتقادات التي تطال العمليات العسكرية في غزة والضفة الغربية.
وكان نتنياهو قد أعلن في وقت سابق أنه سيستخدم منبر الأمم المتحدة للدفاع عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، فيما تتهمه أطراف دولية وسياسية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي اتهامات ترفضها الحكومة الإسرائيلية.
اشتباك مع زهران ممداني
ومن أبرز المشاهد المنتظرة في كلمة نتنياهو، هجومه على رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، الذي أصبح أحد أبرز منتقدي الحرب الإسرائيلية على غزة.
وكان ممداني قد وصف نتنياهو، خلال مقابلة مع شبكة "سي إن إن" هذا الأسبوع، بأنه "مجرم حرب" و"مهندس إبادة جماعية مروعة بحق الفلسطينيين"، كما جدد موقفه الداعي إلى احترام مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية.
ورد نتنياهو على ممداني في رسالة مصورة، متهمًا إياه بدعم حركة حماس والتحريض ضد اليهود في نيويورك، وقال إنه سيتوجه إلى الأمم المتحدة "ليقول الحقيقة" عنه.
لكن ممداني رد بأن نتنياهو هو الخاضع لمذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بشأن اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مجددًا وصفه بأنه "مهندس إبادة جماعية" بحق الفلسطينيين.
وكان ممداني قد تحدث سابقًا عن إمكانية اعتقال نتنياهو في حال زيارته نيويورك، قبل أن يقر لاحقًا بأنه لا يملك الصلاحية القانونية لتنفيذ مذكرة التوقيف.
غياب ترمب
ويجري نتنياهو زيارة قصيرة إلى نيويورك، وسط غياب اجتماع معلن مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وبحسب المعطيات المنشورة، تشمل لقاءات نتنياهو المعلنة عددًا من قادة ومسؤولي دول، من بينها الأرجنتين وبوليفيا وباراغواي وبنما وإثيوبيا، إلى جانب نائب رئيس كولومبيا ورؤساء وزراء اليونان وسلوفينيا وبابوا غينيا الجديدة.
ويبرز غياب لقاء معلن مع ترمب باعتباره أحد تفاصيل الزيارة، خصوصًا في ظل العلاقة الوثيقة بين الرجلين خلال مراحل سابقة، والتباينات التي ظهرت بين واشنطن وحكومة نتنياهو في عدد من ملفات المنطقة.
كما تأتي الزيارة في ظل حديث عن تراجع الحضور الدبلوماسي الإسرائيلي في عدد من العواصم، بينما تحاول حكومة الاحتلال الحفاظ على علاقاتها مع حلفائها ومواجهة الضغوط السياسية المتزايدة بشأن الحرب على غزة.
الرد على الانتقادات الدولية
ومن المتوقع أن يشن نتنياهو هجومًا على الأمم المتحدة والدول التي تنتقد سياسات "إسرائيل"، مستعيدًا بذلك نمطًا اعتمده في خطابات سابقة أمام الجمعية العامة.
فقد استغل عدد من قادة العالم، وبينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، منبر الجمعية العامة لانتقاد الحرب الإسرائيلية على غزة والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
وتشير قراءة إسرائيلية نقلتها رويترز إلى أن نتنياهو سيحاول الدفاع عن "إسرائيل" ومواجهة منتقديها، إلى جانب التحذير من إيران وتقديم الموقف الإسرائيلي باعتباره جزءًا من مواجهة تهدد المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، يأتي خطاب نتنياهو بينما يخوض حملته الانتخابية قبل الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، وهو ما دفع مراقبين إسرائيليين إلى ربط مضمون الخطاب بالحسابات السياسية الداخلية.
السخرية من العالم
ومن المتوقع أيضًا أن يحاول نتنياهو تحويل الانتقادات الدولية الموجهة إلى "إسرائيل" إلى مادة للهجوم على خصومها السياسيين، وربما السخرية من مواقف عدد من القادة والمسؤولين الذين انتقدوا الحرب على غزة.
ويأتي ذلك في وقت تتسع فيه دائرة الاتهامات الموجهة إلى "إسرائيل" بشأن مسؤوليتها عن الانتهاكات بحق الفلسطينيين خلال الحرب، وصولًا إلى استخدام بعض القادة والسياسيين وصف "الإبادة الجماعية" في حديثهم عن غزة.
ويبرز ممداني في هذا السياق بوصفه أحد أكثر المنتقدين وضوحًا لنتنياهو، بعدما وصفه صراحة بأنه "مهندس إبادة جماعية" بحق الفلسطينيين، بينما يرفض نتنياهو وحكومته هذه الاتهامات ويقولان إن الحرب تستهدف حركة حماس وليس الفلسطينيين.
وبذلك، يُنتظر أن يحاول نتنياهو في خطابه قلب اتجاه النقاش، من مساءلة "إسرائيل" عن حرب غزة إلى مهاجمة من يوجهون إليها هذه الاتهامات، مستخدمًا منبر الأمم المتحدة للدفاع عن سياسته والهجوم على خصومه.
تحت ضغط الانتخابات والعزلة
وتأتي كلمة نتنياهو في ظل ما تصفه تقارير دولية وإسرائيلية بتزايد العزلة الدبلوماسية لـ"إسرائيل" منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية بسبب استمرار الحرب والسياسات المتبعة في الأراضي الفلسطينية.
كما يواجه نتنياهو قيودًا على سفره إلى عدد من الدول على خلفية مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحقه وبحق وزير الجيش الإسرائيلي السابق يوآف غالانت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وفي وقت سابق من سبتمبر/أيلول، أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا إجراءات تستهدف مستوطنات إسرائيلية في الضفة الغربية، في خطوة أضافت إلى الضغوط الدبلوماسية على حكومة الاحتلال.
ومن هنا، تبدو منصة الأمم المتحدة بالنسبة إلى نتنياهو مساحة مزدوجة: الدفاع عن الحرب والرواية الإسرائيلية أمام الانتقادات الدولية، وفي الوقت نفسه تقديم خطاب يخدم معركته السياسية داخل "إسرائيل" قبل أسابيع من الانتخابات.
وبينما يدخل نتنياهو قاعة الجمعية العامة في ظل احتجاجات وانتقادات واسعة، ستكون غزة حاضرة في خلفية الخطاب، سواء من خلال الدفاع الإسرائيلي عن الحرب أو الاتهامات الدولية المتعلقة بالانتهاكات التي ارتكبت خلالها، في مواجهة فلسطينية ودولية متزايدة للرواية التي تسعى حكومة الاحتلال إلى تثبيتها أمام العالم.