☰
✕

قائمة الموقع

تقرير "سبوبة" غزة.. حين تتحول مأساة الفلسطينيين إلى وسيلة لجمع المال وتحقيق مصالح شخصية

2026-09-26T10:23:00+03:00
وكالة شهاب

خاص / شهاب

منذ اندلاع الحرب على غزة، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة واسعة لنداءات التبرع، مع آلاف المنشورات التي يطلب أصحابها عبرها أموالًا يقولون إنها مخصصة لعائلات فلسطينية أو مرضى وأطفال داخل القطاع، أو لتوفير الغذاء والدواء ومستلزمات الحياة اليومية.

وتنتشر هذه المنشورات من حسابات شخصية في أوروبا والدول العربية ومناطق مختلفة من العالم، مرفقة بصور لأطفال ونازحين وبيانات بنكية وروابط إلكترونية لتحويل الأموال، فيما تتكرر معها منشورات أخرى لمستخدمين يشككون في بعض الحملات ويتساءلون عن أصحابها والجهة التي تصل إليها التبرعات.

مصالح شخصية 

وبينما توجد حملات حقيقية أطلقها فلسطينيون وعائلات من داخل غزة لمواجهة الاحتياجات اليومية، فإن سيل طلبات التبرع فتح في الوقت نفسه مساحة لاستغلال التعاطف مع الفلسطينيين، وهو ما بدأ يظهر في وقائع انتقلت من نطاق المنشورات المتداولة إلى تحقيقات رسمية وملفات قضائية، بعدما استخدم أشخاص اسم غزة أو القضية الفلسطينية في جمع الأموال أو تقديم روايات شخصية للحصول عليها.

في الولايات المتحدة، كشفت قضية رضا مازن رضا سباسي عن أحد هذه المسارات، بعدما أعلنت وزارة العدل الأميركية في يونيو/حزيران 2026 توجيه اتهامات إليه تتعلق بجمع الأموال عبر حملات قدمها على أنها إنسانية، ثم تحويل جزء منها إلى جهات أخرى واستخدام جزء آخر في نفقات شخصية. وقالت الوزارة إن سباسي استخدم حساباته على مواقع التواصل ومواقع التمويل الجماعي ومنظمة حملت اسم «إكرام» لجمع التبرعات، مدعيًا أن الأموال ستخصص لمساعدة سكان غزة، فيما تقول الشكوى إن جزءًا من الأموال التي جمعها استُخدم لدفع إيجاره ونفقات على بطاقته الائتمانية ومصروفات شخصية

وفي فيلادلفيا، ظهرت واقعة مختلفة ارتبطت أيضًا بالمال والرواية الشخصية التي يقدمها صاحبها للآخرين، بعدما اعترفت المعلمة والناشطة هانا غان بأنها كذبت لسنوات بشأن خلفيتها وقدمت نفسها في أوساط ناشطة مؤيدة للفلسطينيين على أنها فلسطينية وسوداء، قبل أن تقر بأنها امرأة بيضاء يهودية.

وقالت صحيفة "فيلادلفيا إنكوايرر" إن مجموعات ناشطة في المدينة واجهتها بشأن خلفيتها، وإنها اعترفت خلال اجتماع معهم بأنها اختلقت هذه الرواية. كما أوردت الصحيفة أن وثيقة أعدها ائتلاف فلسطين في فيلادلفيا أشارت إلى أنها تحدثت عن ضائقة مالية مرتبطة بإرسال أموال إلى أقارب في فلسطين، وأن أشخاصًا قدموا لها أموالًا بناءً على ذلك.

وفي الهند، انتقلت الشبهات المتعلقة بجمع الأموال باسم الفلسطينيين وغزة إلى تحقيق رسمي بعدما وضع جهاز مكافحة الإرهاب في ولاية ماهاراشترا مسؤولًا عن منظمة غير حكومية تحت المراقبة بسبب طريقة جمع التبرعات. وقالت الشرطة، في مايو/أيار 2025، إن قريشي شاه روخ قريشي تشوتي ميا، رئيس مؤسسة «حماية» في منطقة بيد، كان يجمع أموالًا من خلال منشورات ومقاطع فيديو تدعو إلى مساعدة الفلسطينيين وسكان قطاع غزة.

وبحسب ما نقلته وكالة "برس ترست أوف إنديا"، اكتشف جهاز مكافحة الإرهاب أن رمز الاستجابة السريعة المستخدم في المنشورات كان مرتبطًا بحساب شخصي ومحفظة إلكترونية تعود إلى قريشي، بدلًا من الحساب الرسمي للمؤسسة. وأجرت السلطات تحويلًا تجريبيًا بقيمة رمزية للتأكد من مسار الأموال، وقالت إنه وصل إلى الحساب الشخصي، ما دفعها إلى تسجيل قضية ومواصلة التحقيق في الأموال التي جرى جمعها والجهات التي وصلت إليها.

خاصية إكس

وفي نيجيريا، ظهرت حالات مرتبطة مباشرة بحملات تبرعات تحمل أسماء وقصصًا من غزة، بعدما كشفت خاصية جديدة على منصة "إكس" في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 عن حسابات تقدم أصحابها على أنهم فلسطينيون أو يعيشون في القطاع، بينما أظهرت بيانات المنصة أن الحسابات تُدار من نيجيريا. ومن بين الحالات التي أثارت الانتباه حساب باسم دانا الحَبيل، ارتبط بحملة تبرعات عبر «غو فاند مي» جمعت نحو 64 ألف يورو، وحساب آخر باسم ديما الغُرباوي قيل إن حملة مرتبطة به جمعت نحو 34 ألف دولار، مع مؤشرات على ارتباط الحساب بنيجيريا.

ووفق ما نقلته وسائل إعلام نيجيرية يمكن لهذه الحملات أن تجمع تبرعات صغيرة من مئات الأشخاص، ثم تُجمع الأموال في حسابات وسيطة قبل تقسيمها إلى تحويلات أصغر عبر شركات تحويل الأموال وتطبيقات الدفع، بما يصعّب تتبع مصدرها والجهة النهائية التي تصل إليها. وأكدت الوحدة أن هذه الآلية جزء من أنماط أوسع رصدتها في تمويل الأنشطة غير المشروعة.

ولم تقتصر عمليات استغلال اسم غزة في جمع الأموال على حسابات شخصية أو حملات تمويل جماعي، بل رصدت شركات وجهات متخصصة في الأمن الرقمي أنماطًا منظمة من الاحتيال استغلت الحرب والمشاهد الإنسانية لدفع المستخدمين إلى تحويل الأموال.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023، قالت شركة نتكرافت المتخصصة في رصد الجرائم الإلكترونية إنها رصدت حملات احتيالية ظهرت خلال الأيام الأولى للحرب، وتمكنت من تتبع أكثر من 1.6 مليون دولار من العملات المشفرة إلى محافظ مرتبطة بعمليات احتيال في التبرعات.

وأوضحت الشركة أن القائمين على هذه الحملات اعتمدوا على الأحداث الجارية واللغة العاطفية والاستعجال في طلب التبرع، بهدف دفع المستخدم إلى إرسال الأموال قبل التحقق من الجهة المستفيدة.

وأظهرت متابعة "نتكرافت" أن بعض هذه الحملات لم تكتفِ بوضع عناوين مرتبطة بغزة وفلسطين لجمع الأموال، وإنما استخدمت مواقع إلكترونية تنتحل صفة جهات إغاثية حقيقية، فيما طلبت حملات أخرى تحويل الأموال مباشرة إلى محافظ للعملات المشفرة. وقالت الشركة إنها رصدت مئات رسائل البريد الإلكتروني الاحتيالية المرتبطة بالتبرع على خلفية حرب غزة، إلى جانب مواقع صُممت لاستدراج المستخدمين وتحويل أموالهم إلى القائمين على الاحتيال.

وفي مسار آخر، رصد موقع مسبار حملات استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لانتحال صفة سكان من قطاع غزة بهدف جمع التبرعات واستغلال تعاطف المتابعين. وقال الموقع في تحقيق نشره ديسمبر/كانون الأول 2025 إنه رصد حسابات تنشر مقاطع مصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر فيها نساء وأطفال في مشاهد مصممة لاستدرار التعاطف، مع تقديم أصحاب الحسابات أنفسهم على أنهم من غزة وتوجيه المتابعين إلى التفاعل أو تقديم الدعم. وأشار التحقيق إلى أن بعض الحسابات التي جرى رصدها لم تقدم أدلة يمكن التحقق منها تثبت أن القائمين عليها من سكان القطاع.

3 ملايين منشور

ولم تكن حملات جمع التبرعات الوهمية ظاهرة محدودة بعدد من الحالات الفردية، إذ خلصت دراسة أكاديمية قدمت في مؤتمر الويب العالمي عام 2025 إلى وجود أنماط واسعة من الاحتيال المرتبط بالتبرعات على مواقع التواصل الاجتماعي. وحلل الباحثون أكثر من 3 ملايين منشور مرتبط بالتبرعات، تعود إلى 151 ألفًا و966 حسابًا على منصات "إكس" و"إنستغرام" و"فيسبوك" و"يوتيوب" و"تلغرام"، خلال الفترة الممتدة من مارس/آذار إلى مايو/أيار 2024، قبل أن تحدد عملية التحقق 832 حسابًا باعتبارها حسابات مرتبطة بعمليات احتيال في التبرعات.

وبيّنت الدراسة أن هذه الحسابات استخدمت أكثر من وسيلة للوصول إلى أموال المتبرعين، بينها إنشاء مواقع إلكترونية وهمية لجمع التبرعات، وإطلاق حملات تمويل جماعي مضللة، ودفع المستخدمين إلى التواصل عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف ثم تحويل الأموال باستخدام وسائل دفع مختلفة. كما استعان الباحثون ببيانات من "باي بال" وقاعدة بيانات "تشين أبوز" المتخصصة في إساءة استخدام العملات المشفرة للتحقق من عدد من مؤشرات الاحتيال وقياس الخسائر المرتبطة بهذه العمليات.

ولا تتناول الدراسة الحرب على غزة تحديدًا، لكنها تقدم صورة بحثية واسعة عن البيئة الرقمية التي ظهرت فيها آلاف حملات التبرع خلال السنوات الأخيرة، وتوضح أن منصات التواصل يمكن أن تتحول إلى قناة لجمع الأموال عبر حسابات ومواقع وحملات مصممة لخداع المتبرعين، وهي الآليات نفسها التي ظهرت في عدد من الحملات التي حملت أسماء وقصصًا مرتبطة بغزة.

في ظل اتساع حملات التبرع الرقمية، تؤكد الوقائع والتحقيقات أن مأساة غزة أصبحت في بعض الحالات مدخلًا لعمليات جمع أموال مضللة، مستفيدة من حجم التعاطف وسرعة انتشار المحتوى، فيما يبقى الخطر الأكبر في أن يدفع هذا الاستغلال المتبرعين إلى فقدان الثقة بحملات الإغاثة الحقيقية وأصحابها.

اخبار ذات صلة